أسيــــــــــاد وعبيـــــــــد
[img]http://kalemtser.******************.com/asyad-2.gif[/img]
========
المشهد الأول
=======
تدافعت الأرجل الصغيرة والكبيرة بالعشرات كل في اتجاه واحد وتلاحقت الأنفاس من أفواه الضعفاء كباراً وصغاراً الكل يسمع دوياً هائلاً بين الفينة والأخرى تنخلع له القلوب وترتجف الأوصال .
وهمهمات هنا وهناك مع هذا السيل المتدفق في اتجاه واحد , يا إلهي ..يا إلهي عفوك
يا إلهي ... يا إلهي سترك
وتحتضن الأمهات صغارها كما الأشجار الكبيرة في حضنها غراساً مهما تقصفت ورجفت فالرعب الذي يعصف باتزانها سيكون بعيداً عن حنو تغدقه على براعمها
ويسمع صراخ الصبية من جميع الأعمار , وأحد الآباء هنا ينهر عائلته أن أسرعوا ويعود وقد سبقهم بخطوات ليعين تلك التي تحمل بيدها طفلاً وفي أحشائها طفلاً , ويعدو خلفها من يعدو يمسك بفستانها وعيونهم الطفلة لا تعي ما يجري , سوى , أن الأهل خائفون فتنتقل عدوى الذعر إلى الوجوه والقلوب الصغيرة ويتزايد الصراخ.
وتسقط أم إياد إحدى نساء الحي من فرط التعب والخوف على عتبة الملجأ ليرفعها زوجها وقد وهن منه العظم وتقوس وقبض بيده المعرورقة على عصاه القصيرة الغليظة التي صنعها له جاره أبو أحمد .
تقف أم سامي هي وبناتها الثلاث بعيونهن الباكية تنتظر أن يخف الزحام ومع كل دوي تلتصق ابنتها الصغيرة سناء ذات الخمس أعوام وهي تصيح
- أمي ... أمي ويد الأم الحانية تضمها بقوة وقد تدافع الدمع
وتتمتم _ يا ألله .. يا ألله مالنا غيرك
واستقر المقام بهم في ركن معتم نسبياً في غرفة الملجأ .
ليس ملجأ بالمعنى المفهوم ولكنها غرفة أفرغتها صاحبة البيت الكريمة لتستوعب عشرات الفارين من جحيم قصف اليهود المعتدين
غرفة أعدت لخزين الأطعمة واللبن والبصل والثوم
وقد اختبأت أسفل السلم الخشبي الكبير وكأنها كانت تنتظر أن تغص بها أنفاس أهل الحي فهيأت نفسها لتسعهم رغم صغر حجمها في أول يوم من اجتياح اليهود لمدينة نابلس الأبية .
جلست عائلات الحي شيوخاً ونساء وأطفالا مختبئين من القصف المستمر وصوت أزيز الطائرات تحلق فوق رؤوسهم وقد علموا أن الجد قد جد ولا مناص منه الآن فهم في اضطراب بين مصدق ومكذب وأصبحت حيرة تبدت على الوجوه سيدة عنيفة الايحاءات قوية السطوة .
الكل يجلس محتضنا إما ما أحضره من طعام أو ما التصق به من ذرية .
كأم سامي التي احتضنت بناتها الثلاث ولفتهم حولها بالغطاء الذي استطاعت خطفه لما سمعت تقاذف الرصاص ورأته ينهال على سقف بيتها وكادت رصاصة أن تخترق رجلها لولا لطف الكريم .
وفي زاويتها الصغيرة كان هناك بصيص نور يطغى على مكانها يرسل نوعا من الهدوء الحزين يعينها على التمييز في الوجوه الشاحبة التي تستقبل عدوان الخوف وتظهره اصفراراً وارتجافاً في الوجوه والأعطاف فلا زالت القصة في بدايتها
وما يرى هنا رؤوس أقلام أو عناوين لرعب قادم ...
ومع دوي قنبلة خارج الملجأ سمع صوت المذياع من صوت العرب في القاهرة
وأصخى الجميع
الله أكبر الله أكبر ألله أكبر فوق كيد المعتدي ...
انطلقت المجموعة تغني تنعش القلوب الخائفة كأنها نسمات تحرك رفيف ورق من على أغصانهم المرتعشة فيتناثر ندى من العيون انفعالاً
أو فرحاً
أو خوفاً
أو جهلاً ....
المهم أن العيون وجدت سبيلاً لأن تدمع وها هو المذياع يصلهم بعالم خارجي
وفجأة قطعت الأعنية الخالدة
الله أكبر... الله أكبر .. الله أكبر فوق كيد المعتدي ...
وانبرى صوت المذيع مجلجلا
_ أيها العرب في كل مكان
أيها المناضلون .. يا إخوتنا في فلسطين الأبية
ها هي جيوشنا العربية قد وصلت القدس..
وصاح الجميع فرحين ولكن صيحاتهم خبت كما تخبو هبة الريح على فانوس ضعيف فتميت منه الضياء
لما سمع دوي هائل وصراخ لا يعرف مصدره
أما المذيع فلم يسمع الدوي بل استمر يجلجل :_
_ وها نحن على جبل المكبر في القدس !!!!!
وتصايح من استطاع التقاط أنفاس هربت مع قنابل تتناثر بانفجارها في القلوب قبل الأحياء
_ الحمد لله ...... الحمد لله ... أتى النصر ويلكم يا يهود ويلكم ...
وعاد المذيع ليقول :-
- وحتى يأتينا بيان آخر سنبقى مع هذه الأغنية
وطني حبيبي... الوطن الأكبر يوم ورا يوم أمجاده بتكبر
وانتصاراته ..مليا حياته وطني وطني الأكبر.....
وأخذ الرجال يغنون مع الأغنية
وصدحت الموسيقى .. صدحت تلهب حماس الجالسين حتى أن التصفيق ابتدأ يعلو ويعلو ليطغى على صوت أزيز الطائرات والقنابل المحتشدة تنتظر أن تنتزع ابيضاض أحلامهم الهائمة ...
وتضع أم سامي رأسها على الحائط الأسود تنظر إلى البعيد تفكر .....
نهاية المشهد الأول