آخـــر الــمــواضــيــع

جزاء المحسن والمسيء » الكاتب: ربيعة الحياة » آخر مشاركة: ربيعة الحياة 🎁رمضان مدرسة لتجديد الإيمان🎁 » الكاتب: تاج الحياء » آخر مشاركة: تاج الحياء حكم التفرغ للعبادة في رمضان » الكاتب: تاج الحياء » آخر مشاركة: ام ربيع إلى حبيبتنا تاج الحياء الغالية .. نبارك » الكاتب: أم إيمان » آخر مشاركة: fatma ommariam رِفْقاً أهلَ السُّنَّة بأهلِ السُّنَّة » الكاتب: تاج الحياء » آخر مشاركة: تاج الحياء مبارك زواجك مليارات مسكيتنا شيماء محمد » الكاتب: أم احمد3 » آخر مشاركة: أم إيمان •ღ• تَوآقيـــــع دينِيّة للمُنتديَآت •ღ• » الكاتب: فرح بنوتة مسكية » آخر مشاركة: فرح بنوتة مسكية ლ بِطَــآقات دعَوية رَقيقة ヽ(•‿•)ノ » الكاتب: فرح بنوتة مسكية » آخر مشاركة: فرح بنوتة مسكية مَآت العُضو ! مآذا فعَل المُشرِف عَلى المُنتدَى ؟؟؟ » الكاتب: فرح بنوتة مسكية » آخر مشاركة: تاج الحياء مشروع ( الأربعون المكية ) مع الشرح » الكاتب: أم إيمان » آخر مشاركة: تاج الحياء
+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 6 من 6
  1. #1
    مشرفــة عامــة نور الهدى داعية متدربة ( مسكية مبتدئة )
    تاريخ التسجيل
    Feb 2005
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    11,695
    معدل تقييم المستوى
    23

    افتراضي مقدمة في المذهب الحنبلي

    بسم الله الرحمن الرحيم


    والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

    وبعد
    فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً ومرحباً بكم مرة أخرى ، لنبدأ في شرح مقدمة الفقه الحنبلي على مسكياتنا الكريمات


    ودرسنا اليوم يتناول مقدمة عن مذهب الحنابلة ، كما يتناول مقدمة عن كتاب عمدة الفقه لمؤلفه الإمام الموفق ، موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ـ رحمه الله تعالى .


    وقبل أن ندخل في تفاصيل ما في الكتاب ، فإن المقدمة التي نريد أن نقدم بها عن المذهب تتحدث عن أمور ثلاثة بصورة أساسية :


    الأمر الأول : نشأة مذهب الحنابلة

    الأمر الثاني : بيان أصول هذا المذهب ومميزاته ومفرداته

    الأمر الثالث : الحديث عن أهم مصطلحات المذهب وأشهر مصنفاته .

  2. #2
    مشرفــة عامــة نور الهدى داعية متدربة ( مسكية مبتدئة )
    تاريخ التسجيل
    Feb 2005
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    11,695
    معدل تقييم المستوى
    23

    افتراضي

    نشأة المذهب :

    فإذا أردنا أن نتحدث عن فقه الحنابلة فإننا نقول إن هذا الفقه مر بأطوار :

    الطور الأول : هو طور التأسيس :


    وكان على يد الإمام المبجل أحمد بن حنبل المولود سنة أربعٍ وستين ومائة والمتوفى سنة إحدى وأربعين ومائتين .

    والإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ هو أبو عبد الله ، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني أصله من بصرى بأرض خراسان وحملته أمه بمرو ، وتوفي أبوه من قبل أن يولد ثم جاءت به حملاً إلى بغداد فولدته بها سنة أربعٍ وستين ومائة .

    وتكفلته أمه بمعاونة عمه حيث ربته على العفة والصلاح وبدأ الإمام أحمد يدرج في مدارج طلب العلم صغيرا ، فبدأ طلب العلم وهو في الثالثة عشر من عمره ـ رحمه الله تعالى ـ فسمع الحديث ، وطلب الحديث طلباً عظيماً ، حتى انتقل إلى بغداد ثم الكوفة والبصرة بأرض العراق ، ثم رحل إلى مكة والمدينة ، ثم ذهب إلى صنعاء اليمن ماشياً في طلب الحديث ثم ذهب إلى طرسوس مرابطاً وغازيا ، ثم عاد إلى الشام ، وظل يسافر في طلب العلم وجمع الحديث حتى ذاع صيته وبلغ رتبة الإمامة في الدين .

    رآه أحد الناس وهو يحمل محبرته ويطلب الحديث فقال له : " يا أبا عبد الله أنت قد بلغت هذا المبلغ ، وأنت إمام المسلمين " ، فقال له الإمام أحمد : "مع المحبرة إلى المقبرة ".


    شيوخ الإمام أحمد كثر، بلغوا ثلاثمائة شيخ ، وكان ـ رحمه الله تعالى ـ كما يعنى بالحديث ، يعنى بالفقه ، اجتمع له في الفقه والحديث ما لم يجتمع لغيره ، فكان عنده الرواية ، كما كانت عنده الدراية ، وهذا كان سبباً في كثرة التلاميذ والنقلة عن الإمام أحمد ، لأنه جمع الفقه كما جمع الحديث .

    بدأ الإمام أحمد التحديث بمسجد الخيف بمنى سنة ثمان وتسعين ومائة وقيل سنة أربع ومائتين ، وذلك بعد أن أتم أربعين سنة ، ظل يطلب العلم حتى بلغ الأربعين ، فلما جلس للتحديث والإقراء قصده طلبة العلم من مشارق الأرض ومن مغاربها للنقل عنه والتعلم منه ، بل إن من شيوخه من كان يحدث عنه مثل وكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي .

