| | | | | | | | | |
| | |
لـك يـا شــام | |
| جـديدنا |
| |||||||
| ابحث في شبكة المسك الإسلامية |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع |
| | رقم المشاركة : 1 (permalink) | |
| | تفريغ المحاضرة الثانية عشر / تفسير سورة طه الدرس الثاني عشر ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له، واشهد ان لااله الا الله وان محمدا عبده ورسوله بلغ الامانة وادى الرسالة ونصح الامة وجاهد في الله حق جهاده ، اللهم صلى وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين أما بعد : فإن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وإن شر ألامور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً ﴿99﴾ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ وِزْراً ﴿100﴾ خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ حِمْلاً ﴿101﴾ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً ﴿102﴾ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً ﴿103﴾ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً ﴿104﴾ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ﴿105﴾ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً ﴿106﴾ لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلاَ أَمْتاً ﴿107﴾ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ﴿108﴾ يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ﴿109﴾ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴿110﴾ وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ﴿111﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً ﴿112﴾ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ﴿113﴾ فَتَعَالَى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً ﴿114﴾﴾ [طه: 99- 114]. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: مشيرا إلى العبرة من قصص الأولين كما قَصَصْنَا عليك خبر موسى، وما جرى له مع فرعون وجنوده , وهذه الجملة يسميها البلغاء: حسن تَخَلُص، ينتقل به المتكلم من غرض إلى غرض يعني: من موضوع إلى موضوع. بعد أن ذكرالله سبحانه وتعالى قصة موسى -عليه السلام- - يتوعد هذه الأمة والكافرين منها على وجه الخصوص بالدار الآخرة وما فيها من أهوال عظام وأحداث جسام وما فيها من عذاب وجحيم ومقابله كذلك النعيم المقيم. ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ أي: بهذه الطريقة الموجزة البليغة العظيمة بهذه الطريقة الحسنة الحقة التي لا زيف فيها ولا تغيير للحقائق ولا مبالغة نقص عليك الأخبار الماضية كما وقعت من غير زيادة ولا نقص, والخطاب هنا للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- ولنا من بعده أي كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى مع فرعون وما فيه من الأنباء الغريبة، كذلك نقص عليك أخبار الأمم المتقدمين ﴿مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ من أحوال الأمم الماضية, من الأخبار المهمة فالنبأ هو الخبر المهم. والقص يقصد به: الحكاية وهو من قصّ الأثر وتتبعه فتتبع الله تعالى- آثار موسى لأنه كان في الزمان سابقاً على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ومن فوائد ما قصه الله - تعالى - عليه من أنباء السابقين : 1- زيادة علمه - صلى الله عليه وسلم . 2- وتكثير معجزاته ، وتثبيت فؤاده . 3- وتسليته عما أصابه من سفهاء قومه . 4- وتذكير المؤمنين بأحوال تلك الأمم السابقة ليعتبروا ويتعظوا . ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْر﴾ تنويه وتعظيم لشأن القرآن الكريم . أى : وقد أعطيناك ومنحناك من عندنا ( ذِكْراً ) عظيما . شرفاً وهو القرآن . والقرآن شرف عظيم للنبي -صلى الله عليه وسلم. القرآن الكريم الذي (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ )، الذي لم يعط نبي من الأنبياء منذ بعثوا إلى أن ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم تسليما، كتابًا مثله ولا أكمل منه، ولا أجمع لخبر ما سبق وخبر ما هو كائن، وحكم الفصل بين الناس منه. كما آتينا موسى التوراة ﴿آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنّاَ﴾ أي: من عندنا، ﴿ذِكْر﴾ هو القرآن. ( وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ) . قال الفخر الرازى : وفى تسمية القرآن بالذكر وجوه : أحدها: أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم . وثانيها : أنه يذكر أنواع آلاء الله ونعمائه على الناس ، ففيه التذكير والوعظ . وثالثها : أنه فيه الذكر والشرف لك ولقومك ، كما قال - سبحانه - ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ). قال الله – تعالى- للنبي -عليه الصلاة والسلام- ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]، أي: قدرك وشأنك فكان أشرف الخلق -صلى الله عليه وسلم- قال أبو حيّان: امتن الله تعالى عليه