بالطبع سمعتم قبل ذلك عن الأسمنت! إنه ذلك المسحوق الرمادي الذي يتم خلطه مع الماء والرمل والحجارة ليصبح مادة رابطة شديدة القوة يتم بها الربط بين أسياخ الحديد في أي بناء لذلك لا نجد بناءً قويًا ومتماسكًا إلا ويدخل في تركيبه الأسمنت كمادة رابطة بين أجزائه وبعضها البعض.
هذا الكلام ينطبق أيضًا على البناء البشري، أي بناء الإنسان، فلا بد من وجود شيء يربط بين أجزاء الإنسان بعضها البعض، بين أجزائه العضلية والعصبية وبين مشاعره وأحاسيسه وأفكاره، وأنتي لا تجد إنسانًا على وجه الأرض إلا ويوجد شيء ما يحركه ويربط بين أفكاره وأفعاله ومشاعره وجسده فهذا يحركه حب المال وهذا يحركه حب النساء والآخر حب الجاه والسلطان وهكذا.... وكل هؤلاء الأشخاص نجد بينهم قاسمًا مشتركًا وهو عدم الشعور بالسعادة والراحة النفسية ولكن الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يربط بين جميع مكونات البناء البشري، ويحقق التوازن بينها كما يحقق أقصى استفادة ممكنة من إمكانيات الإنسان هو الدين!
قد تظنون أني أبالغ بعض الشيء ولكن حين تكملين القراءة معي ستعلمين أني على حق تعالي معي لنتكلم بتفصيل أكثر قليلاً ولأثبت لكي أن التزامك بدين الله عز وجل هو السبيل الوحيد لكي تتحكمي في مشاعرك وجسدك وأفكارك وتستخرجي منها الطاقات المخزونة وتستغليها أفضل استغلال في خدمة نفسك ومجتمعك:
فمثلاً في الجانب العضلي:
فأنتي لو التزمت بدين الله عز وجل ستجدين الكثير من الآيات والأحاديث والأمثلة التي تحث على أن يكون بنيان المسلم قويًا وصحته على خير ما يرام، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: 'المؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف' والقوة هنا قوة الإيمان والقوة الجسدية أيضًا التي تستغلها في خدمة دين الله، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: 'علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل' والله عز وجل يسألنا يوم القيامة عن عمرنا فيما أفنيناه وعن شبابنا فيما أبليناه وسيسألنا عن صحتنا هل حافظنا عليها أم لم نحافظ عليها لذلك عند التزامك بدين الله سيكون سعيكي في تقوية جسدك والحفاظ على صحتك أحد الطاعات التي تؤديها خلال يومك لو أخلصت فيها النية لله سبحانه وتعالى.
ولنا في صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل الأمثلة على ذلك فمثلاً كان عمر بن الخطاب قوي البنيان جدًا فيروي أنه عند إسلامه أخذ يقاتل المشركين من الظهر إلى المغرب وحده وهذا يدل على قوة بنيانه كما أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما كان يصفه أهل السير إذا سلم على شخص ما وضغط على يديه بقوة يشعر بالاختناق. والقعقاع بن عمرو الذي كان صوته في المعركة بألف رجل فما بالك به شخصيًا.
وأيضًا في الجانب العقلي: 'إضافة 'نور البصيرة'
نجد أن الشخص الملتزم بدين الله حقًا يسعى إلى تنمية قدراته العقلية وإلى الاهتمام بالتفكير السليم لخدمة دينه ومجتمعه وكيف لا والله عز وجل ذم القوم الذين لا يعقلون' كما أن الله عز وجل خص عباده العقلاء بفهم آياته الكونية فقال الله عز وجل: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل:12]. كما أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أنه كان عبقرية فذة وأنه كان دائم التفكير في قضايا الأمة فتارة يفكر في الرسائل التي يبعث بها في الملوك والسلاطين، وتارة يفكر في حماية الأمة من الأخطار الخارجية، وتارة يفكر في جهاد أعداء الله ونشر الإسلام في بقاع الأرض، وتارة يفكر في مشاكل الأمة الداخلية كما أنه كان بحث الصحابة على التفكير، ويمتدح صاحب العقل الراجح، فعن خالد بن الوليد أنه حين أسلم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: 'الحمد لله الذي هداك للإسلام فقد كنت أرى لك عقلاً رجوت ألا يسلمك إلا لغير' وأيضًا قد نجد بعض الملتزمين لا يحرصون على تنمية عقولهم وتفكيرهم، ولكن مع ذلك كفاهم نور الإيمان ونور البصيرة التي يقذفها الله تعالى في قلوبهم عند التزامهم بدين الله، فالله عز وجل يقول: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام:122].
وفي الجانب العاطفي أو الروحي:
نجد أن الشخص الملتزم حريص دائمًا على تزكية نفسه وروحه والسمو بمشاعره وأحاسيسه لكي يكون أهلاً لدخول جنة رب العالمين وقد مدح الله عز وجل من يعمل ذلك فقال: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا[7]فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا[8]قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس:7ـ9] بل وذم الله أيضًا الذين يهملون هذا الجانب الروحي في حياتهم فقال: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:9]. وأيضًا مدح الله في أكثر من موضع أصحاب القلوب الرقيقة التي تتأثر بكتاب الله عز وجل: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد:16] والمتأمل لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنه كان أرحم الناس وأعطفهم على المسلمين، فعنه تقول عائشة رضي الله عنها 'ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا' مما يدل على عطفه الشديد على أمته. وهكذا أخيتي هل تأكدت الآن من كلامي هل عرفت أن الالتزام بدين الله عز وجل هو السبيل الوحيد لكي تبني نفسك بنيانًا قويًا يحتمل الأزمات ويسير لخطى ثابتة نحو النجاح في الدنيا والآخرة
وأخيرًا أيها الغالية أنتي الآن تأكدت من أن الدين قادر أن يربط بين جميع مكوناتك ليحقق لك ما تريدين في الدنيا والآخرة، وعلمت أيضًا أن مكوناتك البشرية لا بد لها من رابط يربط بينها فاختاري لنفسك أي الروابط تشائين وأي البناء تريدين أن تبني نفسك واحذري من أن تدخلي تحت قول الله تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} [التوبة:109] فإما بناء على التقوى يصل إلى الجنان............
وإما بناء على غير ذلك ينهار بك والعياذ بالله في النيران................