    قال له الشافعي وهو من شيوخه : " أنتم أعلم بالحديث منا فإذا صح الحديث فقولوا لنا حتى نذهب إليه ".


    وكان من هؤلاء الرواة من كان يحمل عنه الفقه مثل أبي بكر المروزي وأبي زرعة الرازي وإبراهيم الحربي وابنيه صالح وعبد الله وغيرهم من طلبة الفقه والحديث .

    ثم إن الأمام أحمد بنى فقهه على ما اختزنه في ذاكرته من الحديث والآثار إذ التزم الإمام ـ رحمه الله ـ في فتاواه واجتهاداته الفقهية بنصوص الحديث النبوي وبأقوال الصحابة وفتاويهم كما سيظهر عند كلامنا على أصول مذهبه ـ رحمه الله تعالى .


    عرف أحمد باتباع السنة ، والسنة عند علماء الاعتقاد تطلق على : العقائد السالمة من الشبهات ، وكان في هذا الجانب شانفاً بين العلماء وشارة بين الفقهاء ، امتحن على القول بخلق القرآن شهوراً طويلة وضرب سياطاً عديدة، فما لانت قناته، وما تضعضعت أركانه ـ رحمه الله ـ تعالى، فلما علم الله تعالى صبره وحسن بلائه في دين الله عز وجل كتب له الإمامة في الدين ، إذ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين .


    الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ كتب كُتباً كثيرة وكتبت له كتب كثيرة فطلابه وجلسائه من طلبة العلم كانوا يكتبون ما يملي عليهم وكانوا يكتبون فتاواه ومسائله حتى أمكن تقسيم كتب الإمام أحمد إلى أقسام:


    القسم الأول كتب في غير الفقه : ومنها على سبيل المثال المسند وهو كتاب كبير في جمع أحاديث النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ يحتوي المسند على نحو من ثلاثين ألف حديث قال عنه الإمام أحمد لابنه عبد الله : احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إماما ، وقد كان ـ رحمه الله تعالى . وله أيضاً كتاب في الزهد وآخر في فضائل الصحابة ورابع في التاريخ وخامس في الرد على الجهمية والزنادقة .


    والقسم الثاني من كتبه ـ رحمه الله ـ في الفقه والأصول : وهي ثمانية كتب على وجه التحديد ، له رسالة في المسيء صلاته ، وله كتاب الأشربة ، وله كتاب المناسك الكبير، وله كتاب المناسك الصغير، وله كتاب الناسخ والمنسوخ ، وله كتاب الفرائض ، وله رسالة في الرد على من يزعم الاستغناء بظاهر القرآن عن تفسير سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وله كتاب في طاعة الرسول ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم .


    وأما القسم الثالث من كتب الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ فهي أوسع الأقسام قاطبة وهي المسائل التي رويت عنه : بلغت ما يقرب من ستين ألف مسألة ، سُئلها الإمام ـ رحمه الله تعالى ـ وجمعت في كتب تصل إلى مائتي كتاب كلها بعنوان مسائل الإمام أحمد . من أشهر من روى عنه هذه المسائل أبو بكر المروزي ، وكان من الملازمين له ، والمختصين به والمقربين منه توفي سنة خمس وسبعين ومائتين.

    وكذا مسائل عبد الله بن الإمام أحمد وهو أبوعبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل المولود ببغداد سنة ثلاث عشرة ومائتين ، كان عالماً بالحديث ، روى عن أبيه المسند ورتبه وزاد عليه زيادات ، وروى له كثيراً من المسائل الفقهية .

    وكذا ابنه صالح أبو الفضل صالح بن أحمد بن حنبل وكان أيضاً من المشتغلين بالعلم والفقه .

    ومن تلاميذ الإمام أحمد المقربين أبو داود السجستاني ، سليمان بن الأشعث ، صاحب السنن المعروفة ، وهو مولود سنة مائتين واثنين ونقل عن إمامنا الإمام احمد كثيراً من المسائل الفقهية ، وتوفي سنة خمس وسبعين ومائتين .

    وهكذا نقل تلاميذه ـ رحمهم الله تعالى ـ فقه أحمد عبر الكتب التي عرفت وسميت بمسائل الإمام أحمد ، هذه المسائل لما جمعت وقرأت ونقحت وهذبت شكلت و كونت نواة هذا الفقه الحنبلي ، الذي نسب إلى الإمام ـ رحمه الله تعالى ـ

    وهذا هو الطور الأول لمذهب الحنابلة ، والمعتمد الأول الذي قام عليه فقههم ، وهذا الطور طور ينتهي بوفاة الإمام أحمد سنة إحدى وأربعين ومائتين وفيه بدأ تدوين مسائله ، مسائل الإمام أحمد . ويسلم هذا الطور إلى الطور الثاني .


    الطور الثاني : وهو طور نقل المذهب وتطوره :


    نقل المذهب حدث في منتصف القرن الثالث حتى أوائل القرن الخامس الهجري. علمنا مما سبق أن تلامذة الإمام الملازمين له حفظوا عنه آلافاً من المسائل الفقهية ونسخوا كتبه التي صنفها واجتهدوا في ترتيبها وكان كل واحد منهم يروي هذه المسائل لتلامذته وأصحابه .