بإِيتائه الذكر المشتمل على القصص والأخبار، الدال على معجزات أُوتيها عليه السلام . و كلمة "ذكر" تدل على التذكير من نسيان، والقرآن يذكرنا بما فطرنا الله عليه من فطرة سليمة وأخلاق قويمة وعقيدة صحيحة، أن هذا الكون لا يكون له إله إلا الله -سبحانه وتعالى- ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: 84]، هو المعبود في السماوات وفي الأرض -سبحانه وتعالى- و القرآن أحسن الحديث وأحسن ما أنزل الله -سبحانه وتعالى الذي قال فيه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: 23]، وشرف لمن قرأه وشرف لمن حمله وحفظه وعرف ما فيه وعمل بما فيه؟! نسأل الله أن يرزقنا شرف حفظ كتابه وتلاوته وتدبره والأيمان بمتشابه والعمل بمحكمه آمين. كلمة: ذكرًا هنا نكرة وليست معرفة والتنكير في اللغة إما للتعظيم وإما للتحقير أو لأغراض أخرى. السياق هو الذي يحدد فالله -عز وجل- يمتن على النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم علينا بأنه أنزل إلينا أو علينا من لدنه ذكرًا عظيماً، فالتنكير هنا للتعظيم، لتعظيم شأن القرآن ولرفع قدره , وإشارة إلى أن الكافرين المعرضين قد أعرضوا عن شيء عظيم، وتنازلوا عن شرف كريم، يرتفعون به ويرتقون به فوق رؤوس الخلائق في الدنيا والآخرة ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 26] ولهذا قال الله –تعالى- ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً ﴿99﴾ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ وِزْراً ﴿100﴾﴾ نلاحظ هنا أن الكلام عن القرآن متصل ففي بداية السورة قال تعالى : ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ثم فصل لنا قصة وموسى ثم اتصل الحديث عن القرآن فقال سبحانه مبينا سوء عاقبة من يعرض عن هداية هذا القرآن فقال : ( مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القيامة وِزْراً خَالِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ القيامة حِمْلاً ) . أي: من أعرض عن هذا الذكر وعن هذا القرآن وعن العمل به فلم يؤمن به ولم يتَّبع ما فيه، فإِنه يحمل يوم القيامة حملاً ثقيلاً، وذنباً عظيماً يثقله في جهنم ,والوزر فى الأصل يطلق على الحمل الثقيل ، وعلى الإثم والذنب ، والمراد به هنا العقوبة الثقيلة الأليمة المترتبة على تلك الأثقال والآثام . وشُبِّه الوزرُ بالحمل لثقله ,فمن كذب به وأعرض عن اتباعه ، وابتغى الهدى في غيره، فإن الله يضله ويهديه إلى سواء الجحيم قال تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ) وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم، أهل الكتاب وغيرهم، كما قال تعالى: (لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)[الأنعام: 19] . فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه هدي، ومن خالفه وأعرض عنه ضَلَّ وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة؛ ولهذا قال تعالى: ( مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ ) أي: لا مَحِيد لهم عنه ولا انفكاك مقيمين في ذلك العذاب بأوزارهم، فلن يخرجوا من ذلك ولن ينفكوا عن ذلك سيظلون حاملين لأوزارهم لن يغفرها الله لهم ولن يزكيهم الله – تعالى- من ذنوبهم ولن يطهرهم ولن يخلصهم منها طالما ماتوا على ذلك، ( وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا ) أي: بئس الحمل ذلك الحمل الثقيل حملهم. وقد أخبرنا القرآن فى كثير من آياته ، أن الكافرين يأتون يوم القيامة وهم يحملون أوزارهم ، أى : أثقال ذنوبهم على ظهورهم ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ) فمن أعرض عن هذا الذكر وهو القرآن الكريم فإنه بسبب هذا الإعراض والترك ، يحمل يوم القيامة على ظهره آثاما كثيرة : تؤدى إلى العقوبة المهينة من الله - تعالى - . ﴿خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ حِمْلا﴾ يحمل المجرمون أوزارهم على ظهورهم وبئس ما حملوا على أنفسهم من الإثم بسبب إعراضهم عن هداية القرآن الكريم . ﴿أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: 31]، وساء حمله أي إنهم يحملون حملاً سيئاً قبيحًا لا يحسن حمله والحِمل بكسر الحاء: ما كان فوق الظهر، ظهر الإنسان يقال له: حِمل بكسر الحاء وما كان في البطن فيقال له: حَمل كحمل المرأة وحمل الأنثى عمومًا. والله- تعالى- توعد بهذا في أكثر من آية كما قال -سبحانه وتعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: 121]، وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِياًّ لِّتُنذِرُ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: 7]، فريق في الجنة هم الذين آمنوا بالقرآن وعملوا به وفريق في السعير هم المعرضون عنه. ثم ذكر الله بعض أهوال يوم القيامة فقال -سبحانه وتعالى- ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ أي: سيحملون أوزارهم يوم ينفخ في الصور، ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه سماه قرناً، فقال: (قرن ينفخ فيه، أو ينفخ فيه المَلَك) . ذكر الإمام ابن كثير -رحمه الله تعالى- عن ابن عباس -رضي الله عنهما - أن أعرابيًا سأل ما الصور؟ فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: قرن ينفخ فيه) فسماه قرنًا لعله لشبهه بقرن الحيوان فهو من ناحية مدبب ومن جهة أخرى واسع.وجاء في الحديث: "كيف أنعَمُ وصاحب القَرْن قد التقم القَرْن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له"فقالوا: يا رسول الله، كيف نقول؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا" . كان بعض الصحابة -رضي الله عنهم- يتمنون للنبي -عليه الصلاة والسلام- أن يتنعم في الدنيا .كان صلى الله عليه وسلم في ملابسه البسيطة في منامه البسيط . والملوك في الدنيا يأكلون ويشربون ويلبسون فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يعلمهم أن المسألة ليست للدنيا إنما نحن نعيش في الدنيا من أجل الآخرة، ويعظهم من خلال جوابه فقال لهم: ( كيف أنعم؟) أي: كيف أتنعم بالدنيا والدنيا صارت قصيرة لا طول فيها ولا بقاء فيها؟ (وصاحب القرن) وهو الملك الذي ينفخ فيه ( قد التقم القرن) أي: وضعه في فمه، لينفخ فيه، (وحنى جبهته) استعداداً للنفخ، يعني: ينتظر أن يأذن الله له لينفخ في الصور، إذن: الأمر قريب جداً وإن قاله النبي -عليه الصلاة والسلام- من ألف وأربعمائة عام, فإنه ما مرَّ عليه إلى الآن إلا يوم وأقل من نصف اليوم، يعني: بميزان الله –تعالى- ومقياسه في الزمان ,لقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47]، فمقياس الزمان عند الله، اليوم بألف يوم عندنا، فالمسألة عندنا طويلة كما نراها لكنها عند الله قصيرة .﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ وهما نفختان يأمر الله الملك وذكر أنه إسرافيل -عليه السلام- ينفخ نفخة أولى فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، كما قال تعالى: ( وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ). [الزمر: 68]، وتسمى بنفخة البعث، إذن: نفخة الصعق هذه في آخر الدنيا ونفخة البعث هذه بعد حياة البرزخ وعند أول القيامة الكبرى، وهي التي تناولتها الآيات التي معنا بقوله تعالى ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقا﴾، يوم ينفخ إسرافيل فى الصور النفخة الثانية ، ونحشر المجرمين يومئذ ونجمعهم للحساب حالة كونهم زرق العيون من شدة الهول ، أو حالة كونهم " زرقا " أى : عميا ، لأن العين إذا ذهب ضوؤها أزرق ناظرها . أو " زرقا " معناه : عطاشا ، لأن العطش الشديد يغير سواد العين فيجعله كالأزرق .- : قال القرطبي: تُشوه خلقتُهم بزرقة العيون وسواد الوجوه. يحشر الله – تعالى- العباد في أرض المحشر وفي موقف الحشر كلٌّ على هيئة تدل على عمله الذي كان عليه في الدنيا فيعرف الناس بعضهم بعضاً من خلال علامات معينة، ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ ولا مجال للسؤال فكلٌّ يعلمه الله -تعالى- بعلامه ويجعله في جماعة, علامتهم تدل على أعمالهم وعلى صلاحهم ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيما﴾ [المعارج: 10]، ﴿لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ﴾ [الرحمن: 41]، ولكن عند الميزان وعند أخذ الصحف وعند العرض على الله - تبارك وتعالى- وذلك بعد الحشر لابد من السؤال, فيسأل الله جميع الخلق حتى يسأل الرسل -عليهم الصلاة والسلام- ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 6]، فالمجرمون وهم الكافرون بالقرآن يحشرون يوم القيامة على هيئة تدل عليهم، وأنهم زرق العيون وقيل: زرق الجلود وجوههم فيها زُرقة، وذلك من شدة الهول والخوف والفزع ﴿وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً ﴿102﴾ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ ﴿103﴾ أي إن هؤلاء المجرمين يتهامسون فيما بينهم فى هذا اليوم العصيب يتكلم بعضهم مع بعض خفية بسرٍ وبصوت منخفض من الخوف من الله -عز وجل- فلا يرفعون أصواتهم إنما يتهامسون فيما بينهم ويتخافتون ، قائلين ما لبثم فى قبوركم إلا عشرا من الليالى أو الأيام . . قال ابن عباس: يتسارّون بينهم، أي: يقول بعضهم لبعض: ( إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا ) أي: في الدار الدنيا، لقد كان لبثكم فيها قليلا عشرة أيام أو نحوها . ما لبثنا في الدنيا و لا قضينا فيها إلا عشرة أيام تقريبًا، ومقصدهم من هذا القول : استقصار المدة ، وسرعة انقضائها ، والندم على ما كانوا يزعمونه من أنه لا بعث ولا حساب ، بعد أن تبين لهم أن البعث حق ، وأن الحساب حق ، وأن الأمر على عكس ما كانوا يتوهمون ويقول أحسنهم حساباً ويقال: أعقلهم وكلهم قد حرموا من العقل كما جاء على لسانهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]، ولكن أحسنهم حالاً يقول: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْما﴾ أي لقصر مدة الدنيا في أنفسهم ليوم المعاد؛ لأن الدنيا كُلَّها وإن تكررت أوقاتها وتعاقبت