| | | | | | | | | |
| | |
| | رقم المشاركة : 1 (permalink) | |
| | بسم الله الرحمن الرحيم "قد أفلح من زكاها" إن الحمد لله نحمده, ونستعينه, ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مُضلَّ له, ومن يُضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.. أدى الأمانة, وبلّغ الرسالة, ونصح الأمة, وكشف الغمة, وجاهد في الله حقّ جهاده. فاللهم أحينا على سنته, واحشرنا في زمرته, وأوردنا حوضه, ولا تَفتِنا بعده, ولا تحرمنا أجره, واسقنا من يديه الشريفتين شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا, وأدخلنا معه الجنة مع "النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً" [النساء:69] لمّا كان من المهمات التي بعث بها نبي الأمة محمد_صلى الله عليه وسلم_ تزكية النفس؛ كما قال _عزّ وجلّ_: " هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" [الجمعة:2] كان على من يرجو الله واليوم الآخر الاهتمام بتزكية نفسه خاصة, وقد علّق الله _عزّ وجلّ_ فلاح العبد بتزكيته لنفسه؛ وذلك بعد أن أقسم أحد عشر قسمًا متواليًا, ولا يوجد في القرآن بأكمله أقسامٌ متواليةٌ على هذا النسق؛ فقال _عزّ وجلّ_ : "وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا{1} وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا{2} وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا{3} وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا{4} وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا{5} وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا{6} وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا{7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا{8} قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا{9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا{10} " [الشمس1-10] وقال في موضعٍ آخر: " قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى{14} وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى" [الأعلى: 14-15] والتزكية: معناها التطهر, ومنها سميت صدقة المال بالزكاة, لأن بها يطهر المال بإخراج حق الله فيه. ولقد اهتم سلفنا الصالح بالسلوك الشرعي علمًا, وعملًا, فالسلوك الظاهر ملازمٌ للإيمان الباطن, وصلاح الظاهر ناشئٌ عن صلاح الباطن, وكذا العكس. ولمّا كان السلوك_عند السلف_ يُعد إيمانًا ودينًا فإننا نراهم يفردونه بكتبٍ مُستقِلة, بل ويوردون الجوانب السلوكية ضمن كتب العقيدة؛ لأن السلوك وما يتعلق بالصفات الأخلاقية من شعب الإيمان وخصاله فلا تنفك عنه. وعندما أورد بعض الأمثلة الواقعية من حياة السلف الصالح, فإني "أستغفر الله من الكلام فيما لست بأهلٍ له". هذه الكلمة قالها ابن القيم في كتابه طريق الهجرتين. وإذا كان الإمام أحمد بن حنبل _رحمه الله_ يُسأل عن أخلاق الورعين فيقول: "أسأل الله أن لا يمقتنا". فكيف بحالنا نحن الضعفاء المذنبين؟! لكن كما يقول سعيد بن جبير _رحمه الله_: "لو كان المرء لا يأمر بالمعروف, ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء, ما أمر أحدٌ بالمعروف, ولا نهى عن منكر". أسأل الله أن يُصلح قلوبنا, وأن يجعل عملنا خالصًا صوابًا. وأقول: - إلى كل مسلمٍ ومسلمة.. - إلى من سولت له نفسه ترك الصحبة الصالحة.. - إلى من غفل عن تزكية نفسه فتركها رهينة الأهواء.. - إلى النائلين من الصالحين, المتعامين عن الحق في وضح النهار.. - إلى من لبّس عليه الشيطان فالتبس عليه الحق بالباطل.. - إلى كل ساعٍ لتزكية نفسه وتطهيرها.. أهدي هذه الكلمات: عندما خلق الله _تعالى_ النفس البشرية, خلق معها قوة الاستعداد لفعل الخير أو الشر, ولم يجعلها مسيّرة لطريقٍ ما, بل له تمام الاختيار لمنهجه "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا{7} فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا "[الشمس: 7-8] ويترتب على هذا الاختيارِ الجزاءُ يوم الحساب وذلك بقوله تعالى:" قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا{9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا " [الشمس:9-10] فالفلاح لأولئك الذين زكوا أنفسهم وقوّموها حتى ذلّت بعد كبرياء, وألِفت بعد وحشة, وهدأت بعد هياج, فأصبحوا هم السادة لتلك النفوس يقودونها حيث يريد مولاهم. أما الذين جزعوا من هياجها, وذلوا لكبريائها, فأفلتوا لها الزمام؛ فقد خابوا وخسروا الدنيا والآخرة بعد أن تجاوزت بهم تلك النفوس الحدودَ التي وضعها الله؛ فكانت الجحيم هي مأواهم " فَأَمَّا مَن طَغَى{37} وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{38} فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى" [النازعات: 37-39] إن من الحماقة والغباء أن يتمنى الإنسان شيئًا دون أن يبذل السبب للحصول عليه, كمن يريد النجاة في الآخرة ولا يبذل أسباب النجاة. يصفه مصطفى الرافعي بِـ (الغريق الأحمق) فيقول: "ويحه من غريقٍ أحمق يرى الشاطئ على بُعدٍ منه فيتمكث في اللجّة قريبًا مرتقبًا أن يسبح الشاطئ إليه ... ويثبت الشاطئ, ويدع الأحمق تذوبُ ملحةُ روحه في الماء !! اسبح ويحك! وانجُ, فإن روح الأرض في ذراعيك, وكل ضربةٍ منهما ثمن ذرةٍ من هذا الشاطئ, كذلك ساحل الخُلد, يريد من الإنسان الذي هو إنسان أن يبلغ إليه مجاهدًا لا مستريحًا, يلهث تعبًا لا ضحكًا, وينضح من عرق جهاده لا من عطر لذاته". صفات النفس: إن لهذه النفس التي أودعها الله فينا صفاتٌ كثيرة, وليس المقصود ها هنا أن تكون النفس مقتصرة على صفةٍ واحدة بل قد تتعدد الصفات المتضادة في النفس الواحدة, ومن هذه الصفات: 1- الأمر بالسوء: قال تعالى على لسان امرأة العزيز: " وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [يوسف:53] وهذه هي طبيعة النفس البشرية, إلا من تعب في تربيتها فانتقلت من الأمر بالسوء إلى الأمر بالخير واللوم لاقتراف كل ما من شأنه الإبعاد عن رضا الله. 2- اللوم: "وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ" [القيامة:2] هذه النفس تجعل صاحبها في محكمة دائمةٍ معها, لذلك فهي نفسٌ حساسةٌ حية تشعر بالحسن والقبيح, بخلاف ذلك الذي يريد أن يفجر, يكذب ويتولى دون حساب لنفسه ولا تلومٍ ولا تحرج. صاحب النفس اللوامة يكون دائمًا محفزًا منتبهًا أن تأخذه على حين غرة, فيَذكر نفسه صباح مساء, وقبل أن يأوي إلى فراشه يقول :" أعوذ بك من شرِّ نفسي " فطلب المعونة للوقوف أمام نفسه هو أول ما يلجئه إلى الله, وإذا ما استمر على الالتزام بهذه الصفة فإنها توصله إلى صفةٍ أخرى كنتيجة طبيعية لالتزامه بها, ألا وهي الطمأنينة. 3- الطمأنينة: قال تعالى:" يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ{27} ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً{28} فَادْخُلِي فِي عِبَادِي{29} وَادْخُلِي جَنَّتِي" [الفجر:27- 30] يقول مجاهد: "الراضية بقضاء الله التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها, وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها" وقال الحسن البصري: "إن الله _تعالى_ إذا أراد أن يقبض روح عبده المؤمن, اطمأنت نفسه إلى الله_تعالى_ واطمأن الله إليها" وأنى يكون لها ذلك لولا المحاسبة الدائمة لكل لحظةٍ أو خطوةٍ, أو لفظةٍ أو خطرة, يقول سيّد عن هذه النفس: "المطمئنة في السراء والضراء, وفي البسط والقبض, وفي المنع والعطاء, المطمئنة فلا ترتاب.. والمطمئنة فلا تنحرف.. والمطمئنة فلا تتلجلج في الطريق.. والمطمئنة فلا ترتاع في يوم الهول الرعيب". 