عندما سمعت بشيرة صوت نقرات علىالباب ,شمّت رائحة زوجها العائد من الحقل بعد يوم عمل شاق,امضاه في حرث الارض,والعناية بتربتها قبل موعد البذار0
بدافع من الشوق تهيأت لاستقبال القادم, وبشيء من الانوثة,رتّبت خصلات من الشّعر المتناثرة فوق جبينها ,ورطبت شفتيها المتشقّقتين برضابها,ولم تنس أن تضيء وجهها بابتسامة رقيقة ,أوحت الى صغيرها فهد بوصول أبيه,فلحق بها لمشاركتها في مراسم الاستقبال الّتي أحبها,ونافس فيها والدته في أحيان كثيرة0
وعندما فتحت البّاب,تأكّد لها أنها مازالت تحبّه كأوّل يوم التقت به قبل ثمان سنوات,رغم ماينتابه من تبدّلات نفسيّة قد تكون مؤذية اذا ما ألمّ به خطب عظيم0
قال لها ذات يوم في جلسة صفاء:اكره ضعفي عند الغضب, لانني أتبدّل بأخر لاأعرفه,ربما زرت طبيبا لمعالجة ذلك0
أيّدته بشيرة بابتسامة عذبة,فابتسم0
وحين خرج من الحمّام,وقد أزال ماعلق به من تراب وغبار,وما أفرزه جسمه من عرق,وجد ابنه فهد قدّ مدّ له سجّادة الصّلاة ,فأدّى صلاة العصر وبشيرة والصّغير يأتمان به00
فوق حصير تحلّق الثّلاثة حول طبق من القش,مليءبصحون الطّعام,وراحوا يتبادلون أطراف الحديث وهم يتناولون غداءهم بشهيّة مفرطة0
كان المرح سيّد الموقف,انها أوقات المعانقة العائليّة,حيث المحبة والهناء0
أفرغ أبو فهد في فمه آخر قطرة من الشّاي كانت في كأسه,والنّعاس يداعبجفنيه,بينما راح الصّغير يضحك من أبيه ,واضعا يمناه فوق شفتيه خجلا من الفراغ الّذي أحدثه سقوط بعض أسنانه اللبنيّة في سنّ التّبديل0
تثاءب سعيد وهو يمدّد جسده فوق الأريكة,وعيناه تنظران الى بشيرة بحبّ وامتنان0
أحسّ فهد بالملل بعد استلقاء والده,فاستأذنه بالخروج الى الحارة للعب مع رفاقه الذّين ملأت أصواتهم أرجاء الغرفة ضجيجا,فسمح له على أن لايتأخر كثيرا خارج البيت0
أغلق فهد الباب وراءه بهدوء,والفرحة تطير به على جناح الحيوية والنّشاط,للقاء أصدقائه الأحباء ,بينما أبحر أبوه في نوم لذيذ0
اغفاءة قصيرة تصيّدتها عينا بشيرة قرب زوجها,ولكنّ صراخ الاطفال خلف النّافذة وصوت بكاء وحيدها فهد,قطّع شباك صيدها ,وأفلت النّوم من عينيها,فهبّت مذعورة تستطلع الامر0
قبل أن تصل يداها الى النّافذة ,امتدت يدا زوجها من خلفها ,تدفع بالشّباك الخشبيّ الى الخارج مستفسرا عمّا يبكي ولده0
هي مثله لاتعلم ,وقبل أن تجيب رأته يقفز من النّافذة ويركض باتجاه فهد الذي كان يضع يده فوق عينه اليمنى والدم يغطي وجهه وملابسه0
مشهد الدم جعل بشيرة تتخلّى عن أنوثتها,وتقفز من النّافذة كقردة متمردة وهي تصرخ: مابك يافهد؟ ماذا أصابك؟ 00فهد لم يجب,وكان جواب الدّم أبلغ0
رفع سعيد يد ابنه عن عينه000هاله مارأى00
تبدّلت العين الزّرقاء بهوة مظلمة , عميقة بعمق الالم ,تنبع من جنباتها الدّماء ممزوجة بشيء من الدّمع اللزج0
أخفت بشيرة وجهها براحتي كفيها,والكلمات تموت فوق شفتيها,بينما كانت القوة تنمو في جسد سعيد نارا يندفع بها هاربا بابنه الى المشفى القريب ,علّه يجد فيه من يطفيءتلك النّار الّتي راحت تأكل داخله بشراهة,وحين خرج الطّبيب من غرفة الاسعاف ,ربّت على كتف سعيد مواسيا ومعزّيا بفقء عين فهد, دارت به الدنيا 00دارت 00دارت وازدادت ناره اشتعالا
انتشر الخبر في القرية,فاجتمع الاهالي عندباب المشفى يستطلعون النّبأ,فشمّوا رائحة الحريق تخرج من فم سعيد بقوله لبشيرة على مسمع من الجّميع:أنت طالق يابشيرة بالثّلاثة ما لم أذبح محمودالذي فقأ عين فهد0
الجميع يعلم كم يحب الرّجل زوجته,ويعلمون أيضا كيف حارب من أجلها حتّى انتصر,فكيف يطلّقها؟!!
