تكلم يوما أمام سلطان مصر – نجم الدين أيوب – وخاطبه باسمه المجرد , وحاشية جنوده والعرض العسكري يلتف حوله وهم يسمعون منه عجبا !!!..
أينادي ملك الملوك باسمه ولا يخاف منه ؟؟..
لمَ لم يخاف منه ؟؟..
تلميذه يسأله : يا سيدي أما خفت السلطان ؟؟..
فأجاب الشيخ على الفور :
( والله يا بني ! لقد استحضرت عظمة الله في نفسي , فرأيت السلطان أمامي كالقط )
إنه سلطان العلماء
العز بن عبد السلام
لم يرى من بد إلا أن يصدع بكلم الحق حيثما كان ... لأنه تعلم من حبيب الأمة ومعلمها أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أكبر الفرائض والواجبات عليه, وقد حفظ كلام الله في صدره :
( أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فماله من هاد )
الزمر
كيف يخاف من هؤلاء والذين هم لا يخيفون من كان في عين الله تحرسه وترعاه ؟؟..
في وسط حمأة الفتن والحروب الداخلية والخارجية التي أصابت كبد الأمة الإسلامية في القرون الثلاثة : الخامس والسادس والسابع ..الفساد والانهيار على أشده والحروب الصليبية وحرب التتار تكاد تفتك بالأمة الإسلامية ..
في وسط هذا نشأ العالم الجليل ....
سيف الدين قطز حاكم مصر يصله خطاب تهديد ووعيد من هولاكو ..
يقول له :
يا حاكم مصر إذا وصلك الإنذار فسلّم وإلا تعلم أنّ خيولنا كواسر وسيوفنا بواتر , يا حاكم مصر لو كنت معلقاً في السماء لصعدنا إليك ...
وقع الإنذار في يد الحاكم المسلم العادل ( المظفر سيف الدين قطز) ..
ترى ماذا فعل ؟ .. هل بدأت ترتعد أوصاله , وترتجف سيوفه ليعلن الاستسلام لأعداء الله والكفر ؟؟....
لا بل مزّق الرسالة واستدعى سلطان العلم والإسلام – العز بن عبد السلام – ليعرض عليه رسالة عدوه ..
ترى ماذا كان رده ؟؟...
رده كان بيان من قول العزيز الرحمن في سورة الأنفال:
بسم الله الرحمن الرحيم
* يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون*
بل أمر بالجيش قبل أن تلتحم معركة الكفر والإيمان أن يقيموا صلاة الجمعة ويرفعوا أكفهم للسماء ويستغيثوا بالله العزيز الرحيم ليثبت من أقدامهم وينصرهم على عدوهم !!...
إنه العالم المعلم الذي رفض لأمته الذل والهوان !!!..
لم يسمح لنفسه أن يبقى منزويا في زاويته وحروب التتار بقيادة هولاكو تفتك بأمته ؟؟..
كيف له هذا وقد كان عالما عظيما من علماء الأمة هزت سيرته جوانب الأرض شرقا وغربا !!..
عالم آتاه الله من الحكمة والعلم والمعرفة ما لم يؤت أحدا غيره من علماء العصر !!..
عالم كان وجوده نسمة من نسمات الرجاء والأمل تهب على قلوب الحيارى اليائسين !!..
عالم كان ومضة من ومضات نور العلم والمعرفة أضاء بشعلتها دياجير ظلام الجهل !!..
عالم كان سوطا من سياط الحق , ولسان الصدق في وجه كل المعتدين والطغاة والظالمين !!!..
فكان نادرا في الجرأة والشجاعة والجهر بالحق ...ولم يهدأ له بال إذا ما رأى منكرا إلا أن يقومه بكل السبل ...
هدفه الوحيد كان أن يوحد الأمة وكلمتها ويجمع شتات شملها ويلمّ شعثها لينصره الله على التتار عدوها !!!...
كيف له أن يبدأ والأمة تغوص في أعماق الجهل ؟؟..
ما السبيل الوحيد الذي سيسلكه ليجذب أنظار الأمة إليه ؟؟..
أدرك أنه لابد أن يكون رجل دين ودنيا ؟؟..
أجل رجل دين ودنيا وذلك حين علم وعمل وآمن بأن الشريعة لابد أن تكون في حبات ضمن عقد منتظم ولا بد له أن يصل إلى لب الشريعة ويستمد أحكامها من منهج الله ورسوله و يضعها في كتابه : قواعد الأحكام
عالم استمد قوته من الحق الذي يعتنقه ومن الإيمان الذي يسكن جنبيه , فلم يعمل لعصبية جاهلية ولا لنزوة عارضة , بل كان يعمل من أجل الحق والخير , وقد استمسك بالعروة الوثقى فلم ينحني للخلق ومعه الخالق !!..
كيف ينحني للخلق وقد حفظ في صدره قول الله تعالى :
(الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) آل عمران