4- الازدواجية: قال تعالى: " وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا, فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا, قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا, وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا " [الشمس:7-10] فالنفس قابلة أن تتغير إما ناحية الخير (التزكية), وإما ناحية الشر (التدسية), يقول سيّد قطب: "إن هذا الكائن مخلوق مزدوج الطبيعة, مزدوج الاستعداد, مزدوج الاتجاه, ونعني بكلمة مزدوج على وجه التحديد أنه بطبيعةٍ تكوينية "من طين الأرض, ومن نفخة الله فيه من روحه" فزوّد باستعداداتٍ متساوية للخير والشر, والهدى والضلال". فكاذبٌ من يدعي أنه غير قادر على فعل الخير, والابتعاد عن الشر؛ لأن الله خلق فيه هذا الاستعداد. 5- التطويع والتسويل: ومن صفات النفس أنها تسهل في عيني الإنسان فعل الشر, وتنسيه في ذات اللحظة عاقبة ما يُقدم عليه " فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ " [المائدة:30] وليس فقط تسهيل الشر بل وتزيينه له, والزينة: توضع على الشيء حتى تغير في صورته الحقيقية فتتقبلها النفس " بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ" [يوسف: 18] ومن صفاتها كذلك: 6- الوسوسة. وأنها: 7- قادرة على التكليف: "لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا" [البقرة:286] يتبع... | |
|
| | رقم المشاركة : 2 (permalink) | |
| |
1- الانتباه لخطورة النفس: أول شروط التربية الانتباه والحذر من خطورة هذه النفس التي بين جوانحنا, وعدم التراخي في هذا الانتباه, فلا مجال لتدليل النفس وإكرامها؛ خوفًا من التجبر والتعالي, ولا بد من التزام أسلوب المعاندة والعصيان لما تشتهيه من أمور تبعد عن الصراط. ومن لم يلتزم هذه الطريقة وأعطاها كل ما تريد تجبرت عليه وجعلته عبدًا تسوقه إلى حيث تريد من محارم الله. هذه الطريقة التربوية للنفس يعرضها أبو مسلم الخولاني لأصحابه على صيغة سؤال فيقول: " أرأيتم نفسًا إذا أكرمتُها وودعتُها ونعمتُها ذمتني غدًا عند الله! وإن أنا أهنتها وأنصبتها وأعملتها مدحتني عند الله غدًا!؟ قالوا: ومن تيك يا أبا مسلم؟ قال: تيك والله نفسي". ويقول مالك بن دينار_رحمه الله_: "رحم الله عبدًا قال لنفسه النفيسة: ألستِ صاحبة كذا؟ ألستِ صاحبة كذا؟ , ثم زمّها, ثم خطمها, ثم ألزمها كتاب الله فكان لها قائدًا". ويقول التابعي الجليل أبو حازم سلمة بن دينار: "شيئان إذا عملت بهما أصبت خير الدنيا والآخرة. قيل: ما هما؟ قال: تحمل ما تكره إذا أحبّه الله, وتترك ما تحب إذا كرهه الله". فصحابتنا ومن تبعوهم بإحسان لو استسلموا لنفوسهم ما سمعنا هذه الأعاجيب منهم, فالنفس تكره طلب العلم, وتكره حفظ القرآن, وتكره الجهاد, وتكره كل أمر يقرب إلى الله! لكنهم داسوا عليها, وأصبحوا سادتها, فحازوا خير الدنيا والآخرة. 2- استرداد دولة العقل: لو حكَّم الناس عقولهم فيما يعرض عليهم من الأمور لما أقدم أحدٌ منهم على معصية, ولكنهم يحكِّمون أهوائهم؛ فيقعون في المحذور, ولمثل هؤلاء يقول الإمام ابن القيم: " لو خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له". وكأن هناك غزوًا قد تم على مملكة العقل, وكان العدو هو الهوى, ولا يمكن أن تنجح العملية التربوية في قومٍ لا يحكمون عقولهم فيما يعرض عليهم من فتن الدنيا. 3- التنقية الكاملة: يقول ابن القيم: " لا بد من تنقية لهذا القلب من الشبه والشكوك, والخيالات والتقديرات التي لا وجود لها, والعلوم التي لا تنفع, والمفاكهات والحكايات ونحوها فإذا امتلأ القلب بذلك جاءته حقائق القرآن والعلم الذي به كماله وسعادته فلن تجد فيه فراغًا لها ولا قبولًا فتعدته وجاوزته إلى محل سواه ". وحتى يظهر أثر العملية التربوية لا بد من تطهير لهذه المضغة من كل ما يخالف كلمات الوحي فإن هذه الكلمات لا تقبل الخلطة والذوبان بما يعارضها, ولا ترضى الاستقرار إلا في مكان طاهر يليق بقدسيتها. وعملية التنقية هذه عملية شاقة قد تأخذ أمدًا طويلاً من عمر الإنسان وهي بذاتها (المجاهدة) أو (التزكية) والتي