    ثم ظهر في الجيلين الثاني والثالث من علماء الحنابلة من جمع هذه المسائل في كتب جامعة ، ثم نسج أبواب الفقه معتمداً عليها. ومن أشهر هؤلاء الفقهاء الذين عنوا بمذهب الإمام أحمد ، أبو بكر الخلال ، وهو أحمد بن محمد بن هارون صاحب أبا بكر المروزي ، وروى عنه مسائل كثيرة للإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى . أنفق أبو بكر الخلال عمره في جمع علوم الإمام أحمد بل سافر لأجلها جميع البلاد حتى كتبها وصنفها كتبا، فلفت بهذا الأنظار وصار مطلباً لعلماء الأمصار وألف كتابه : الجامع لعلوم الإمام أحمد الذي بلغ نحو مائتي جزء ، وهو كتاب لم يصنف في مذهب الإمام أحمد مثله . ومن هنا بدأ ظهور الانتساب إلى الإمام أحمد ، وأخذت أصول المذهب وخطوطه العريضة ومصطلحاته الدقيقة وآثاره النفيسة محل درس وتدريس واستقرأ وتأليف وتقريب وتلقين ، فكان للخلال اليد التي لا تنكر في حفظ تراث الإمام أحمد الفقهي ونقل مذهبه وتطويره بعد ذلك ، والخلال أبو بكر توفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة لهجرة النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم .


    ثم يأتي بعد الخلال، أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله المشهور بالخرقي ، تتلمذ على يد أصحاب أبي بكر المروزي وجمع مسائل الإمام وبرع في المذهب ، وكان من أوائل من وضع المتون في مذهب الحنابلة ، ولكم أن تعرفوا أن كتاب المغني الذي شرحه الإمام ابن قدامة إنما هو شرح لمختصر الخرقي ، فهو المغني شرح مختصر الخرقي ، وكتاب مختصر الخرقي لقي إقبالاً واهتماماً ، من الحنابلة فيما بعد .


    العالم الثالث هو غلام الخلال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد المولود سنة خمس وثمانين ومائتين وصحب الخلال وخدمه حتى اشتهر بلقب غلام الخلال .

  3. #3
    مشرفــة عامــة نور الهدى داعية متدربة ( مسكية مبتدئة )
    تاريخ التسجيل
    Feb 2005
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    11,695
    معدل تقييم المستوى
    23

    افتراضي

    الطور الثالث : طور تحرير المذهب وضبطه ، وتنقيحه :


    وأما الطور الثالث من أطوار مذهب الحنابلة ، فهو طور تحرير المذهب وضبطه ، وتنقيحه ، ويبدأ هذا الطور من أوائل القرن الخامس حتى منتصف القرن التاسع الهجري ، حيث استقر المذهب من حيث المسائل الفقهية المروية عن الإمام ووضوح خطوطه العريضة وكثرة أتباعه وتعدد مصنفاته ، ولكن لم يزل هذا المذهب محتاجاً إلى مزيد ضبط وتحرير وتنقيح ، واستيعاباً لمسائل أبواب الفقه الفرعية التي تخرج على المسائل المروية عن الإمام وعلى أصول المذهب ، وهنا جاء دور كثير من محققي المذهب ورواده الذين خدموا هذا المذهب بالتصنيف في الفقه والأصول وتأليف المتون والشروح عليها ، والترجيح والتخريج .


    ومن أبرز هؤلاء العلماء من طبقة المتوسطين في هذا المذهب القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء المولود سنة ثمانين وثلاثمائة وانتهت إليه رياسة المذهب وله كتب كثيرة في الفقه والأصول وتنقيحات وتخريجات وترجيحات والتي اعتمد عليها محققوا المذهب من بعد .


    ومنهم أيضاً أبو الخطاب الكلوذاني محفوظ بن أحمد بن الحسن وهو المتتلمذ على القاضي أبي يعلى، برع في الفقه والأصول و صنف كتب كثيرة أيضاً .


    ومن المتوسطين أيضاً ابن عقيل أبو الوفاء على بن عقيل بن محمد، تتلمذ على القاضي أبي يعلى ، خدم المذهب خدمات جليلة و كان من علماء الحنابلة المحققين ، ولد سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وتوفي سنة ثلاث عشر وخمسمائة .


    ومنهم أيضاً ابن الجوزي ، عبد الرحمن بن علي ، وهو من نسل أبي بكر الصديق ، ولد رضي الله عنه سنة خمسمائة وعشرة من هجرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتوفي سنة سبعة وتسعين وخمسمائة ، بعد أن برع في العلوم كافة ، فكتب في علوم الإسلام عامة وله مؤلفات كثيرة في خدمة المذهب الحنبلي خاصة .


    ومن علماء الحنابلة المشهورين ابن قدامة ، أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد المقدسي المولود سنة إحدى وأربعين وخمسمائة والمتوفى سنة عشرين وستمائة ، انتهت إليه رياسة المذهب الحنبلي في عصره ، وخدم المذهب خدمة عظيمة بالتصنيف في الفقه والأصول ، وبشرحه متن الخرقي ، الشرح المعروف باسم المغني ، كانت له متون فقهية لاقت اهتمام الحنابلة من بعده ، فقاموا بشرحها في شروح كثيرة ، وكانت له اليد الطولى في استقرار المذهب وشموخه ودوامه ، توفي ـ رحمه الله ـ سنة عشرين وستمائة .


