11)
الورقة الحادية عشرة
(( المركز ))
نعرف المركز دائما ونبدأ في رسم الدوائر , نضع النقطة ثم نستعمل فن الهندسة لرسمها ومهما صغرت أو كبرت يبقى المركز هو هو لا يتغير
وكلنا له مركز ينطلق منه راسما دوائره بمرسلات من نفسه أو مما تعلمه , تهتز يده أحيانا فيخرج خط محيط الدائرة عن المألوف ويكون معوجا أو سابحا في بحر حياته ولكنه إن أراد طوق النجاة يعود للمركز ليحاول رسم دائرة صحيحة صغيرة أو كبيرة ..... المهم أن يبدأ من تلك النقطة الصغيرة .
واستسلمت في يومي هذا لدائرة هادئة أخرجت أنصاف الأقطار منها وسكبت كياني في دقة استدارتها فكانت فعاليات نهاري دوائر تتابعت ولكن من مركز واحد حتى تناغم العزف وشدا الكل .
والهدوء يلف المكان والنقاء ندى على زهور الياسمين البيضاء التي تنتشر هنا وهناك ارتفع آذان الظهر بصوت نسيم وسمعت الأقدام المتراكضة للمصليات كأنها الحفيف الورقي أو كأنها أصوات الزهور التي تسقط من أشجار وارفة كبيرة مثمرة على نهر فتحدث فيها دوائر ودوائر متلاحقة مركزها تلك الورود وينعم النسيم بتحريكها .
وتحرك الهواء في غرفتي وأنا سادرة في التأمل لكنه هذه المرة يحمل صوت رجل وامرأة !
دخلا , المرأة جاوزت الستين تضع على رأسها شالا بعفوية يتساقط بين الفينة والأخرى ليظهر شعرا منسقا خال من أضواء العمر المتلاحقة , تعيد وضع الشال وتنفذ بنظراتها نحوي لترى انطباع انزلاق غطاء رأسها الصغير علي , وبخبرة كبيرة تبادرني بابتسامة متكلفة ..............تلقي التحية ....... تصادر أولى ملاحظاتي وتحجمها فأصمت لتتبارى هي والأخ في التفنن بالمديح
-- ماشاء الله ..ما شاء الله والله لو مت الآن فلا أبالي فلقد رأيت ما كنت أحلم به , صغارا يتسابقون للصلاة دون إكراه وبفرح
لم أعقب فالهواء المنبعث من فيهما لم يكن هادئا .كان صارخا حتى أحسست أنني سأصم , وتمنيت إنقاذا من الخارج للخلوص من شرك المجاملات فخيوطها باتت تخنقني .
ومن خلف باب الغرفة لمحت أرجلا صغيرة تحاول إظهار وجودها ثم تخذلها الشجاعة فتطوي محاولاتها هاربة , لتعود ثانية ورباط الحذاء الرياضي الذي كان أبيضا يوما ما ينبيء عن تواجد صاحبه الصغير
وبسرعة انطلقت نحو الباب لأجر الصغير , وضحك الضيفان وتفلت مني الصغير في حضن جدته ذات الستين خريفا تقريبا ...دفن صيف عيونه المشرقة في حضنها وكلما كان ينظر إلي كان يضع أصابعه الصغيرة يغطي بها وجهها ويترك فراغا بينهما لينظر مبتسما .
- إنه حفيدي .. انبرى الرجل المتأنق لفظا يقول
جئناك بخدمة من أجل أخته لمياء , وابتدأ التوتر وكأني سمعت صوت ورق شجر يتقصف ولا يرف وخفتت نبرات المديح إلى موجة أخف كدت لا أسمعها وانسابت نغمات حزينة أو تتبرج لحزن كي يقترنا لتخرج عبارات منهما علها تؤثر بي .
- إن لمياء في الصف السادس وقد رسبت العام الماضي
- آه ما أجملها , ما أرقها , وما أحلى صلاتها إنها تترك الدنيا كلها من أجل الصلاة , تقبل يد أمها وابيها ليل نهار ...... لاتفتأ تذكركم بأحلى العبارات كم تحبكم !!!!