لياليها وأيامها وساعاتها كأنها يوم واحد؛ ولهذا تستقصر مدة الحياة الدنيا يوم القيامة: وكان غرضهم في ذلك درء قيام الحجة عليهم، لقصر المدة؛ ولهذا قال تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) فلم يحسنوا الحساب ولم يعرفوا كم لبثوا في قبورهم وذكرالمفسرون كابن كثير وغيره- رحمهم الله تعالى- إلى أنهم يقولون هذا على سبيل الاعتذار عن أنفسهم أي: ما مكثنا في الدنيا إلا فترة قليلة لم تكفِ للإيمان ولم تكفِ للعمل الصالح ولم تكفِ للاستعداد ليوم القيامة, فاجأتنا الدنيا وانتهت منا بسرعة فلم نلبث فيها إلا أياماً قليلة، فيرون الدنيا كأنها أياماً بل ورد في آيات أخرى أن بعضهم يرى الدنيا يوم القيامة وكأنها كانت ساعة من ليل أو نهار ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَ﴾ [النازعات: 46]، قيل: لم يلبثوا في الدنيا وقيل: لم يلبثوا في القبر ﴿إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهاَ﴾ أي: لم يمكثوا في الدنيا إلا ساعة أو ساعات في يوم أو أيامًا عشرة فهذا كأنهم يستقلون عمر الدنيا وأنه ما كان كافيًا لتحصيل أسباب النجاة والفوز بالجنة. وقال تعالى: (كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[المؤمنون: 112-114] أي: إنما كان لُبثكم فيها قليلا لو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني، ولكن تصرفتم فأسأتم التصرف، قَدَّمتُم الحاضر الفاني على الدائم الباقي. قال أبو السعود: استقصروا مدة لبثهم فيها لما عاينوا الشدائد والأهوال, والله -تعالى- يرد عليهم في آيات كثيرة منها: ﴿أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ [فاطر: 37]، أو لم نعمركم؟ أي: لقد عمرناكم في الدنيا عمرًا تذكر فيه من تذكر وآمن فيه من آمن وحصّل فيه من حصّل فكان فيه أنبياء بلغوا أعلى المراتب وكان فيه شهداء لحقوا الأنبياء وتابعوهم وكان هناك صالحون عملوا لآخرتهم وفازوا بالجنة فلماذا لم تكفكم الدنيا وقد كفت أمثالكم وأشباهكم من البشرية؟ فهذا رد عليهم، ﴿أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ لأنهم لما رأوا الدنيا في نظرهم كانت قليلة وسريعة ومرت على عجل يتمنون الرجعة مرة أخرى ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنين: 107]، ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ ﴿99﴾ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴿100﴾﴾ [المؤمنين: 99، 100]، وهكذا يتمنون العودة إلى الدنيا لِيُصلحوا ما أفسدوا ولكن الله يرد عليهم بالرفض لطلبهم وبالقطع لأملهم (كَلَّا إِنَّهَاكَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَاوَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىيَوْمِ يُبْعَثُونَ). ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ ربنا -سبحانه وتعالى- يلفت النظر هنا إلى شيء مهم أو إلى شيء عارض لكن قد يُتَّصور للبعض: طالما أنهم يتخافتون بينهم بالقول ويسرون بينهم بالكلام فربما لا يعلم الله ولا يحس بكلامهم؛ فنبه الله إلى أن كلامهم يبلغه ويعلمه ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ نحن أعلم بما يقولون فيما بينهم ، لا يخفى علينا شىء مما يتخافتون به من شأن مدة لبثهم فى قبورهم أو فى الدنيا نحن أعلم بما يتناجون بينهم إِذ يقول أعقلهم وأعدلهم قولاً ما لبثتم إِلا يوماً واحداً. ما لبثتم فى قبوركم إلا زمنا قليلا . ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفا﴾ [طه: 105]، ثم بين - سبحانه - أحوال الجبال وأحوال الناس يوم القيامة فقال - تعالى - : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ . . . ) . أي: هل تبقى يوم القيامة أو تزول؟ نبه المفسرون- من ناحية اللغة- إلى أن هذا السؤال لم يكن قد وقع حين أنزل الله هذه الآية فكان الكلام على تقدير: إن يسألوك عن الجبال فقل لهم: كذا, يعني: لو سألوك فقل. ولذلك جاءت كلمة: قل هنا مقدمة بحرف الفاء، ﴿ فَقُلْ ﴾، وكل نظائرها في القرآن لم يكن فيها الفاء كلها "قل" ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 219]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 220]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222]، كلها بـ" قل" إلا هذه الوحيدة في سورة طه، وفي القرآن كله هي التي سبقتها الفاء وذلك إشارة لغوية إلى أن السؤال لم يقع إلا بعد أن نزلت الآية , أي ويسألونك عن حال الجبال يوم القيامة فقل لهم: إِن ربي يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييرًا. يفتِّتها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فيطيرّها . السائلون عن أحوال الجبال يوم القيامة كفار مكة ، روي أنهم قالوا للرسول - صلى الله عليه وسلم - على سبيل الاستهزاء ، يا محمد إنك تدعى أن هذه الدنيا تفنى ، وأننا نبعث بعد الموت ، فأين تكون هذه الجبال ، فنزل قوله - تعالى - : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ) . وقيل : السائلون هم المؤمنون على سبيل طلب المعرفة والفهم . وروي: (أن رجلاً من ثقيف أي من الطائف سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الجبال) أي: إذا كنا نحن سنحيا بعد ذلك، وتعود إلينا الحياة ونبعث من جديد أهذه الجبال أيضًا تتهدم وتكون من جديد أم تبقى كما هي ولا يصيبها شيء؟ وذلك من استبعادهم ليوم القيامة عمومًا فاستنكروا أن تعود الأجساد البشرية بعد أن صارت ترابًا ورفاتًا وعظامًا نخرة، أن تعود مرة أخرى حية فيها حركة ولها حياة، وتسأل وتحاسب وتنعم بجنة أو تعذب بنار أنكروا ذلك، استعظموا أيضًا يوم القيامة من ناحية الجبال ماذا يكون من شأن الجبال ومن أمرها؟ فالله- تعالى- علمهم ذلك وأعطى للنبي -عليه الصلاة والسلام- الجواب تحصينًا له قبل أن يرد عليه السؤال، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفا﴾ ويسألك - أيها الرسول الكريم - بعض الناس عن أحوال الجبال يوم القيامة ، فقل لهم : ينسفها ربى نسفا ، بأن يقلعها من أصولها ، ثم يجعلها كالرمل المتناثر ، أو كالصوف المنفوش الذى تفرقه الرياح . والفاء فى قوله : ( فَقُلْ ) للمسارعة إلى إزالة ما فى ذهن السائل من توهم أن الجبال قد تبقى يوم القيامة . ﴿يَنسِفُهَا﴾ النسف بمعنى القلع . يقال : نسفت الريح التراب نسفا إذا اقتلعته وفرقته وهو تفتيت الشيء وذَرُّه في الهواء بعد أن كان شيئاً متماسكًا صار شيئاً خفيفاً كالرماد أو كالتراب ثم ذرّ في الهواء، لتبعثره الرياح كما قال الله -تعالى- عن إله السامري: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليَمِّ نَسْف﴾ واستعمال الكلمات الواحدة في مقامين هكذا مرة في قصة موسى ومرة هنا عن الجبال هذا من ألوان الجمال في التعبير وفي الكلام ,﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفا﴾ هذه الجبال الضخمة الهائلة . يشيرالله جلا وعلا إلى قدرته على الجبال ليعلم الإنسان قوته وكيف يحدث له بجوار هذه الجبال، وقد ذكر الله في قصة موسى في سورة الأعراف حينما ذهب إلى ميقات ربه وكلمه ربه ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ﴾ ، فالجبل رمز للقوة في نظر الإنسان ومن هنا يشير الله -تعالى- إلى ما سَيُحدث بالجبال يوم القيامة ﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي﴾ ويؤكد الفعل بقوله: ﴿نَسْفا﴾، لا يبقي منها شيئًا ( فَيَذَرُهاَ﴾ أي: فيترك الجبال مع الأرض ﴿ فَيَذَرُهَا قَاعا﴾ القاع: هي الأرض المستوية السهلة وهو المنكشف من الأرض دون أن يكون عليه نبات أو بناء والصفصف : الأرض المستوية الملساء حتى لكأن أجزاءها صف واحد من كل جهة . اى : فيتركها بعد النسف أرضا منكشفة متساوية ملساء ، لا نبات فيها ولا بناء . ﴿لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجا﴾ أي: حفرة أو منخفض ﴿وَلاَ أَمْتا﴾ أي لا ترى فيها انخفاضاً ولا ارتفاعاً ليس فيها مكان مرتفع ولا مكان منخفض كلها أرض ملساء. والضمير فى قوله ( فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً ) يعود إلى الجبال باعتبار أجزائها السفلى الباقية بعد النسف ، ويصح أن يعود إلى الأرض المدلول عليها بقرينة الحال ، لأنها هى الباقية بعد قلع الجبال ... قال ابن عباس كما ذكر ابن كثير -رحمه الله- ﴿لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلاَ أَمْتاً ﴾ يعني: وادياً ولا رابية، الوادي نازل والرابية صاعدة مرتفع إلى أعلى لا ترى فيها هذا ولا هذا إنما هي أرض مستوية سهلة لا منخفض فيها ولا مرتفع عليها وبالتالي فلا يخفى عليها شيء ولا يغيب فيها ولا وراء مرتفعاتها شيء , فالإنسان قد يختفي في الدنيا وراء الجبل أو في الحفرة كما في الخندق في الحرب وما إلى ذلك ولكن يوم القيامة لا منخفض ولا مرتفع، إنما الأرض كلها قاع صفصف ﴿فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً ﴿106﴾ لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلاَ أَمْتاً ﴿107﴾﴾ في ذلك اليوم بعد أن ذكر الله أرض المحشر الكل يحشر إلى الله - تعالى- في هذه الأرض وهي الأرض التي قال عنها الله -تعالى- ﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: 14]، الساهرة يعني: الأرض المستوية وجهها مستوٍ فلا يختفي عليها شيء يظهر كل ما فوقها، وذكر الله في آيات آخرى عن دك الجبال ونسفها أنها تحمل مع الأرض ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: 14]، والدك: هو الدق من أعلى، فتتداخل الجبال وتطحن على الأرض وبالتالي فلا بقاء لها وفي خلال هذا تكون كما قال تعالى: ﴿كَالْعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: 5]، ﴿كَثِيباً مَّهِيلا﴾ [المزمل: 14]، يعني: ترابًا هائلاً من أعلى حين تتهدم يسقط ترابها بصورة كثيفة وشديدة، وتكون ﴿كَالْعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ كالصوف المنفوش، فلا قوة فيها كما كان في الدنيا، هذه تدك وتنسف حتى تصير الأرض كلها مستوية وهي أرض المحشر وبالتالي يساق الناس إليها ليحشروا فيها تمهيداً