يعقبها الفلاح _ بإذن الله _, ذلك لأنها معارك مع النفس والهوى والشيطان وزينة الدنيا, وجنود إبليس. وعلى مقدار الهمة والعزيمة والثبات يتم النصر وتنجح عملية التنقية وإلا فالهزيمة مؤكدة يعقبها الران ليغطي سائر القلب, فتعمى البصيرة, وتضطرب الموازين, فلا يعرف صاحب ذلك القلب معروفًا, ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرِب من هواه. 4- الاستقامة والثبات على الجادة: لابد أن تستمر عملية التنقية, ولا تتوقف حتى يتم تنظيف كامل للقلب, فإن التوقف والفتور يعطي فرصة للعدو القريب (النفس) للانقضاض, وتسديد سهام الهوى. وقد امتدح الله المستقيمين بقوله: " إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" [الأحقاف: 13] وقد أمر _تعالى_ نبيه بذلك, فقال: " فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ" [هود: 112]. وهكذا طبقها الصحابة _رضي الله عنهم_, وفهموها, يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب_رضي الله عنه_: " الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي, ولا تروغ روغان الثعلب". 5- الحذر من خاتمة الطريق: الحذر من خاتمة السوء ضروريٌ في العملية التربوية ليكون بمثابة الحافز المحرك. يقول البلالي في (واحات الإيمان): "لحظات الخاتمة هي التي أقضت مضاجع القوم, فحرمتهم النوم الهانئ والعيش الهادئ, ولم يغتروا بعبادتهم مع كثرتها, ولا بصلواتهم مع خشوعها, ولا كثرة ما أهلكوا من أموالهم في سبيل الله, ولا كثرة صيامهم في الهواجر, وقيامهم بالثلث الأخير من الليل, وهم يسمعون قول نبيهم_صلى الله عليه وسلم_: "إنما الأعمال بالخواتيم" فيزيدهم ذلك خوفًا من الله". يتبع... | |
|
| | رقم المشاركة : 3 (permalink) | |
| | طرق التربية: لن ينجح الإنسان في تربية نفسه, وسيرها على الجادة إلا عبر مجاهدة عاتيةٍ مع هذه النفس, يتبعها جهاد الهوى, والشيطان, والدنيا بكل ما تحمل من جاذبية, إذ يقول الله_تعالى_ في كتابه الكريم: " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا " [هود:69] وبعد هذه المجاهدة العاتية مع النفس, لن تظهر آثار العافية إلا بالصدق في الخلوات, والصدق في الجلوات, وصدق الإمام ابن الجوزي حين قال: "اصدق في باطنك؛ ترى ما تحب في ظاهرك". وهذه الطرق التي سأذكرها, طرقٌ سلكها الصالحون قبلنا, وما هي إلا خلاصة فهمهم للقرآن والسنة, ومدار هذه الطرق على تصفية القلب مما يشوبه من المضعّفات, والأدران. تأكيدًا لقول النبي_صلى الله عليه وسلم_: "ألا إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله, وإذا فسدت فسد الجسد كله, ألا وهي القلب" : 1- خوف الله, ونهي النفس: لا يمكن أن تكون للإنسان القدرة الزاجرة للنفس عن الهوى دون خوف من الله يدفعه لذلك " وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى{40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى" [النازعات: 40-41] يقول سيّد: "والذي يخاف مقامَ ربه لا يُقدِم على معصية, فإذا أقدم عليها بحكم ضعفه البشري قاده خوف هذا المقام الجليل إلى الندم والاستغفار والتوبة. فظلّ في دائرة الطاعة. ونَهيُ النفس عن الهوى هو نقطة الارتكاز في دائرة الطاعة ... وقَلَّ أن يُؤتى الإنسان إلا من قِبَل الهوى. فالجهل سهلٌ علاجه. ولكن الهوى بعد العلم هو آفة النفس التي تحتاج إلى جهادٍ شاقٍ طويلِ الأمدِ لعلاجها ". 2- تصبير النفس: يقول تعالى: " وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ" [الكهف: 28] تصبير النفس من أبرز طرق التربية إذ أن بمعاندة النفس, وتصبيرها عما ترغب من الهوى, وتضييع الأوقات, يكون الداء الناجع في ارتقائها حتى تصل إلى درجة النفس اللوامة, ثم المطمئنة. وكان بعض السلف يقول لنفسه: "والله ما أريد بمنعك من هذا الذي تحبين إلا الإشفاق عليك". هذا الإشفاق من عذاب الله هو أحد الدوافع التي دفعت جيل الصحابة, ثم التابعين لمكابدة هذه النفس, التي لا تحب أن تُمنع عما تحبه, وتهواه. 