وابتدأت حكايات جدتي وسلة تفاحها النضر وفطائرها المتقنة , كلها أمامي ومن فم السيدة تحكي بافتتان ما تصنع لمياء المعجزة
- ولكنها .....وصمتت
مؤثرات خلفية ........ذاك ما كان ينقص وأكمل الرجل , ولكنها للأسف ترسب للمرة الثانية في المواد الأساسية ونحن بحاجة لمساعدتك حتى تتخطى المرحلة الابتدائية
- هناك الكثير من صفوف التقوية ولا أشك أن ابنتكم من المعنيات ...عموما سألاحق الموضوع , أردت أن أتنفس ! فأنا أعلم من هي لمياء الحقيقية وليست كبطلة مسرحيتهم أو حكاياتهم الأسطورية
- لالا ولكنها رسبت في امتحان التقوية أيضا
- ............ (( كان ردي ))
- جئناك نرجوك
- بم ؟؟؟؟؟؟؟ أجبتهم
- أن تطلبي من المعلمات رفع درجاتها لأنها إن رسبت ........ وتوقفا و تعلمين ماذا يعني ذلك البنت أصبحت في الثالثة عشرة وهي أكبر من قريناتها
أحسست بالدماء الحارة تتدافع ورفضت طبعا وطلبت منهم إعانتها قدر الإمكان , أعطيتهم حلولا وعرضت عليهم جمعهم مجددا بالمعلمات ولكن وفجأة .ارتطم شيء في موجي , هزه وأحدث أكبر دائرة في يومي هذا على أقل تقدير , كانت عنيفة لدرجة أني أنا من كان يرتجف فصوت الجدة كان مجلجلا قويا محمسا
- يا حضرة المديرة , لقد جربنا كل شيء ....... لا فائدة لقد تعقدت البنت
وحزنت من أجلها وكنت أنوي أن أعرض عليهما دروسا مكثفة أساسية ولها خاصة ولكنها عاجلتني بقولها :
- أنظري ........ وأخرجت من حقيبتها مغلفا وضعته أمامي وقالت بجرأة وتمنن
- هذا لك
أمسكت بالمغلف وارتجاف في قلبي ينبئني بشيء وكأني أجد حفرة سوداء تفتح فمها تنتظر القادم الغافل ليقع فيها وفضضته فارتطم شيء آخر بموجي الهادر هذه المرة ليلحق بالآخر ,
كان فيه شيكا بمبلغ محترم
توقف الزمن
ولم يكن وقت دفع أقساط حتى تتدافع تبريراتهم
وتوقفت الأحرف في حلقي ثم استجمعت قوتي متعجبة كيف أكون بهذا الحال ولا أقدر على الكلام وهم يحفرون في عمق نزاهتي ولا يبالون
- ما هذا ؟؟ هذا ما استطعت قوله
- إنه لك مقابل أن تنجحيها
أحسست أني أدور وأدور في حلقات مظلمة تلفني وتلك الحلقات كانت ملتهبة بنيران غضب , بنيران ألم كانت تقترب مني وأنا في مركزها وذاك المغلف في يدي كوقود يزيد ضرامها
وعدت لوعيي على صوت أجش من الرجل يستأذن ظانا بقبولي فهببت مخترقة نيران حلقاتي وأمسكت بالشيك وبيد المرأة ووضعته ضاغطة على يدها بكل قوتي
- وقلت وأنا في قمة الغضب
قبل أن يحتويكما الشارع الضيق المقابل لمدرستي وقبل أن تحرفا رؤوسكما عن باب مدرستي
أحملكما إثمكما وتفكيركما المشين ولولا أني لا أريد أن تكبر المواضيع لقدمتكما للتحقيق وسأحتسب أني لم أسمع ولم أر , وستظل دائرتي وأثيرها أنقى من أن تحاول غربانكم تلويثها بسوادها
وانطلق الاثنان
وتملكني مع الغضب حزن على ما فعلا وعلى ذلك الصغير الذي كانت المرأة تحتضنه .......ماذا تربي فيه يا ترى ؟؟؟؟؟؟
كيف تكون هي مركز دوائره التي سيرسمها أو ترسم له في حياته . وكم من مركز تالف يرسم دوائر معوجة أو ناقصة لا نستطيع تقويمها
وعلمت أن صلاح المركز ..بصلاح كل المحيطات ..وكل الخطوط .
