قدوة الزاهدين كان.. وقد ورث علمه عن معلمه الحبيب النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم
كيف لا يكون قدوة الزاهدين وقد قال :
( من شرط العالم أن لا تخطر محبة الدنيا على باله ) ؟؟..
جاءته الدنيا بمتاعها ومباهجها فلم يجعل لها مكانا في قلبه ولا حظا في نفسه , حتى أن روي عنه أنه كان يشتري التمر ويأتي به إلى الأيتام والمساكين ويقول لهم :
من يأكل تمري فله درهم على كل تمرة , ثم يعد نواة كل واحد منهم فيعطيه لكل نواة درهما ...
إنه الإمام الصالح :
عبد الله بن مبارك
ولد في خراسان سنة 118 هــــ زمن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك
فكان محدثا فقيها , وإماما قدوة , وسخي جواد , وبطل مجاهد وداعية معلما وتقي ورعا وزاهد متعبدا ..
إنه علما شامخا من أعلام الأمة الإسلامية , وإماما من أئمة الحديث والفقه , وأحد أعاجيب الدنيا في العلم الغزير والزهد والتقوى ,فكان فريد عصره في نبوغه وملامح ذكائه منذ صغره ..
التقى بعظام الأئمة أمثال : الأوزاعي والليث بن سعد ومالك ,وكان صديقا حميما لأبي حنيفة بن النعمان بن ثابت ..
لم يهنئ له عيشا إلا أن يجوب مشارق الأرض ومغاربها بحثا عن كنوز العلم وجواهر المعرفة ...
قال عنه الفضيل بن عياض :
( وربّ هذا البيت ما رأت عيناي مثل ابن مبارك )
هذا العالم الجليل الزاهد الغني الذي فتح الله عليه الدنيا بمتاعها ومالها لكن جوده وإنفاقه قد يظنه أغنياء أمتنا ما هو إلا أساطير من أساطير هذا الزمان !!...
كان يحج عاما ويغزو عاما , وفي العام الذي كان سيحج فيه خرج إلى أصحابه ليودعهم قبل الرحيل إلى مكة ... وحين أرد أن يعود إلى بيته وإذ بموقف رهيب تقشعر له الأبدان يراه في طريق عودته ..
أي والله إنه لرهيب ؟؟..
وجد امرأة تأخذ من الأرض دجاجة ميتة ؟؟..
أصابته الدهشة والعجب من تلك المرأة .. لم تأخذ الدجاجة الميتة ترى ؟؟..
هل سيكمل طريق إلى بيته أم سيقف يسأل المرأة عن خبرها ؟؟..
كيف يتركها وقد تعلم أن الإسلام لم يعرف المواقف السلبية أبدا ..
قال لها : ماذا تفعلين يا أمة الله ؟؟..
لم يكن رد تلك البائسة المسكينة إلا أن قالت له بصوت يجهش بالبكاء والألم :
يا هذا اترك الخلق للخالق , فلله في خلقه شؤون ...
والله إنه لمشهد غريب ليت أغنياء المسلمين يتعلمون الحكم والدروس والمواعظ منه ؟؟..
قال لها العالم الزاهد : والله لم أبرح مكاني حتى تخبريني عن حالك ؟؟..
فقالت له المرأة المسكينة التائهة :
يا عبد الله أنا أرملة وأم لأربع بنات يتامى وقد اشتدت بنا الحال وليس عندنا شيئا من المال ..
طرقت أبواب الناس فلم أجد قلوبا , وإنما وجدت وراءها حجارة ..وبناتي يبكون ويتضورون من شدة الجوع , فلم أرى سبيلا إلا أن آخذ الدجاجة الميتة وأسد بها رمق جوعهم .. والله يا عبد الله إنني مضطرة إلى ذلك العمل ..
وقد قال الله تعالى :
( فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم )
المائدة
ترى ما يفعله هذا العالم الجليل الأشم ؟؟..
أيتركها تذهب في حال سبيلها ؟؟..
أم سيقف ويسد لها رمق حاجتها ؟؟...
لم يكن من العالم الزاهد الورع التقي إلا أن يقول لها :
هذا مالي الذي كنت سأحج فيه هذا العام والحمد لله فقد أديت الفريضة فخذي مالي كله وفكي به كربك وضيق حاجتك وليكن هذا سر بيني وبينك يا أمة الله !!!!....
عاد إلى بيته وأخبر زوجته وقال لها : إن سألوك إن لم يحج هذا العام فقولي الله أعلم ...
يا أغنياء المسلمون في كل مكان في مشارق الأرض ومغاربها أسألكم بالله أين أنتم من فقراء المسلمين ؟؟..
ألستم أنتم المسؤولون عنهم ؟؟..
أين أموالكم يا أغنياء المسلمين ؟؟...
أما آن لكم أن تفتحوا لكم رصيدا لآخرتكم ؟؟..
والله إن بنوك سويسرا وبنوك اليهود وووو... لن تنفعكم يوم لا ينفع مال ولا بنون ؟..
ألم تسمعوا قول الله العلي القدير :
يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون )
التوبة
والله الذي لا إله إلا هو إنه لمشهد مرعب ومفزع من الله العلي القدير وهو يخبرنا عن مصير هؤلاء الذين يكنزون أموالهم ولا ينفقونها في سبيل الله !!!....
دولة الإسلام في عهد الخليفة العادل كانت عاجزة , وعاقرة على أن تلد مسكينا , حتى إن الذئب قد أخلص بينه وبين الغنم !!!...
فسئل الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ما صنعت مع ربك حتى أخلص الذئب مع الغنم ؟؟..
فقال لهم :
أخلصت مابيني وبين ربي فأخلص الله ما بين الذئب والغنم ..
هذا والله هو إسلامنا !!..
هذا هو ديننا الخنيف !!...
إسلامنا يصون ولا يبدد ..
إسلامنا يبني ولا يهدم ؟؟
إسلامنا دين رحمة وتضحية !!..
إسلامنا دين عدل ومحبة !!...
أما آن لنا يا أمة الإسلام أن نعتز ونفتخر بأننا خير أمة أخرجت للناس ؟؟....