3- مكابدة النفس: يقول النبي _صلى الله عليه وسلم_: "حجبت الجنة بالمكاره, وحجبت النار بالشهوات" فكأن الجنة مغطاة بحجب متعددة, بسماكات مختلفة, وهذه الحجب من المكاره.. فلكل مصيبةٍ لون, ولكل ابتلاءٍ سماكة, ولا يمكن للمؤمن أن يصل إلى الجنة حتى يخترق هذه الحُجُب جميعها, وعملية الاختراق التي قد تستغرق الوقت الطويل هي ذاتها عملية (مكابدة النفس), ولا بد من الاستمرار في هذه العمليات دون كلل حتى لو استغرقت العمر كله. فمِمّا يرويه لنا الإمام الأوزاعي عن التابعي الجليل عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي قوله: "عالجت لساني عشرين سنة قبل أن يستقيم لي". وجاء في ترجمة التابعي مورق بن المشمرج العجلي قوله: "أَمرٌ أنا في طلبه منذ عشرين سنة, لم أقدر عليه, ولست بتاركٍ طلبه أبدًا. قالوا: وما هو يا أبا المعتمر؟ قال: الصمت عما لا يعنيني". إن هذه المكابدة لا تحبها النفس, ولا تتواءم معها, ولكننا ليس لدينا خيار إلا سلوك هذه الطريق إذا ما أردنا سلعة الله الغالية, ولن تواتينا هذه النفس إلا على كرهٍ شديد, ومكابدةٍ من نوعٍ خاص, وبحثٍ دقيق عن معوقات التزكية, والتي أبرزها شح النفس الذي حذر منه الله _تعالى_ في مواضع كثيرة من القرآن. 4- الوقاية من الشح: والشح من أبرز صفات النفس, وهو أن تقوم النفس بمنع صاحبها من كل ما يقربه لله _تعالى_ ويوصله للجنة. وفي المقابل فإنها لا تمنعه من الإنفاق على شهواته وهواه وما يباعده من الله, والقرب من ناره. وبهذا الفهم مضى جيل الصحابة_رضي الله عنهم_ في تربية أنفسهم, وهذا الفهم هو الذي نريد. يروي أبو الهياج الأسدي قوله: "رأيتُ رجلًا في الطواف يدعو: اللهم قني شح نفسي, لا يزيد على ذلك شيئًا فقلت له, فقال: إذا وقيت شح نفسي لم أسرق, ولم أزنِ, ولم أفعل. فإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف" 5- محاسبة النفس: ومحاسبة النفس أنواع: منها المحاسبة المتقطعة والتي تأتي بين فترات متباعدة, ومنها ما يعقب الخطأ الجسيم, ومنها المحاسبة الآنية, وهي أفضلها حيث يحاسب المرء نفسه على كل خطأ تقوم به, وهي النفس اللوامة التي أقسم الله بها. هذه المحاسبة لا يمكن أن تبدأ دونما الانتباه, واليقظة لتحركات هذه النفس, واتهامها مثل اتهام الآخرين, والبحث عن عيوبهم. وقد انتبه لهذا الزاهد العابد أبو سليمان الداراني, عندما سأله أحمد بن الجواري: "إن فلانًا وفلانًا لا يقعان على قلبي. قال: ولا على قلبي, ولكن لعلنا أُتينا من قلبي وقلبك فليس فينا خير , وليس نحب الصالحين!". ويأتي عابد الكوفة الإمام القدوة التابعي إبراهيم التيمي بطريقةٍ تختلف عمن كان قبله في المحاسبة, وذلك عن طريق التصور أو التمثيل للنفس, فيقول: "مثلتُ نفسي في الجنة آكل من ثمارها, وأشرب من أنهارها, وأعانق أبكارها. ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها, وأشرب من صديدها, وأعالج سلاسلها, وأغلالها, فقلت في نفسي: أي نفسي, أي شيءٍ تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحًا. قلت: فأنتِ في الأمنية فاعملي". هذا اللون من المحاسبة هو الذي جعل هذا التابعي الجليل يزيد في عبادته, وقرباته إلى الله حتى كان: "إذا سجد تجيء العصافير تنقر على ظهره كأنه جذم حائط". ومع كل هذه العبادة فهو على خوفٍ دائم, وفي محاسبةٍ مستمرةٍ لنفسه أن تكون أقواله غير مطابقةٍ لأعماله, حتى جعله ذلك يقول: "ما عرضت قولي على عملي إلا خفت أن أكون مكذبًا". بمثل هذه المحاسبة يستمر العمل ويزداد, وتحفظ النفس من الانحراف والانقلاب. يتبع... | |
|
| | رقم المشاركة : 4 (permalink) | |
| |
| |
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| قد أفلح من زكّاها |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
|
|
| RSS RSS 2.0 XML MAP HTML |