(12)
الورقة الثانية عشرة
(( لن أنساك يا صغيرتي ))
بين اغفاءة ليل وصراخ صباح , وبين تلاشي حلم واستفحال ضوء اليقظة قسرا انتبهت الحواس مكرهة على ابتداء يوم آخر .
كانت الأمطار التي هطلت متلاحقة في ليلنا قد أغرقت المدينة الجبلية بسيول تضافرت قوى بشرية على جعلها أمواجا طائرة فذاك يقذفها بسيارته مسرعا غير مبال بالمارة وذاك يقترب من سيارتك
حتى يتخطاك فتضطر للوقوع في حفرة ماء وتغرق أنت ومن حولك ......
انطلقت الروح تطلب رياً من من أندية الأمس وتتمنى سكونا من صراخ الصباح المنطلق في كل مكان
سارعت إلى مدرستي الحبيبة أحتمي بمظلتي وأغرقها في الأثير الضبابي فتتوه ألوانها وتعاق مني التطلعات .
وبينما أنا كالعادة أقف أمام بوابة المدرسة حتى هبت عاصفة اقتلعت المظلة من يدي لأصبح بلا حول ولا قوة تستبيح الأمطار والعواصف وسحائب الضباب ثباتي فأنزلق ......
ولم أنتبه إلى يد صغيرة تمسك بي مبتسمة وبعبارات متلعثمة تقلب السين ثاء وتتحدث بلغة لم أتبين معالمها
كل ما فهمته
- لا ..... لا ....... ث ........ ث ........هاتي
ابتسمت داخلي
وأمسكت باليد الصغيرة ودخلنا المدرسة كانت قطرات الماء تتغلغل إلى داخلي تعوق ارتياحي , والصغيرة لم تتركني وتماشت مع خطواتي إلى باب الإدارة . أشرت لها بالذهاب ولم تتحرك ,
حاولت التملص من يدها ولم تستجب
ولم يكن وضعي مريحا لأسمح باقتحام لاصق فقد جلبت معي ما يكفي لأن التصق به طول النهارواستنجدت بمن حولي فأتت الوكيلة وجلست على الأرض تحسست شعر الصغيرة وهمست لها
بأن هيا
هزت الصغيرة رأسها فتناثر الندى من شعرها الجميل وتساقط كما الدموع من عينيها فأشرت للوكيلة بتركها
اصطحبت الملتصقة إلى الداخل وأشرت لها بالجلوس وفك الارتباط
ببساطة كانت تريد المكوث معي
وأشغلني التجفيف لملابسي وأشيائي عن متابعتها فإذا بها تقترب مني تأخذ بعضا من أغراضي وتضعهم على المدفأة
كادوا أن يحترقوا
صرخت محتجة وأنقذت ما يمكن إنقاذه وعنفتها
- ما هذا يا صغيرة هكذا تحترق أشيائي !!!!!!!!!!!
استدارت عيناها استغرابا ثم اقتربت من المدفأة ووضعت يدها
لم أصدق ما رأيته فخطر النار يعرفه الصغار بعمر أصغر منها !!!!!!
فأمسكتها قسرا لأبعدها مع صراخ مني أجفلها فأخذت تتمتم بكلمات لم أفهمها
- لا . لا ...... أنت ث .. نار
نظرت إليها وهي تعود إلى المقعد تهمهم , كانت صغيرة في السادسة في أوائل أيام المدرسة لم نتعرف عليها جيدا
, ضئيلة الحجم مرتبة الهندام والشعر , ملامحها دقيقة , عيناها تائهتان تدوران في اتجاه الصوت القوي بذعر أو تتبلد أحيانا , تضع يدا في جيب ويدا أخرى تمسك بخصلة من شعرها تدخلها
فمها أحيانا مع ابتسامة غريبة أو تدور بها في شكل لولبي
وسألتها :
- ما اسمك ؟
ضحكت ضحكة غريبة
- أمل
-في أي صف أنت ؟
- أربعة .........
