- الغفران..
قرار شخصي، يحقق لصاحبه راحة النفس، ورضا الروح.
- الغفران..
عملية شاقة تتطلب قوة إرادة هائلة على ضبط النفس من الانزلاق إلى منحدر الانتقام، وعلى علاج جروح القلب العميقة من أن تتقيح.
- للغفران دافع قوي. فكما تحتاج لأن يغفر لك الآخرون أخطاءك فأنت تحتاج لأن تغفر للآخرين أخطاءهم.
- الغفران..
هو الممحاة التي تزيل آثار الماضي المؤلم، والتي تؤكد إيجابية الحاضر المشرق.
هل الغفران ضعف؟
قد يظن البعض منا أن الغفران للآخر، ما هو إلا ضعف ودليل، على عدم القدرة على عمل أي شيء.
لكــن وبالرغم من الإيذاء النفسي الذي يحدث للمجني عليه، فإن الغفران للجاني، دليل قوة، ذلك لأن المُساء إليه استطاع أن يتغلب على جراحه وآلامه، كما أنه يحصل على حالة من السلام النفسي الداخلي
الذي يساعده على مواصلة الحياة بدون جروح أو معاناة مؤلمة.
أما الشخص الذي ليس لديه القدرة، أو الاستعداد للغفران للآخر الذي أساء إليه، فإنه يترك الزمـــام لــمشاعــر الكراهيـــــة والخصومة لتتمكـــن منـــه، وباحتفاظه بهذه الأحاسيس المدمرة بداخله تجاه من أساء إليه، فإنه لا يتمكن من الشعور بالصفاء الداخلي، ولا بالوصول إلى أي درجة من درجات السمو الأخلاقي.. كما أنه لا يحصل أبداً على السلام النفسي.
الغفران ضرورة حياة:
عندما يخطئ الآخرون في حقنا، فيمكننا أن نغفر، أو أن نسعى للانتقام، فإذا اخترنا الانتقام فسوف يسيطر الغضب على حياتنا، لأن حب الثأر يسلبنا سلامنا.
أمــا إذا اخترنــا الغفــران، فسوف ينهي صراعاتنا الداخلية، ثم يسمح لنا بالتقدم للأمام، متحررين من أسر الماضي، متمتعين بالعيش في اللحظة الحاضرة.
ولأن الغفران، فضل ورحمة، من الآخرين لنا، فإنه يمكننا أن نقدمها بدورنا للآخرين..
وفي كل الحالات نشعر بالرضا التام.
ولذلك فإن تمسكنا بالغفران، يصبح ضرورة حياتية للجميع.
كيف أتعلم الغفران؟
يقول العالم النفسي الدكتور «سكوت بيك»:
«إن جزءاً كبيراً من النضج النفسي، هو تعلم كيفية الغفران».
فإننا عادة ما نلقي اللوم على الآخرين بسبب آلامنا، وإلقاء اللوم يبدأ دائماً بالغضب.
وأحياناً يكون الغضب بسبب شيء تافه، وأحياناً أخـــرى يكـــون نتيجـــة لحدوث شــيء
بغـير قصــد من الآخر، أو لتصرف غير مسئول منه».
وهنا علينا أن نتذكر أن ذلك الآخر ما هو إلا بشر، وأن البشر يخطئون..
وهنا نرى أنه ليس من داعٍ أو ضرورة للانزلاق إلى الغضب، ولا للاستمرار فيه.
وبما أنه يصعب علينا أن ننسى الجراح، لأن الذكرى الأليمة تُختزن في العقل الباطن،
بل ويمكن أن تتحول إلى شبح يطاردنا، من آن لآخر، إذا ما حدث أي شيء يذكرنا بها.. فمن الأفيد لنا أن نتعلم كيف نتذكر، ولكن بدون الإحساس بألم.
ويتم ذلك على مراحل:
أولها: أن نتذكر ما حدث لنا
.ثانيها: أن نسمح للغضـب المكبوت بداخلنا أن يخرج، ويعبر عن نفسه. وقد يكون ذلك عن طريق الحوار الهادئ مع من أساء إلينا.
ثالثها: أن نغفر، ونتجاوز الإساءة.
الغفران والأسرة:
قـــد لا يواجـــه الكثيرون منـــا بضرورة الغفـــران لمغتصب، أو لقاتل...