    ومن علماء المذهب الكبار المجد أبو البركات ، مجد الدين ، عبد السلام بن عبد الله بن تيمية المولود بحران سنة تسعين وخمسمائة ، كان من شيوخ الحنابلة البارزين ، كان يتوقد ذكاء ، له في فقه الحنابلة مصنفات متعددة من أشهرها كتابه المحرر ، وله ترجيحات مقدمة عند الحنابلة المتأخرين ، وهذا المجد هو جد شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ، الملقب بابن تيمية الحراني ـ رحمه الله تعالى ـ والمولود سنة إحدى وستين وستمائة ، البحر العلامة المجتهد الفهامة ـ رحمه الله تعالى ورضي عنه ـ تعلم العلم ودرس الفقه الحنبلي وبلغ الإمامة في فروع الدين ، حتى تأهل رحمه الله تعالى للفتوى وهو دون العشرين من عمره ، صنف كتبا متعددة في الفقه وأصوله، منها شرح العمدة لابن قدامة ، وله اجتهادات عظيمة بلغت الأفاق ، ونفع الله تعالى بها البلاد والعباد ، توفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ، وأثنى عليه الموافق والمخالف .


    ومن الحنابلة المتأخرين الإمام أبو عبد الله محمد بن بكر بن أيوب المشهور بابن قيم الجوزية لأن أباه كان ناظراً على مدرسة الجوزية والمولود سنة إحدى وتسعين وستمائة ، برع في الفقه وعلوم الدين وتتلمذ على شيخه ابن تيمية ووافق على اجتهاداته ونصر المذهب الحنبلي وله فيه كتب ، بل في أصوله كتب من أشهرها كتابه إعلام الموقعين، توفي ـ رحمه الله ـ سنة إحدى وخمسين وسبعمائة .


    ومنهم أيضاً ابن رجب وابن مفلح وكل هؤلاء ممن كانوا في هذا الطور الذي حرر فيه المذهب ونقح ودقق .


    الطور الرابع : طور استقرار المذهب :


    ويبدأ من منتصف القرن التاسع حتى نهاية القرن الرابع عشر الهجري .

    هذه المرحلة استقر فيها المذهب تماما ونحا متأخروا المذهب نحو أسلافهم في التصنيف من غير تحرير أو تخريج إلا فيما ندر ، ولكن تميزت هذه الفترة ببيان ما استقر عليه المذهب من روايات وأوجه في مقابل الروايات والأوجه التي خالفها جمهور الحنابلة .


    من أبرز هؤلاء العلماء الذين برزوا في هذه الفترة الإمام المرداوي ، علاء الدين أبو الحسن على بن سليمان بن أحمد المولود سنة ثمان عشرة وثمانمائة والمتوفى سنة خمس وثمانين وثمانمائة ، وله كتاب الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف وهو من أجل المصنفات التي حررت روايات المذهب وأوجهه وترجيحاته ، بل هو عمدة المتأخرين ممن كتب وصنف وألف في مذهب الحنابلة وأفتى وحاضر.


    ومنهم أيضاً يوسف بن عبد الهادي المتوفى سنة تسعة وتسعمائة ، له كتب متعددة في خدمة المذهب أشهرها كتاب مغني ذوي الأفهام ، وله كتاب في القواعد الفقهية .


    ومنهم أيضاً الإمام الحجاوي صاحب زاد المستقنع ومنهم الإمام الفتوحي الذي جاء بكتاب منتهى الإرادات ، وشرحه بنفسه ومنهم الإمام البهوتي المتوفى سنة إحدى وخمسين وألف ، له جهد كبير في خدمة المذهب ولمؤلفاته القبول عند متأخري الحنابلة ، ومنهم الإمام عبد القادر بن مصطفى الدمشقي المعروف بابن بدران المتوفى سنة ألف وثلاثمائة وست وأربعين من هجرة المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتب في خدمة المذهب كتابه المدخل إلى مذهب الإمام احمد بن حنبل وله حواش على الروض المربع وعلى شرح المنتهى للبهوتي وله في أصول الفقه نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر لابن قدامة .


    الطور الخامس : إحياء تراثه :


    ويبدأ من بداية القرن الرابع عشر الهجري حتى يوم الناس هذا وهذه المرحلة هي سمة العصر الحديث الذي اهتم بتحقيق مخطوطات التراث الحنبلي حيث قامت مؤسسات علمية عديدة بتحقيق كم هائل من هذه المخطوطات التي بلغت بل زادت على مائتين وخمسين كتاباً من تراث الحنابلة، تم تحقيقها وتنقيحها وطباعتها وإعادة طباعتها خلال هذا القرن الرابع عشر الهجري وإلى يوم الناس هذا .


    بعد هذه المقدمة التاريخية عن المذهب وأطواره يحسن بنا أن نتحدث عن أصول هذا المذهب ومميزاته ومفرداته .


    أصول المذهب :


    كان للإمام أحمد جهد في تأصيل مذهبه وإن لم يكن يعمد إلى هذا ـ رحمه الله ـ لشدة ورعه ولكن هذه الأصول استقيت من فتاويه ، واستقيت من كتبه وعرفت من فروعه التي ردت إلى أصول خمسة بنى الإمام أحمد مذهبه عليها .

    الأصل الأول : الذي عني به الإمام في فتاواه تقديمه للنصوص من الكتاب والسنة :


    فكان الإمام ـ رحمه الله ـ يفتي بموجب النص من كتاب الله ، أو من سنة النبي ـ صلى اله عليه وسلم ـ ولا يلتفت إلى ما يخالفه ولو كان قول صحابي جليل ولهذا لم يلتفت ـ رحمه الله ـ إلى قول معاذ ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ بتوريث المسلم عن الكافر لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما .

    الأصل الثاني : الإجماع :


    والإمام احمد ـ رحمه الله تعالى ـ يعتمد أصل الإجماع والإجماع عند الحنابلة على دربين :


    الدرب الأول الإجماع العام : وهو مثل إجماع المسلمين على فرضية الصلاة والصوم والزكاة والحج ونحو ذلك .


    وأما الإجماع الثاني فهو الإجماع الخاص وهو قول الصحابي : إذا اشتهر بين الصحابة وأقروه على ذلك ولم ينكر عليه أحد منهم ، مثل ما روي عن عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ أنه جلد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة ثمانين جلدة ، جلدهم حد القذف ، فأقروه على ذلك ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة .


    ومنه أيضاً عدم العلم بالمخالف، فالمقدم عند الإمام أحمد الكتاب والسنة والإجماع ، ثم يأتي في الدرجة الثانية قول الصحابي الذي لم يعلم له مخالف، وهذا لا يعد من قبيل الإجماع عنده .

    ولهذا كذب من ادعى هذا الإجماع ، فقال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول :" ما يدعي الرجل الإجماع فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا ما يدريك ولم ينتهي إليك، فليقل لا نعلم، الناس اختلفوا " .

    فالإمام أحمد لم ينكر حدوث الإجماع ولا وقوعه ، ولكن اعترض على اعتبار عدم العلم بالمخالف من قبيل الإجماع فإنه قد يكون في المسألة خلاف ، ولم يصل رأي المخالف إلى مدعى الإجماع ، بل قد يكون الرأي الراجح مع المخالف .


    الأصل الثالث : فتاوى الصحابة :



    والأصل الثالث الذي بنى الإمام عليه مذهبه هو فتاوى الصحابة وأقوالهم. كان الإمام أحمد إذا وجد لبعض الصحابة فتوى لا يعرف له فيها مخالف أخذ بها ، وهذا إذا لم يكن ثمة آية أو حديث أو إجماع سابق فإنه كان لا يعدل بفتوى الصحابة شيئاً إذا فقد الكتاب والسنة، وإذا لم يوجد في المسألة نص من كتاب أو سنة ولم يُدَّعى فيها إجماع فكان من ورعه يقول: لا أعلم شيئاً يدفعه ، يعني يدفع كلام الصحابي أو فتوى الصحابي ولم يقدم على هذه الفتوى رأياً ولا قياساً .


    وإذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة ولم يخرج عن أقوالهم فإن لم يتبين له موافقة أحد القوال حكى الخلاف في المسألة ، ولم يجزم بقول من هذه الأقوال

    ولهذا نجد ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ حين تحدث عن فتاوى الإمام احمد فيقول : " من تأمل فتاواه وفتاوى الصحابة رأى مطابقة كل منهما على الأخرى ، ورأى الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان ، وكان تحريه لفتاوى الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه بل أعظم ".


    الأصل الرابع : القول بالمرسل :

    ومن الأصول الذي قال بها الإمام أحمد القول بالمرسل فأحمد كان يقدم قول الصحابي إذا صح عنه على الحديث المرسل .

    لأن الحديث المرسل هو الذي رفعه التابعي إلى الرسول مباشرة من غير ذكر للصحابي وهو يحتمل أن يكون التابعي قد رواه عن صحابي ويحتمل أن يكون قد رواه عن تابعي مثله ، وعن التابعي قد يكون ثقة وقد يكون ضعيفاً .

    أما الموقوف على الصحابي بسند صحيح فلا يحتمل أن يتدنى عن رتبة أقوال الصحابة العدول الثقات .

    لذا لما سئل الإمام أحمد في مسائل ابن هانئ ، قال : قلت لأبي عبد الله: حديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرسل برجال ثبت أحب إليك أو حديث عن الصحابة والتابعين متصل برجال ثبت ؟

    قال أبو عبد الله رحمه الله : "عن الصحابة أعجب إلى " .

    يعني أنه يقدم فتوى الصحابي إذا صحت نسبتها إليه عن المرسل لأن المرسل قسم من الضعيف ، أما إذا لم يجد قولا للصحابي ومن قبل لم يجد شيئا في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه إذا وجد الحديث المرسل قال به وقدمه على القياس .


    وحين يقول الإمام أحمد بالمرسل فإنه يشترط للأخذ بهذا المرسل شروطاً، هذه الشروط تقوي من شأن المرسل ، ومنها ألا يكون المرسل ضعيفا بحيث أن يكون في إسناده راوٍ كذاب أو متهم ، وربما نظر إلى موافقة المرسل لفتاوى العلماء ونظر إلى موافقة المرسل إلى مثله من الأحاديث المرسلة التي يقوي بعضها بعضاً فالمراد بهذا المرسل أنه ما كان من جنس الحسن لغيره .

    أو الحديث الذي فيه ضعف إلا أن الضعف فيه غير شديد .


    وهذا الأصل كما هو موجود عند أحمد رحمه الله موجود في بقية المذاهب الفقهية إلا أن أحمد كان يقدم هذا على القياس مطلقاُ ، أما بقية الأئمة فكانوا تارة يقدمون القياس وتارة يقدمون الحديث المرسل أو الحديث الذي ضعف غير شديد .