- لا ليس عمرك في اي صف أنت ؟ سألتها
ضحكت ثم نهضت راكضة وألقت نفسها في أحضاني ثم أخذت تدور في الغرفة وتضحك وبعدها انطلقت خارجة من الغرفة
لحقتها .........
يا إلهي كيف ألحق بطير وأنا لم أتعلم بعد لغة طيرانه , أخذت تدور في الساحة الخضراء بشكل دائري غريب ثم تقفز قفزات عالية وتضحك
وبعدها تتوقف وتصفق ثم تضحك ثم توقفت وتوقف المطر سمح لي أن أذهب إليها
وخامرني شعور بالعجز الشديد وتسمرت قدماي وأنا أراها تركض باتجاهي وتقودني إلى ..
إيه يا دنيا ما أقسى ما خبأت لي اليوم
استيقاظ الليل وصراخ الصباح وجدتهما في هذه الصغيرة
قادتني إلى حوض السمك المتاخم لإدارتي وأخذت تلعب بأصابعها مع السمك وتضحك ضحكات غريبة حتى استيقنت وضعها أو بالأحرى صارحت نفسي به .
أسندت راسي لشيء صلب خلفي لعلي أحظى بثبات واستسلمت لبكاء داخلي
الصغيرة معاقة ولا أحد يعلم !!!!!!!!!!
وابتدأ المطر ولكنه لم يكن في الجو بل في عين الصغيرة
أخذتها داخلا وناديت معلمتها أستفهم عن حال الصغيرة أمل
لم تجبني المعلمة إلا أنها كانت تشك بأنها معاقة ولكنها خافت من أن تفصح عن ذلك لكون الصغيرة إبنة فلان وهذا قد يؤذيها وتأملت أن ينصلح حالها مع المدة ومع قليل من الاهتمام .
كاد الغضب يعصف بي كيف تخبيء المعلمة مثل هذا الأمر وتحرم الصغيرة من العناية الحقة في مكانها المناسب لمجرد خوفها الواهم على مركزها
وكدت أن أعنف المعلمة لولا أني تمالكت نفسي لأني تأكدت أن الإعاقة ليست في صغيرتنا بل في ذلك النظام الفكري الذي يسيرنا ويسير أمثال هذه المعلمة
الخوف من أصحاب النفوذ
من عدم المسؤولية
من التخفي وراء سوف وربما لنداري بها سلبيتنا وموت الضمير
, نظرت إلى الصغيرة وأنا أتكلم بحدة مع المعلمة فقد أخذت تشبك أصابعها وتحدث أصواتا غريبة ولما وجدت أن الوضع قد تأزم ناولتها يدي كي تقبض عليها
أخرجت يدها المخبأة في عتم جيبها , بيضاء نقية لم تجترح من الزمان شيئا وأمسكت بيدي مستسلمة وألصقتها الآن بي ووضعت ذراعي حولها وعانقتها
بكت بكاء طفوليا ....... متقطعا وقالت لي عبارة واحدة صحيحة ضمن الكثير
- أنا أحبك .....................
وتلاشت العبارات بعدها من قواميس الفهم
لم يكن سهلا أن أتعايش مع ذكرى هذه الصغيرة ولكن كان لا بد أن تكون مع أمثالها
وكنت كلما أعقت عن فهم أو استسلمت لليل طاغ أو صباح صارخ أذهب لحوض السمك وأسمع نفسي كلمات الصغيرة
- أنا أحبك ..........
فأعلم أن ما أعطانيه ربي يجب أن يعطى للغير وإنما هو أمانة لدي علي أن أحسن التصرف في بذلها
وأعلم وأنا أسمع رجع صوتها المتلعثم
أن إعاقات الفهم في فكر الأصحاء أخطر .