فيرفع ولد أصبعه. فأحمد الله على أن واحد قد فهم، وأقول:
قم يا بني بارك الله فيك، فأخبرني عن معنى هذا التعريف.
فيقول: يا أستاذ هذا داس قدمي.
فأصيح به: ويحك أيها الخبيث! إني أسألك عن تعريف الاسم، فلماذا تضع فيه قدمك؟ ألم أقل لكم أن هذه الشكاوى ممنوعة أثناء الدرس؟
فيقول: ولماذا يدوس هو على رجلي!؟
فأصيح بالآخر: لم دست على رجله يا شيطان؟
فيقول: والله لقد كذب، ما دست على رجله ولكن هو الذي عضُّني في أذني.
فأغضب وأصرخ في وجهه: وكيف يعضّك وأنا قاعد هنا؟
فيقول: ليس الآن، ولكنه عضّني أمس.
ويتطوع العفاريت الصغار للشهادة للمدعي والمدعى عليه، ويزلزل الفصل، فأضرب المنصة بالعصا، وأسكتهم جميعا مهددا من يتكلم بأقسى العقوبات، ولا أدري أنا ما أقسى العقوبات هذه؟… فيخنسون ويُبْلسون فأعود إلى الدرس فإذا هو قد طار من رؤوسهم، على أنه ما استقر فيها قط!
وينفخ في الصور، فتقوم القيامة، ويخرج الأولاد إلى الفرصة، ثم ترجع إلى درس القرآن. فأقول:
من يحفظ سورة الفاتحة؟
فيتصايحون: أنا… أنا… أنا.
سكوت! واحد فقط… اقرأ أنت.
الحمد لله رب العالمين… إياك نعبِد.
فأقول: إياك نعبُد.
فيقول: نعبِد.
ويحك: نَعْ بُ د.
فيقول: نَعْ بِ د.
انتبه يا بني: نَعْ بود.
فيقولها.
حسن. قل نعبُد.
فيقول: نعبِد.
فلا نزال في نعبُد ونعبِد حتى ينتهي الدرس. ولا يلفظونها إلا بالكسر لأنهم حفظوها من السنة الأولى خطأ.
* * * * * * * * * *
ولا أزال في هذا البلاء بياض نهاري، ولا يأتي المساء وفيَّ بقية عقل، أو أثر من قوة، ثم لا أنا أرضيت الوزارة، ولا أنا نفعت أبناء المسلمين، ولا أنا انصرفت إلى مطالعاتي وكتاباتي.
وهذه مكتبتي لم أدخلها منذ أول العام الدراسي، وهذه مشروعات المقالات والبحوث التي أكتبها، وهذه مسوَّات الكتاب الجديد الذي أؤلفه مبثوثة في جوانب الغرفة، ضائعة مهملة. أفتلومني بعد، على أني لا أجوِّد في هذه الأيام؟
قلت: هذه والله حالي فلست ألومك، فرَّج الله عني وعنك!
******************************drawGradient()*********************************