  4. #4
    مشرفــة عامــة نور الهدى داعية متدربة ( مسكية مبتدئة )
    تاريخ التسجيل
    Feb 2005
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    11,695
    معدل تقييم المستوى
    23

    افتراضي

    الأصل الخامس : القياس :


    أما الأصل الخامس الذي بنى عليه الإمام أحمد مذهبه فهو القياس ، إذا لم يكن عند الإمام في المسألة نص من كتاب أو سنة ولم يعرف فيها إجماعا أو قولاً لأحد الصحابة أو أثر مرسل أو ضعيف أخذ بالقياس وجعله منزلة الضرورة ، قال رحمه الله فيما رواه عنه الخلال : قال سألت الشافعي عن القياس قال إنما يصار إليه عند الضرورة .


    وهذه بالجملة أصول الإمام أحمد التي بنى عليها هذا المذهب ، والتي استقر عليها الحنابلة من بعد الإمام أحمد ، ثم إنهم صارت لهم كتبهم التي كتبوا فيها أصول المذهب ، أو أصول الفقه عند الحنابلة كما هو عند جمهور الفقهاء .


    مميزات ومفردات المذهب :


    الإمام أحمد ومذهبه ، أو مذهب الحنابلة تميز بمميزات وانفرد بمفردات جعلت هذا المذهب له تميز عن بقية المذاهب ومنها:

    1. العناية بذكر الدليل :


    من أولها وأولاها وأشهرها وأعلاها العناية بذكر الدليل من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أقوال الصحابة ـ رضي الله تعالى عنهم ـ في جميع مسائل الفقه ، فهذا المذهب يعد بحق قبلة لمدرسة النص ، إذ يجد الناظر فيه حشداً ضخماً من الأدلة ، مع جودة الاستنباط منها والتفريع عليها وهو ما يعرف بفقه الدليل .


    2. البعد عن الفقه الافتراضي :


    أيضاً من مميزاته بعد هذا الفقه عن الفقه الفرضي أو عن الفقه الافتراضي وهو الذي يشتمل على مسائل تفترض أن تقع ، ثم يفترض الحكم الفقهي المناسب لها وهذا وإن وجد في مذهب الحنفية على وجه الخصوص ونال أصحاب المذهبين المالكي والشافعي من هذا بنصيب ، إلا أن المذهب الحنبلي لم يكن عنده هذا الأمر ولم يغرق فقهاءه في هذه البحور التي وصلت أحياناً إلى حد الإغراض والإبعاد عند سائر المذاهب ، يقول ابن رجب رحمه الله : " وهذا أثر نفيس من آثار مسلك الإمام أحمد في فقهه، فما عرف عنه مع كثرة كتب المسائل عنه أنه يفرض المسألة " ، قلنا أنه رويت عنه ستون ألف مسألة وهذه المسائل على كثرتها وما كتب في أكثر من مائتي جزء لم يكن فيها من المسائل الفرضية أو المسائل الافتراضية التي يفترض وقوعها ، ابن رجب يقول: " وهذا أثر نفيس من آثار مسلك الإمام أحمد في فقهه فما عرف عنه مع كثرة كتب المسائل المروية عنه أنه يفرض المسألة ثم يفرض وقوعها ثم يفرض الحكم لها ، بل كان رحمه الله إذا سئل عن شيء من المسألة المحدثة المتولدات التي لا تقع يقول : دعونا من هذه المسائل المحدثة " .

    وهذا لا يعني انتقاد الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية فإن هذا الأمر فيه أيضا من الفوائد ما لا ينكر ، إنما الذي ينكر الخروج عن حد الاعتدال والتجاوز إلى حد التفريط .


    يقول ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ حين يذكر هذه المسألة :"والحق التفصيل فإن كان في هذه المسألة نص من كتاب الله أو سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو أثر عن الصحابة فليكره الكلام فيها ، فإن لم يكن فيها نص ولا أثر ، و كانت بعيدة الوقوع أو مقدرة لا تقع ، لم يستحب له الكلام فيها ، وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد ، وغرض السائل الإحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم ".


    3. البعد عن الإغراق في الرأي :


    ومن مميزات هذا المذهب أيضاً البعد عن الإغراق في الرأي لأن من يعتمد على النصوص يقل اعتماده على القياس ، كما قالوا : [ من اتسع علمه بالنصوص قلت حاجته للقياس ] ، فمن يعتمد على النص وينشد الدليل ، لابد أن يبتعد عن الرأي المجرد ، ثم إن النصوص دالة على عامة الفروع الواقعة ، وأهل النصوص دائماً أقدر على الإفتاء ، وأنفع للمسلمين في ذلك من أهل الرأي وحده .


    4. التيسير في الأحكام الفقهية :


    الميزة الرابعة التيسير في الأحكام في أبواب الفقه المختلفة .

    ربما شاع عند بعض العوام أن المذهب الحنبلي مذهب متشدد ، والحق إن مذهب الحنابلة أوسع المذاهب في الفروع سواء في أبواب العبادات أو المعاملات أو العقود أو الشروط .


    وعلى سبيل المثال لا الحصر نرى أن المذهب الحنبلي في أبواب الطهارة يقول بطهارة بول وروث مأكول اللحم ولولا هذا لضاق الأمر وكثر الحرج ، وخاصة مع الفلاحين الذين يتعاملون مع الأنعام بصورة مباشرة ومستمرة .

    ثم في العقود مثلاً نرى أن المذهب الحنبلي يقول بأن الأصل في الشروط والعقود هو الصحة ، وهذا يفتح باب الحرية للمتعاقدين في إبرام العقود المختلفة والشروط بناء على هذا الأصل ، ويستمر في التوسع والتوسيع ما لم تصادم هذه العقود نصاً أو تعارض هذه الشروط أثراً من آثار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا يخفى ما في هذا من التيسير والسعة ورفع الحرج .