للعرض على الله -سبحانه وتعالى-: ثم بين - سبحانه - أحوال الناس يوم القيامة فقال : ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي: يوم يرون هذه الأحوال والأهوال، يستجيبون مسارعين إلى الداعي، كما قال تعالى في سورة القمر: (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ) فى هذا اليوم الذى تنسف فيه الجبال ، وتصير الأرض قاعا صفصفا يقوم الناس من قبورهم ، ويتبعون من يناديهم للحساب والجزاء دون أن يحيدوا عن هذا المنادى ، أو أن يملكوا مخالفته أو عصيانه ، بل الجميع يسمع دعاءه ويستجيب لأمره . . كما قال - تعالى - : ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الداع إلى شَيْءٍ نُّكُرٍ خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُّهْطِعِينَ إِلَى الداع يَقُولُ الكافرون هذا يَوْمٌ عَسِرٌ ) . قال محمد بن كعب القُرَظِي: يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة، وتطوي السماء، وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد، فيتبع الناس الصوت فيأتونه فذلك قوله: ( يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ ) . ( لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ يعني: لا يميلون عنه لا يتعوجون عن طريقه، ولا يخالفون دعوته ولا أمره إنما يتبعونه في التزام وامتثال دون اعتراض وكأن من لم يتبع الداعي في الدنيا يتبعه في الآخرة رغماً عنه، في الدنيا يتبعه باختياره وأما في الآخرة فيتبعه رغماً عنه دون إرادة منه،, المؤمن في الدنيا يذهب إلى الله ويتبع الداعي باختياره فيتبعه يوم القيامة أيضا مختارًا مكرماً معززاً. الكافرون تعلوهم المهانة بهذا السوق وبهذه التبعية. والمراد بالداعى : الملك الذى يدعوهم إلى المثول للحساب يدعو الناس إلى البعث ليقوموا إلى الله. قيل : يناديهم بقوله : أيتها العظام البالية ، والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة , قومى إلى ربك للحساب والجزاء ، فيسمعون الصوت ويتبعونه . فلا يتخلف ولا يتأخر أحد, الكل يجيب. وقيل: الداعي هو رسول كل أمة يكلفه الله -تعالى- أن يدعو أمته ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: 71]، فكل رسول ينادي على أمته وحينها لا يملك أحد أن يخالف ولا أن يتأخر, وكم ناداهم رسولهم في الدنيا ﴿فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه: 90]، ولكنهم يعصون ويخالفون هديه ويحاربونه ويناصبونه العداء, يأتي عليهم يوم القيامة ذلك اليوم الحق فيتبعون الداعي لا عوج له كما كانوا يتعوجون في الدنيا بالنفاق فيجلسون أمام النبي -عليه الصلاة والسلام- مظهرين الإسلام ومبطنين الكُفر في قلوبهم فهم على عوج. وكما كان الكافرون يعوجون عن الطريق المستقيم إلى طريق الضلال والكفر والعناد فيوم القيامة لا عوج لهم أبداً عن أمر من يدعوهم إن كان ملكاً أو رسولهم الذي جاءهم في الدنيا ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُوَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ) والمراد به سعي الناس إلى المحشر، وهو مشيهم في سكون وخضوع أى إذا دخلوا أرض المحشر شعروا بمهابة الله -تبارك وتعالى- وهيبته وجلاله وخفتت وسكنت وذلَّت الأصوات كلها هيبة وخوفا من الرحمن - عز وجل - فلا تسمع فى هذا اليوم الهائل الشديد ( إِلاَّ هَمْساً ) أى : إلا صوتا خفيا خافتا . الهمس: هو الصوت الخفي، قيل: هو وقع أقدامهم على الأرض ملبين الداعي إلى أرض المحشر, صوت القدم على الأرض من المشي هذا هو المقصود بالهمس ويقال للأسد : الهموس ، لخفاء وطئه. وقيل: هو الكلام الخفي في بعض الأحوال يقال : همس الكلام يهمسه همسا ، إذا أخفاه قال تعالى: (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ )[هود، وعن ابن عباس: هو همسُ الأقدام في مشيها نحو المحشر. يتبع | |
|
| | رقم المشاركة : 2 (permalink) | |
| | يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا (109) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا (112) ). وبعد أن حشر الناس أُذن بالحساب والعرض على الله -تبارك وتعالى- وانصرف الناس من هذا الموقف العصيب الذي ذكر فيه أنه تدنو فيه الشمس من رؤوس الخلائق حتى لا يكون بينها وبين رؤوسهم إلا قدر الميل وقالوا: الميل هو العود الذي تكتحل به المرأة فتكون قريبة جداً حارقة ولذلك يكثر العرق ويبلغ من الناس مبالغ شتى فمن الناس من يبلغ العرق إلى قدميه ومنهم من يبلغ العرق ركبتيه ومنهم من يبلغ العرق إلى حقويه أي إلى وسطه ومن الناس من يبلغ العرق صدره ومنهم من يبلغ عنقه ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا, وكل يأتيه العرق إلى مبلغ معين وإلى مكان معين حسبما كان العمل في الدنيا . في ذلك الموقف يتمنى الخلق الانصراف منه ولو إلى النار، من شدته ظناً أن النار أهون من ذلك. والانصراف من هذا الموقف فيه كرامة وتشريف لنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- إذ يذهب الناس إلى الأنبياء