اقتضاء العلم العمل
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وبعد فهذا لقاء بالخير يتجدد أيها الإخوة في الله لقاء فيه المذاكرة بالعلم والتذكير به لقاء يجدد في القلوب حيويتها بما فيه من أي الله وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدر ما نستطيع ووفق ما ووفق ما يهدينا إليه ربنا جل في علاه وعظم في عالي سماه إن موضوع العلم موضوع متعدد الجوانب ومتنوع الأنحاء ذلكم أن الحياة كلها لا تقوم إلا على العلم سواء ما كان منها من حياة الدين أو حياة الدنيا فإن العلم هو المحرك لذلك كله ولا يستطيع أهل الدنيا أن يقوموا بما يقومون به من غير علم وكذلك لا يستطيع أهل الدين أن يقوموا بما كلفهم إياه رب العالمين إلا بالعلم لأن العلم كالأساس للبناء لا يقوم للبناء مقام ولا يتم له قيام إلا بالعلم ولكن هذا العلم له جذوره كما له ثمراته جذوره أن يكون مبنيا على قال الله قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون مبنيا على الوحيين الشريفين الذين أوتيهما نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم جذوره مبنية على الهداية التي يسأل العبد ربه إياها آناء الليل وأطراف النهار بصورة لا تتم له صلاة دونها بسورة سرها وجهرها هو طلب الهداية وذلك في قولنا اهدنا الصراط المستقيم فهذه الهداية لا تتم لصاحبها إلا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم الذي طاعته طاعة لله (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) طاعته هي مفتاح الهداية (وإن تطيعوه تهتدوا) لكن هذه الطاعة لا تكون طاعة حقة من غير علم فإن العلم هو المطلوب الأول لكل عمل وقبل كل عمل وبه بوب الإمام البخاري في صحيحه بقوله باب العلم قبل القول والعمل ثم ذكر قوله تبارك وتعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ولكن هذا العلم وهذه الطاعة يجب أن يكون مقرونا بطريقة إيمان علمية مستقيمة وهي طريقة إيمان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين الصحابة الذين شهدوا الوحي وعايشوا التنزيل الجليل وعرفوا أحكام الله على مراد الله وآمنوا بهدي رسلو الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكانوا أصدق الناس قلوبا وأبرهم أفئدة وأنقاهم عقولا وأصدقهم رجاء رضي الله تعالى عنهم أجمعين كما قال الله تبارك وتعالى ممتنا على الأمة بعد الصحابة أن يكونوا مثلهم وأن يكون إيمانهم كإيمانهم وأن يكون تصورهم كتصورهم (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ) فإذا بسلسلة الهداية تبتدأ من الفاتحة لتصل إلى طاعة الله الموصلة إلى اتباع النبي صلى الله عليه وسلم المرتبطة بالإيمان الأتم الأكمل الذي هو كإيمان الصحابة بل الذي لا يمكن له أن يكون إلا كإيمان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين وفي ذلك يقول الله تبارك وتعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) فأي سبيل للمؤمنين الأولين هذا إن لم يكن هو سبيل الصحابة الأكرمين رضي الله تعالى عنهم الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم وآووه ونصروه وبذلوا الغالي والنفيس في سبيل نصرته وتحقيق محبته التي لاتكون إلا بامتثال أمره وعلى وفق سنته المشرفة المطهرة صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) هذه هي القاييس الحقة وهذا هو معيار الصدق الذي لا يقاس للمؤمن فيه حب لا ولاء ولا تبعية لا حب ولا عاطفة إلا بنطاقه ووفق معياره دونما هوى يعكره ولا شهوة تكدره وإنما يكون ثمة استسلام خالص لله تعالى ومتبع فيه النبي صلى الله عليه وسلم وكل ذلك على أساس العلم ورونقه وبهاءه ونسقه هذ جذوره أما ثمرته فالعمل به ثمرة العلم العمل به كما قال الله تبارك وتعلى في آية صدرها بالخطاب للفئة المؤمنة (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) والخطاب للمؤمنين بيا أيها الذين آمنوا له في القرآن نمط خاص ومعنى مميز كما قال الصحابي الجليل أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال (إذا سمعت الله يقول في كتابه (يا أيها الذين آمنوا) فأرعه سمعك فإنما هو أمر يأمرك الله به أو نهي ينهاك الله عنه) فإذا كان هذا الأمر أمرا تنضوي تحت لواءه أوامر كثيرة وأمور وفيرة قد يكون كل منها مستقلا بحكم مستقلا بأمر مستقلا بنهي فالأمر حينئذ يكون أشد في أن تستوعبه القلوب وأن تعيه وتدركه العقول (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) بدأ الأمر بالإستفهام على وجه الإنكار ليس إستفهاما إقراريا أو تقريريا وإنما هو إستفهام إنكاري لفئة تقول شيئا ثم لا تفعل ولا تعمل بما تقول لفئة حالها اللساني شأن وحالها الواقعي شأن آخر وهذه الفئة ليست فئة نفاق وليست فئة ردة وليست فئة كفر بل قد تكون ليست فئة فجور وفسق وإنما هي فئة إيمان وفئة إسلام واستسلام لله تباك وتعالى (لم تقولون ما لا تفعلون) تقولون القول ثم تفعلون بما يضاد تذكرون الحكم ثم تتخلفون عن أنواره وبهائه فهذا أمر يستحق الإنكار ويستحق الرد ويستحق الزجر ويستحق الكبت لصاحبه فيما تخلف به عن أمر الله وأمر رسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا ) أي كان هذا الأمر ممقوتا أشد المقت وأعظمه واكثره وأكبره من جهة الله تبارك وتعالى والمقت صفة نثبتها لله كما أثبتها لنفسه وكما أثبتها له رسوله عليه الصلاة و السلام على وفق الأساس القرآني المتين الذي لا ينخرم ولا ينقدح قوله تبارك وتعالى (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) وكأن النص القرآني فيه معاتبة وفيه بعض معاقبة كيف تكون المعاتبة لأنهم مؤمنون وكيف تكون المعاقبة لأنهم لهذا الإيمان مخالفون وليست هذه المخالفة من هؤلاء المؤمنين بالشيئ العسر إثباته أو بالأمر الصعب وجوده كيف يكون ذلك وهم من بني آدم وهم بشر كالبشر كما قال النبي عليه الصلاة و السلام (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) وكما قال صلى الله عليه وآله وسلم (إن العبد المؤمن خلق مفتنا توابا إذا ذكر ذكر) فهذه إشارة إلى أن الفئة المؤمنة الصالحة وإن كانت على قدر من الإيمان لكنها لكونها بشرا فإن إيمانها هذا يزيد تارة وينقص تارة حتى يكون ذلك في أعلاه واصلا بأصحابه إلى درجة الصديقين وحتى يكون ذلك في أدناه واصلا بأصحابه إلى دركات البعيدين عن أمر رب العالمين ممن قد يخلو قلبهم أو تخلوا قلوبهم من تلكم الذرة الدنيا من درجات الإيمان وهذا معقد من معاقد فصول أصول إعتقاد أهل السنة التي خالفوا فيها وفارقوا فيها عددا من أهل الأهواء وعددا من الفرق الضالة المنحرفة سواء منها تلكم الفرقة التي غلت وأفرطت أو هاتيك الفرقة التي قصرت وفرطت ولقد جعل الله تعالى الحق في أجمل صوره وأبهى درجاته في أهل السنة السنية الذين امتدحهم الله تبارك وتعالى في كتابه (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) فالوسط ههنا هو العدل البعيد عن الجور والبعيد عن الظلم والبعيد عن الغدر والبعيد عن كل ما يخالف به أصحابه وأهله كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأن هذه المعاتبة وتلكم المعاقبة خطاب ينبغي أن تهتز له القلوب والعقول وأن تصطك له الركب وأن تتحرك له الأبدان لأنه من الله تبارك وتعالى وكأنه تذكير بأبجديات الشرع وأوامره لا بلأمرو التي تخفى على الناس أو على الخاصة منهم أن يعرفوها دون البقية منهم وإلا فمن منا نحن المسلمين الذين آمنا حق الإيمان قدر ما نستطيع وقدر ما يوفقنا إليه ربنا الرحمن فرضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيا ورسولا فمن منا لا يعرف أن الكذب من المحرمات وأن الغيبة من المحرمات وأن النميمة من المحرمات وأن ظن السوء من المحرمات وأن قالة الباطل من المحرمات وإن المشي بالباطل من المحرمات هذه أبجديات وبدهيات ينبغي أن لا تخفى على الصغير منا فضلا عن الكبير فينا ولكن من الذي يطبقها ومن الذي يستحضر معانيها ومن الذي يتجنب سوادها وظلمها وظلامها
________________
]مقال /للشيخ علي حسن عبد الحميد الحلبي الأثري