    وفي أحكام الطلاق والفرقة ونحو هذا يتميز المذهب الحنبلي باعتبار الخلع فسخا وليس طلاقاً ، لذا لا يُنقص المذهب بالخلع عدد الطلقات التي للمطلق على زوجته وفي هذا تضييق لدائرة الفراق ، وفي مقابل هذا يتميز بالحكم بالفسخ لعدم النفقة والوطء، فإذا امتنع الرجل عن الإنفاق وامتنع عن وطء زوجته ، وصارت هنا مضارة للنساء فإنه يجيز الفسخ لهذا الضرر .


    ولا شك أن هذه الأمثلة ترد رداً بالغاً على من اتهم الحنابلة بالتشدد في الأحكام الفقهية ، وأنت حين ترى رأي الإمام في مسألة، تجد أنه تُجمع له في المسألة ثلاثة آراء ، فإذا بحثت في أقوال الفقهاء في الفقه المقارن وجدت الآراء الثلاثة في مذاهب ثلاثة فكأن المذاهب الثلاثة قد اجتمعت في المذهب الحنبلي ، فقال الإمام أحمد تارة بقول الشافعي وتارة بقول الإمام مالك وتارة بقول أبي حنيفة ، وهذا مما يلتقي مع مقاصد الشريعة من التيسير ورفع الحرج ولا يناهض نصوصها ، وفيه ما فيه من الخير الكثير والسعة على المسلمين في كل مكان وزمان .

  5. #5
    مشرفــة عامــة نور الهدى داعية متدربة ( مسكية مبتدئة )
    تاريخ التسجيل
    Feb 2005
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    11,695
    معدل تقييم المستوى
    23

    افتراضي

    . فتح باب الاجتهاد:


    ثم إن المذهب الحنبلي ينفرد عن باقي المذاهب بالقول بفتح باب الاجتهاد مادام الليل والنهار وعدم خلو عصر من العصور من مجتهد ، ولا ريب أن في ذلك استجابة لنداء الشرع الذي وفى بكل ما يستجد من الحوادث ، فجعل لكل حادثة حكماً يكفل المصالح للناس ، ويدفع عنهم المفاسد ، كما أن في ذلك تنزيهاً للشريعة عن وصفها بالجمود والتحجر والركود وعدم مواكبتها لمتطلبات الحضارة والأعراف والمفاهيم المتغيرة ، وما يستجد من آلات ومخترعات ونحو ذلك ، وكل هذا مما تأباه طبيعة هذا الدين السمحة ، وأحكامه المحكمة .


    فإذا انتهينا من الحديث عن أصول المذهب وعن مميزاته وعما انفرد به فإنه يحسن بنا قبل أن ننتهي من هذه المقدمة أن نذكر شيئاً من مصطلحات المذهب ومن مصنفاته المشتهرة .


    مصطلحات المذهب :


    يتردد في كتب الفقه الحنبلي بعض المصطلحات وبعض الاختصارات ينبغي أن ننوه عنها .


    فتارة يقولون: وهذه رواية : ويقصدون بالرواية الحكم المروي عن الإمام احمد في مسألة من المسائل إما نصا من كلامه أو إيماءً ، أو قد تكون تخريجاً من علماء الحنابلة الأوائل على نصوص الإمام فتكون رواية مخرجة ومن هذه المصطلحات أيضاً قولهم : نَصَّ عليه أو النص أو المنصوص عليه وهذا لا يكون إلا فيما قاله الإمام نصاً أو تصريحاً .


    وأحياناً يقولون رواه الجماعة : يعني عن الإمام أحمد وهذا القول قول الجماعة عندهم يقصدون به سبعة من كبار تلاميذه، وهم على وجه التحديد ولداه عبد الله وصالح وحنبل ابن عمه وأبو بكر المروذي وإبراهيم الحربي وأبو طالب والميموني ، واستعمل هذا المصطلح ابن قدامة في المغني والمرداوي في الإنصاف .


    وتارة يقول الحنابلة:وهذا عند أصحابنا، وهذا عند الأصحاب : ويعنون بالأصحاب علماء الحنابلة وخاصة تلامذة الإمام احمد والأوائل من الحنابلة .


    والتخريج :هو نقل حكم مسألة من المسائل التي نص الإمام أحمد على حكمها إلى ما يشبهها من المسائل التي لم ينص عليها مع التسوية بينهما في الحكم .


    والوجه :هو قول بعض أصحاب الإمام أو قول بعض المجتهدين أو تخريجه إن كان مأخوذاً من قواعد الإمام أحمد أو إيمائه أو تعديله أو مأخوذاً من سياق كلامه .


    والاحتمال :هو قول لبعض الأصحاب المجتهدين، قد يصلح أن يكون وجها وهو يكون بدليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه وهو الراجح أو بدليل مساو له .


    والمذهب : هو ما نص عليه الإمام أو كان مخرجاً على نصه وعليه جمهور الحنابلة ، ولم يشذ عنه إلا القليل منهم ، فإذا قيل المذهب كذا فهذا ما نص عليه الإمام أو كان مخرجاً على نصه وعليه جمهور علماء الحنابلة .


    وقولهم هذا ظاهر المذهب : أي مشهور في المذهب .


    وقولهم الأصح أو في الأصح أو الصحيح من المذهب أو في المشهور أو على المشهور أو الأشهر : هذه كلها مصطلحات تقال عند الاختلاف والترجيح والاختيار وغالباً ما يكون الترجيح بين قولين أو وجهين .