ولكننا جميعاً نواجه حتماً، ولعشرات المرات، يومياً، بحاجتنــا إلى الغفران لشريـــك الحيــاة، أو لصديق، أو لزميل،
أو لأحد أفراد الأسرة.
وعموماً نجد أنه من الأسهل أن نغفر للغريب، عن أن نغفر لشخص وثيق الصلة بنا، ونثق فيه.
ولهذا فمن الصعب أن نتغلب على إساءة أفراد الأسرة، أو الأصدقاء، أو الزملاء القريبين منا، فهم يعرفون أفكارنا ونقاط ضعفنا، ونقاط القوة فينا، ولذلك فعندما يسيئون إلينا فإننا نضطرب بشدة.
وهنا يكون الغفران للقريبين منا، ضرورة حيوية.
فالغفران يعيد العلاقات الودية والأسرية على خير، وبالمحبة يتم التغلب على الأوقات العصيبة، والجراح الأليمة.
ولننتبه إلى أن أعقد المشكلات، يمكن أن تُحل بكلمتين بسيطتين هما: «أنا آسف».. فبعدها مباشرة يتمهد الطريق للغفران السريع.
الغفران لنفسك:
حتى لو غفر لنا الآخرون،
هل يمكن أن نغفر لأنفسنا؟
هناك كثيرون معــــذبون بسبب تصرفــــاتهم، لـــدرجة أنهــــم لا يؤمنون بإمكانية شفائهم نفسياً.
ولكن حتى تلك النفوس المتعبة، يمكن أن تجد الرجاء في تحقيق الراحة النفسية، والسلام الداخلي، بالغفران.
وقد حدث أن جرى الصغير نحو الشاحنة التي تتراجع باندفاع..
ولم يره والده سائق الشاحنة إلا بعد فوات الأوان. وتهشم الصغير.
وتحمل الأب اللوم بمفرده، وأعفى زوجته من كل لوم لعدم انتباهها لطفلهما الفقيد.
ولسنوات ظلت الحادثة تلاحق الأب.. ولم يستطع أن يغفر لنفسه.
وأخيراً، فكر في أن يخصص جزءاً من وقته لرعاية الأطفال..
فعمل في مدرسة حيث سكب محبته وطاقته في عمله..
فاستطاع أن يحفظ نفسه من الاستسلام للشعور بالذنب، واستعاد أخيراً شعوره بالسلام.
وقد قالت الكاتبة «هانا اريندت»:
«بدون أن تغفر لنفسك، وتتحرر من عواقب أفعالك، فستظل قدرتك على التصرف حبيسة، ولن تنال الشفاء أبداً. وبذلك تكون مثل صبي الساحر الذي لم يعرف الوصفة السحرية لكسر نفوذ السحر».
الغفران.. والعالم:
إن ممارسة الغفران، تحمل الكثير من القوة، فهي تأكيد على كرامــة الإنســان، لأنه يملك الوسيلة والقدرة على الغفران، ربما يكون من الصعب تفهم ذلك، ولكن من وجهة النظر المثاليــة..
يعتقــد العاملون في مجالات إقرار السلام في العالم، إنه إن كانت هناك رغبة في إحلال السلام
في موقع ملتهب، فلابد أن يكون هناك «غفران».. أي أنه يجب أن يغفر المضروب للضارب ما فعله فيــه.
. على أن يكون عند الضارب الاستعداد لإصلاح خطأه، وما قد أفسده.
إن الغفران يقوّي حياة المضروب، وعمله، ويأتي بالراحة الحقيقية لأصعب المواقف، لأنه يسمح له أن يُنحي جانباً العدالة الإنسانية، والمجازاة عن الشر بالشر، وأن يختبر السلام الحقيقي للقلب.
والأكثر من ذلك، فهو - أي الغفران - يوظف سلسلة من ردود الأفعال الإيجابية التي تأتي بثمار الغفران الحلوة للآخرين.
هيا معـاً نقول:
إن الغفران يمكن أن يغير العالم إلى الأفضل، لو أننا سمحنا له بأن يتدفق إليه من خلالنا.
فنحن - جميعـاً - نمسك بمفاتيح الغفران في أيدينا..
أما السؤال فهو:
«هل سوف نستخدمها في كل يوم جديد؟»