يسألونهم أن يخفف الله عنهم أو أن يصرفهم من هذا المقام فكل من الأنبياء يقول: نفسي نفسي اذهبوا إلى فلان اذهبوا إلى فلان ويحيل كل واحد منهم إلى الآخر، حتى تصل الإحالة إلى رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- فإذا به ساجد تحت عرش الرحمن ينادي ويناجي ربه -سبحانه وتعالى- فيقول الله له: يا محمد ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع, فيطلب من الله –تعالى- أن يرحم الخلائق والعبيد, فيأذن الله –تعالى- بالعرض والحساب ويصرف الناس من هذا الموقف بالشفاعة العظمى لرسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي تشمل شفاعته في ذلك المقام كل الأمم، وكل الخليقة، فلا يشفع لأمته فقط، ولكن تعم شفاعته في ذلك المقام كل الناس. يبدأ الناس في العرض على الله -عز وجل- ويذكر الله- تعالى- هنا موقفاً من مواقف القيامة وذلك حيث نجى من نجى إلى الجنة ووقف من وقف قبل الجنة على الأعراف وسقط من سقط في النار من الكفار المخلدين ومن المؤمنين العاصين إلى حين، ثم يخرجهم الله –تعالى- وتبقى رحمة الله –تعالى- بالمؤمنين العصاة يقضون في النار ما شاء الله لهم أن يقضوا ثم يخرجهم الله –تعالى- بالشفاعات يشفع النبي -صلى الله عليه وسلم- وتشفع الملائكة ويشفع الأنبياء ويشفع الولد لوالده ويشفع الوالد لولده والصاحب لصاحبه وهكذا والزوجان والأخوان في الله, كل يشفع لكن لا شفاعة تقبل إلا لمن أذن الله له ورضي له قولاً ولابد أن يقول حقاً بهذا يأذن الله –تعالى- بالشفاعة لمن شاء وفي الحديث الذي رواه الإمام البخاري ومسلم- رحمهما الله تعالى- عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (آتي تحت العرش وأخر لله ساجداً، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن فيدعني ما شاء الله أن يدعني) أي: يتركني ساجداً أحمده وأقدسه- سبحانه وتعالى- ( فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع قال -عليه الصلاة والسلام-: فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة) يعني: يعلم له بعض الناس لك هؤلاء، فيخرجون من النار إلى الجنة، يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ثم أعود) أي: يعود ليسجد تحت العرش ويحدث مثلما حدث أربع مرات ,وقال الله- تعالى-: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَـاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: 26]، وفى الحديث : يقول - تعالى - : " أخرجوا من النار من كان قلبه مثقال حبة من إيمان فيخرجون خلقا كثيرا ، ثم يقول - سبحانه - : أخرجوا من النار من كان فى قلبه نصف مثقال من إيمان ، أخرجوا من النار من كان فى قلبه ما يزن ذرة ، من كان فى قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان " . إذن: الملائكة لها شفاعة وحامل القرآن يشفع أو يتشفع في عشرة من أهله وهكذا , من هذا نستفيد أن الشفاعة ثابتة وكائنة وحاصلة إلا أنها لا تكون إلا من بعد إذن الله؛: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ أى : فى هذا اليوم الرهيب الذى تخشع فيه الأصوات لا تنفع الشفاعة أحدا كائنا من كان ، إلا شفاعة من أذن له الرحمن فى أن يشفع له ( وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ) أى : ورضى - سبحانه - قول الشافع فيمن يشفع له . قال الإمام ابن كثير : وهذه الآية كقوله - تعالى - : ( مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) وكقوله : ( وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السماوات لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَآءُ ويرضى ) وكقوله : ( وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى ) ولا يشفع الا لأهل التوحيد لمن كان في الدنيا من أهل لا إِله إِلا الله، والله عليم بأحوال العباد ومن يستحق الشفاعة ومن لا يستحقها , فالشفاعة ثابتة ولكن لا تكون إلا من بعد إذن الله مهما كان الشافع نبيًا أو ملكاً أو صالحًا أو غير ذلك فإنه لا شفاعة له إلا من بعد أن يأذن الله -سبحانه وتعالى-. ولا توجد آية في القرآن تدل على نفي الشفاعة نفياً مطلقاً ولا حديث في السنة ينفي الشفاعة مطلقاً , بعض الطوائف ينكرون الشفاعة أصلا ويستدلون بقوله تعالى (﴿ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴿100﴾وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ فالنفي هنا في حق من لا يستحق الشفاعة على لسان الكافرين: ﴿ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴿100﴾وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾[الشعراء ,هؤلاء هم الكفار فنفيت الشفاعة عنهم لكنها ثابتة لعصاة المؤمنين في النار فيخرجون بها من النار إلى الجنة من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى . ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) هنا بيان لشمول علمه سبحانه - لكل شىء . فالله وحده هو الذى يعلم جميع أحوال خلقه سواء ما كان منها يتعلق بما بين أيديهم من أمور الآخرة وأهوال الموقف ، أم ما كان منها يتعلق بما خلفهم من أمور الدنيا ، {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} أي لا تحيط علومهم بمعلوماته جل وعلا فلا يحيط علمهم لا بذاته - تعالى - ولا بصفاته ، ولا بمعلوماته . فالضمير فى قوله ( مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) يعود على المتبعين للداعى وهم الخلق جميعا . . . وقيل : يعود للشافعين ، وقيل للملائكة ، والأول أولى لعمومه أي يعلم تعالى أحوال الخلائق فلا تخفى عليه خافية من أمور الدنيا وأمور الآخرة , ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ [طه: 111]، خشوعًا وذلة وخضوعًا لله -عز وجل- أي ذلت وخضعتْ وجوه الخلائق للواحد القهار جبار السماوات والأرض الذي لا يموت، قال ابن عباس، خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت، القيوم: الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء، يدبره ويحفظه، فهو الكامل في نفسه، الذي كل شيء فقير إليه، لا قوام له إلا به. قال الزمخشري: المراد بالوجوه وجُوه العصاة، وأنهم إِذا عاينوا يوم القيامة الخيبة والشقوة وسوء الحساب، صارت وجوهُهم عانيةً أي ذليلة خاضعة مثل وجوه العُناة وهم الأسارى كقوله {سيئت وجوه الذين كفروا} وذلت وجوه الناس وخضعت فى هذا اليوم لله - تعالى - وحده ( الحى ) أى : الباقى الذى له الحياة الدائمة التى لا فناء معها ( القيوم ) أى وهو القيوم قائم على كل نفس بما كسبت وقائم على كل نفس بما يصلحها وما يحييها وقائم على كل نفس بأمرها وتدبير شأنها , الدائم القيام بتدبير أمر خلقه وإحيائهم وإماتتهم ورزقهم , وسائر شئونهم . وهذا اللفظ مبالغة فى القيام . وأصله قيووم بوزن فيعول. من قام بالأمر . إذا حفظه ودبره . وخصت الوجوه بالذكر لأنها أشرف الأعضاء ، وآثار الذل أكثر ما تكون ظهورا عليها المراد بالوجوه جميعها ، سواء أكانت للمؤمنين أم لغيرهم ، فالكل يوم القيامة خاضع لله - تعالى - ومستسلم لقضائه ، فالألف واللام للاستغراق . ويرى بعضهم أن المراد بالوجوه التى ذلت وخشعت فى هذا اليوم ، وجوه الكفار والفاسقين وجوه العصاة ،( فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ ) ويبدو لنا أن القول الأول أقرب إلى الصواب ، لأن جميع الوجوه يوم القيامة تكون خاضعة لحكم الله - تعالى - ومستسلمة لقضائه . ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْما﴾ في ذلك اليوم خاب وخسر من حمل فى دنياه ظلما ، أى : شركا بالله - تعالى - أو فسوقا عن أمره - سبحانه - ولم يقدم العمل الصالح الذى ينفعه فى ذلك اليوم العسير . أي خسر من أشرك بالله، وأظلم الظلم هو الشرك بالله -عز وجل- أما أهل الصالحات فهؤلاء هم الفائزون ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْما﴾ أي من قدَّم الأعمال الصالحة بشرط الإِيمان من عمل فى دنياه الأعمال الصالحات ، وهو مع ذلك مؤمن بكل ما يجب الإيمان به فإنه فى هذه الحالة ( لاَ يَخَافُ ظُلْماً ) ينزل به بزيادة سيئاته. ولا يخاف ( هَضْماً ) لشىء من حقوقه أو ثوابه ولا بخساً ونقصاً لحسناته لا هذا ولا ذاك إنما هو العدل الكامل. يقال : هضم فلان حق غيره ، إذا انتقصه حقه ولم يوفه إياه . قالوا : والفرق بين الظلم والهضم : أن الظلم قد يكون بمنع الحق كله ، أما الهضم فهو منع لبعض الحق . فكل هضم ظلم ، وليس كل ظلم هضما . فالآية الكريمة قد بشرت المؤمنين ، بأن الله - تعالى - بفضله وكرمه سيوفيهم أجورهم يوم القيامة ، بدون أدنى ظلم أو نقص من ثوابهم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين إن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان وإن أصبت فمن فضل الله وحده اللهم اجعل عملي خالصا لوجهك الكريم ولاتجعل لأحد شيئا منه سواك والحمد لله الذي هدانا لهذا وماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا ونعوذ به من علم لا ينفع، ربنا زدنا علماً نافعاً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لااله الا أنت نستغفرك ونتوب اليك | |
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| المحاضرة, الثانية, تفريغ, تفسير, صورة, عشر |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه للموضوع: تفريغ المحاضرة الثانية عشر / تفسير سورة طه | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| تـفـسـيـر كـتـاب الـلـه كــامـل صـوتــي | أم حبيبة السباعي | قسم أعذب الحديث (كل ما يخص قرآننا العظيم ) | 9 | 03-08-2012 10:38 AM |
| تفريغ المحاضرة العاشرة / تفسير سورة البقرة | ام أيمن | قسم التفسير | 10 | 05-03-2011 08:22 AM |
| درس المتشابهات | همت | قسم التفسير | 6 | 04-11-2011 10:25 AM |
| موسوعات إسلاميه كامله | أم جليبيب | العقيدة والتوحيد | 6 | 03-29-2011 01:33 PM |
| تفريغ المحاضرة الثانية للأستاذة أم ايمن | أم أسامة العمرية | قسم التفسير | 3 | 01-14-2011 10:23 PM |
| RSS RSS 2.0 XML MAP HTML |