    أحياناً يرد في كتب الحنابلة بعض المصطلحات الخاصة .


    فيقولوا وهذا قول الإمام : يعنون بالإمام من ؟ يعنون بالإمام الإمام أحمد .


    فإن قالوا قاله القاضي : فهو أبو يعلى .


    فإن قالوا قاله الشيخ : فالمراد به في طبقة المتوسطين من الحنابلة الشيخ ابن قدامة المقدسي ، وإن قالوا عند المتأخرين كلمة الشيخ فالمقصود به شيخ الإسلام ابن تيمية .


    وتارة يقولون قال الشيخ فإذا قال المتأخرون : قال الشيخ فهو ابن تيمية .

    وإن قالوا قال تقي الدين : فهو ابن تيمية .

    وإن قالوا قال شيخ الإسلام : فهو ابن تيمية أيضا .


    فإن قالوا أي الحنابلة قال الشيخان : فهما ابن قدامة ومجد الدين ، المجد ابن تيمية جد شيخ الإسلام ـ رحم الله تعالى الجميع ـ .

    فإن قالوا قال الشارح : فالشارح هو شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي ، وهو ابن أخي ابن قدامة وهو تلميذه وهو صاحب الشرح الكبير وهو شرح لمتن المقنع لابن قدامة فهذه أهم المصطلحات التي قد تتردد في كتب الحنابلة .


    أشهر مصنفات المذهب :


    فإذا أردنا أن ننطلق بعد هذا إلى أشهر المصنفات في المذهب.


    فإننا نقول إن أشهر المصنفات في مذهب الإمام أحمد هي المسائل التي جمعت له ـ رحمه الله تعالى ـ وجمعها له تلاميذه كمسائل أحمد لابنه عبد الله ولابنه صالح ولأبي داود ولابن هانئ وللخلال وغيرهم من علماء الحنابلة .


    ومن المتون الفقهية مختصر الخرقي وشرحه المعروف باسم المغني شرح الخرقي لابن قدامة المقدسي ، ومنها أيضاً كتاب العمدة الذي سنشرع في شرحه إن يسر الله تعالى وأعان بعد هذه المقدمة ، ومنه أيضاً كتاب الروايتين للقاضي أبي يعلى ومنهم الكافي لابن قدامة أيضا ومنه المقنع لابن قدامة أيضا ومنه المبدع في شرح المقنع لابن مفلح ومنه كتاب الإنصاف للمرداوي ومنه التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع للمرداوي أيضاً .


    ومن مختصرات الحنابلة الذائعة الصيت الشهيرة كتاب زاد المستقنِع في اختصار المقنع للحجاوي ومنتهى الأرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزياداته لابن النجار الحنبلي وشرح منتهى الأرادات أيضاً وكتب شهيرة كثيرة سارت بذكرها الركبان وانتفع بها الطلاب في كل زمان ومكان .


    وللحنابلة كتب في قواعد الفقه منها القواعد النورانية لشيخ الإسلام ابن تيمية وتقرير القواعد لابن رجب الحنبلي والقواعد الكلية لابن عبد الهادي والقواعد الأصولية لابن اللحام ، وغيرها من الكتب التي سطرت في علم القواعد الفقهية .


    ولهم أيضاً كتب كثيرة في علم أصول الفقه وعلم الجدل فمنها كتاب العدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى ومنها أيضاً روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة المقدسي ومنها مختصر الروضة ومنها المسودة في أصول الفقه لآل تيمية ومن أشهرها شرح الكوكب المنير أو الكوكب المنير شرح مختصر التحرير لابن النجار الفتوحي ، وكتب كثيرة كتبها الحنابلة في الفقه وقواعده وفي الأصول وعلومه .


    وهناك كتب كثيرة ألفت في العصر الحديث خدمة لمذهب الحنابلة ، منها على سبيل المثال كتاب المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل لفضيلة الشيخ محيي بن عبد الله وهو كتاب قيم نافع جمع فيه مصنفه علوم الحنابلة ، في تأصيلها وفي ذكر المذهب لأصوله وقواعده وكتبه ورجالاته بل الأزمنة التي انتشر فيها والأماكن التي انتشر فيها المذهب .


    ثم بعض المعاصرين كتبوا أيضا في فقه الحنابلة كتبا لا بأس بها ككتاب المعتمد في فقه الإمام أحمد وكتاب المجلى في الفقه الحنبلي وغير هذه الكتب التي خدمت مذهب الحنابلة خدمة معاصرة ، ومنها أيضاً كتاب قواعد الاستنباط من ألفاظ الأدلة عند الحنابلة وهو كتاب معاصر أيضا .


    أرجو أن نكون بعد هذه الإلمامة السريعة بتاريخ المذهب وأصوله ورجالاته وكتبه قد جمعنا فكرة متكاملة عن هذا المذهب العظيم وعن إمامه المبارك إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ وصارت عندنا هذه الخبرة أو هذه المعرفة التي تمكننا من السير في كتب الحنابلة سيراً جاداً وحثيثاً ، ينفعنا الله تبارك وتعالى في معرفة الحق بدليله إنه ولي ذلك والقادر عليه .

  6. #6
    مشرفــة عامــة نور الهدى داعية متدربة ( مسكية مبتدئة )
    تاريخ التسجيل
    Feb 2005
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    11,695
    معدل تقييم المستوى
    23

    افتراضي رد: مقدمة في المذهب الحنبلي

    للرفع

+ الرد على الموضوع

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
تصميم onlyps لخدمات التصميم