تطاير رماد الحريق في أجواء القريةالهادئة,فاستنشقه سكانهاريحا صرصرا0
فاجعة ألمّت بالقرية الآمنةقبل الغروب, عين فقئت,وطفل سيذبح ,أو امرأة ستطلّق,ياللهول,أحجر في مقلاع طفل صغير يقيم الدّنيا ويقعدها فوق الرّؤوس؟!!! لم لا؟ وحجرصغير في مقلاع طفل صغير قد يسقط حكومة تمتلك القنابل الذّريّة,بل حكومات0
أمام المحقق قال سعيد: هل من المعقول أن أرفع قضيّة على طفل صغير؟ قال المحقق: ولكنّك هددت بذبح الفتى0
أجاب سعيد بابتسامة صفراء: انّه كلام يقال عند الغضب ,اذا ذبحته ,اذبحوني0
وأغلق المحضر0
استنشقت عزيزة الرّماد ملء رئتيها ,فانهارت كغزالةبين أنياب ليث0
قال لها زوجها مشفقا,وقد تأبط بندقيّة الصّيد الّتي يمتلكها:
ثقي بي,لن أسمح لمخلوق بمسّ شعرة واحدة من ابننا محمود0
لكنّها لم تعد تثق بأ
خبأت عزيزة ابنها في ركن خفيّ من المنزل ,وأحكمت اقفال الباب ودعمته بالدرباس,وأغلقت كلّ النّوافذ,والطّفل منهوك القوى ,مسلوب الهدوء,يتبرأ من صيده الثّمين الّذي أصابه بحجر طائش لم يكن يقصد به شرّا0
وحين عادسعيد بابنه الى البيت ,سأله فهد:
هل سأرىبعيني ياأبي بعد رفع الضّماد؟
أجابه بحرقة: من قلع عينك ياولدي ,سأقطع عنقه بالسّكين0
سأله فهد : وهل يعيد قطع عنقه عيني؟
هذه المرة لم يجب بل همست بشيرة في أذن فهد:الحمد لله أن لك عينا ثانيةترى بها يابني0
أحاطات الشّائعات القرية,وتمرّدت الطّمأنينة فيها فسجنت بالقلق,وراح الأهالي يتقوقعون في بيوتهم بعد كل غروب,واذا سمعوا صوت امرأة تصيح ظنّوا المرأة عزيزة0
تمطّى الخوف في القرية وعربد في شوارعها,وخيّم اليأس فوقها شبحا اقشعرت له الابدان0
صمت00دمع 000وعد وسكين عطشىتنتظر الدماء0
عاشت عزيزة في قبضة الفزع أيّاما يتفتت فيها قلبها في كلّ لحظة مئة مرّة,فانهارت قواها وغشي الضّباب عينيها,وشلّ الأرق تفكيرها0
طال الحصار,أرهقها ,فسألت زوجها في لحظة وعيّ عابرة,أن يهربا بمحمود الى العاصمة ,فهناك لن يستطيع سعيد الوصول اليه في مدينة واسعة تكتظ بالسّكان وتمتلىء بالحارات0
كاد الرّجل يوافق لولا تدخّل الاهل والمقربين منه الّذين كانوا يأتون لزيارته أحيانا,فأقنعوه بالبقاءكي لايقال هرب جبنا ,فيطعن في رجولته,ويفقد احترام الجميع0
في قرية الرعب كان هناك شيءما يجري في الخفاء ,وقدأن الوقت لكشفه,والافصاح عنه,ولكنّ ذلك يحتاج لأذكى الرّجال,وأكثرهم حنكة , وقوة,وجاها0
الخطب جلل ,وقد أصاب الوهن النّفوس كما أصاب الرّكب0
ولكن مازال هناك رجال يفكّرون,ويدبّرون,وينفّذون0
اجتمع أكابر القرّية ووجهاؤها في بيت المختار,بدعوة من الشّيخ مفلح امام وخطيب المسجد لبحث المشكلة,وايجاد حل يرضي الطّرفين0
اختلفت الآراء ,وعلت الأصوات, وسادت الفوضى جوّ الاجتماع0
البعض طالب بدفع دية عين فهد مبلغا يحدده سعيد أو تقلع عين محمود0 أمّا البعض الآخر,فقد أراد احتساب الأمر قضاء وقدرا,وآخرون شغلهم مصير بشيرة0
لم يتّفق القوم على حلّ يطفيء نار الفتنة,فرأى الشّيخ مفلح انه من الضروري وجود سعيد بينهم لقطع الأسلاك المكهربة في تلك القضيّة,ولكن من يستطيع أن يأتي به,وقد رفض المجيء ؟
امتشق المختار قامته دون الجميع,متسلحابرباط الدم الّذي يصله بسعيد عن طريق أحد أجداده,متعهدا مسألة احضاره طوعا أو كرها,فتمنى له المجتمعون التّوفيق في مهمّته0
بعض الرّجال انزلقوا في الحديث الى شفا الهاوية,وكاد بعضهم يضرب بعضا,أمّا المختار,فقد كبّل سعيد بحنكته ,وعاد به بعد قليل ,وعيناه مطرقتان في الأرض حزنا,وغثيانا,فرحب به الجميع وقد شعر برجفة0
نظر الشّيخ مفلح في وجوه الحاضرين فتوقّفت عيناه عند سعيد ,فوجده في هوّة سحيقة ,يصعب الخروج منها دون جهد0بادره قائلا:والله لن نرتدي لباس النّساء,ونزرف الدّموع مادام للرجولة بقية0
تحدّث الشّيخ حتّى تعب,ولكن سعيد ظلّ صامتا ,جامدا ,كأنّه مصلوب,الى أن قال:كلكم يعلم كم أحبّ زوجتي ,فهلّ أطلّقها؟!!!
صاح الجميع:لا