
كنا نتجاذب أطراف الحديث ، فتنوعت بنا المواضيع حتى انتهينا لنصيحة
قدمتها لي ..
قالت زميلة العمل : لماذا لا تفعلين مثلي ؟
قلت : وماذا تفعلين ؟
قالت : أستقطع كل شهر من راتبي مبلغا زهيدا ، وأصرفه إلى فئة العشرين
فلس ثم أضع تلك العشرينات في علبة خاصة ، وبجانبها حصالة للصدقات ـ تلك
التي توزعها اللجان الخيرية ـ وكل يوم عندما استيقظ أدفع " دفعة بلاء "
بوضع عشرين فلسا في الحصالة ، ثم امضي لمتابعة يومي وأنا مطمئنة أن
الله سيحفظني ..
فابتسمتُ لها وقلت : تقبّل الله منك ، وجزاك الله خيرا على النصيحة .
زميلتي تلك على المذهب الشيعي ، تؤمن بالكثير من البدع ، أفتح معها أحاديث
شتى ، ومعظمها لا أخرج منها بأية فائدة ، إلا حديثها هذا ..
فقد أضمرتُ في نفسي أنها لن تسبقني ، فإن كانت تتصدق صباحا ، فسأتصدق
صباحا ومساء ، وكلما شعرتُ أنني أخطأت سأقوم لعلبتي تلك لأضع فيها ما قُدِّر ،
راجية الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يغفر ويرحم ويتقبّل ..
ثم أخذتُ أفكر ، وبدأ مخزون الذاكرة يتدافع ، ليقدّم لي كل المعاني الإيمانية
السامية التي يسّر الله لي معرفتها :
- تنوعت الطاعات التي فرضها الله علينا ، واختلفت الأعمال الصالحة التي حبّبنا
الله فيها ..
فلم كان هذا الاختلاف والتنوّع ؟
ربما كان أحد الأسباب كي تجد كل نفس الوسيلة التي تناسبها في التقرّب
إلى الله ، ويسهل عليها إيجاد تلك الصلة بينها وبينه سبحانه وتعالى .
- قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
" أحبّ الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قلّ "
فقليل دائم خير من كثير منقطع ...
- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه : إن الله تعالى قال :
" من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي
مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبّه ، فإذا أحببته
كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله
التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه "
هل مثل حبّ الله حب .. ؟!
فأي حبّ هذا الذي إن أحبّك صاحبَه منحك القوّة ، وحفظك وحماك ممن ومما
يضرّك ،، ومن هذا الذي يجيبك عند كل سؤال ، ويعيذك من كل شر .. !!
ولو نظرنا لثمن هذا الحبّ ... لرأيناه بسيطا زهيدا مقارنة بمميزاته ..
ثمنه : النوافل ... وما أكثرها :
ذكر الله .. بر الوالدين .. قراءة القرآن .. الصدقة .. القيام .. التهجد
صلة الرحم .. الإحسان للجار ولذي القربى .. إكرام الضيف .. الأخوة .. وغيرها
- ومما خطر ببالي أيضا قصة الثلاثة الذين حبسوا في الكهف ، غير قادرين
على تحريك تلك الصخرة التي سدّت عليهم المنفذ ، فأخذوا يدعون الله ويتقربّون
إليه بأعمالهم الصالحة علّه ينفس كربهم ... وكان لهم ما أرادوا !
والآن ...
هل بينك وبين الله صلة .. ؟!
والصلة التي أقصدها هو اتخاذك عمل صالح تداوم عليه دون أن يعلم بك أحد ،
فهو العهد الذي بينك وبين الله سبحانه ...
إن كان جوابك : نعم ،، فهنيئا لك
وإن كان جوابك : لا ،، فسارع لبناء تلك الصلة ، والله الموفّق .
