فكيف لو تكلم ....أرأيتم الأم المربية حين تنتج جيلا مسلما ! رحمها الله رحمة واسعة و رضى عنها ...تحملت الفقر و ضحت بالشباب لتكون متفرغة لابنها النابغة , و لم تعش أرملة ميتة على أشلاء أمل قديم .
و كان أحمد وفيا لأمه , لدرجة أنه خشى أن تزعجها سيدة أخرى بأى منغصات, فلم يتزوج حتى توفيت , و هو فى الثلاثين من عمره .
كانت البداية بزرع الورد الذى لا يذبل
بالكتاب المقدس المكرم المطهر
فأعانته أمه المثالية على تعلم القرآن المكرم , تلاوة و حفظا , حتى لبسا تاج البهاء ... و وعى ابنها الذكر فى صدره و ختم القرءان حفظا ..
و فى الخامسة عشرة دخل حلقات العلماء ليشرب من نهر السنة العذب السلسبيل
فجلس فى مجالس الحديث الشريف
حتى سمع ما ببغداد كله !
فقرر أن يجوب الدنيا , و يركب البحر و يشرب الصبر ليجمع كل كلمة قالها الحبيب صلى الله عليه سلم , و يحققها ( سندا و متنا ) , فيتأكد من صدق ناقليها عدلا , و يسمعها بنفسه منهم بلا واسطة , فيعلو به النقل و التوثيق العلمى التاريخى , فلا يكون بينه و بين النبى صلى الله عليه وسلم إلا أقل عدد ممكن , كى لا تشوب النقل شوائب !
لا يهم الوقت
لا يهم الجهد
لا يهم التعب
لا يهم البرد
لا يهم المطر
فى سبيل الله نحيا
مع الحب نحلق
نشرب العلم نديا
قشعريرة السعادة فيها الدفء المطلوب ...
يرحل الشاب المجتهد المناضل في سبيل السنة الشريفة , حتى يذهب إلى شتى أركان دولة الخلافة الكبرى ...
إلى الشامات والسواحل ..
ومكة والمدينة
و باقى الحجاز واليمن
لفارس و خراسان
صعد الجبال , و وصل الأطراف , ثم زار الثغور فى مرمى العدو ..
كى لا يترك إرثا طاهرا عبقا , و لا رجلا فاضلا معه خير دون أن يلقاه و يدون و ينقح ..
جولة حول العالم من أجل الحق , و الحق وحده يا أحمد ...
للحق قمت , تعب اختيارى !
بقرار حر شجاع , ثم صمود لا يلين مع الريح ,
و لا تبدده الشهوات و التباريح , و لا يغرقه بحر الكسل الفسيح ....
شهد له الكل و كتب عنه الجميع
فلم يكن أسطورة و لا مبالغة , بل ترك أثرا ماديا , و خلف صحبا كراما زكوه فى كل مصر طاف به ...
من شيوخه الفضلاء :
ممن التقى بهم في الري الإمام عليّ بن مجاهد حيث رحل أحمد إليه عام 182 هـ، وهي أول سنة رحل فيها في طلب العلم ، وسمع من الإمام جرير بن عبد الحميد في الري أيضا , رحمهم الله جميعا .
ورحل إلى البصرة عام 186هـ في طلب الحديث ، وخرج إلى الكوفة في طلب الحديث
فأصابته حمى فعاد إلى بغداد.!
لا
لم يقرر الكف بسبب المرض , و قد تعلم من علمين فحق له أن يجلس ليفتى و يدرس فى المسجد و لا داعى لمزيد من السفر و الأمراض ... لا , بل نحتسب و نكمل المسيرة
طهور يا أحمد
طهور إن شاء الله ...
و قال أحمد بن حنبل :
دخلت عبدان سنة 186 هـ.
و دخلت البصرة خمس دخلات ! و ذلك ليسمع من محدثيها ، فلم تكن سفرة سياحة المعصية و لا تجارة دنيوية ...
و حضر فيضان دجلة الكبير عام 186 هـ في أيام الرشيد الذي اضطر الرشيد بسببه إلى النزول بأهله إلى السفن. ومنع والي بغداد ( السندى بن شاهك ) الناس من العبور إشفاقاً عليهم ( والى يخاف على الرعية ....! ) ، فأقام أحمد بن حنبل - تلك الفترة فقط - لا يستطيع الرحلة من أجل العلم ! لم يمنعه إلا الفيضان .... تلك هى الأعذار المقبولة يا أحباب .
* لقى أحمد الشافعي في أول رحلة , و فى أطهر بقعة , فى الحرم بمكة المكرمة ، و علم أحمد قدر الرجل , و تلقى عنه الفقه و هو معرفة الأحكام المفصلة لكل جزئية , و أصول الفقه و هى قواعد فهم الدليل و استنباط الحكم الشرعى , و كان أحمد ابن حنبل وفيا للشافعى رحمه الله , حتى روى عنه أنه مكث أربعين سنة ما بات ليلة إلا ويدعو فيها للشافعي.
و كان يقول
إنَّ الله يبعث على رأس كل أمَّة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها...
لقد أرسل الله تعالى عمر بن عبد العزيز على رأس المئة الثانية , وآمل أن يكون الشافعي على رأس المائة الثالثة.!
و رشحه الشافعي عند الرشيد لقضاء اليمن فأبى أحمد و قال له :
جئتُ إليك لأقتبس منك العلم
وكان ذلك في آخر أيام الرشيد.
ورشح الشافعيُّ الإمام ثانية لقضاء اليمن عند
الخليفة الأمين العباسي فأبى أحمد ، وكان ذلك عام 195 هـ.
فهو لا يريد منصبا و لا شيئا يشغله عن مهمة حفظ العلم و بثه ... و ليس لا هثا ليكون مستشارا له راتب ..