المياه البيضاء و الزرقاء فى العين !
--------------------------------------------------------------------------------
العين هى عضو الإبصار المعجز الذى تتناسق فيه الكيمياء و الفيزياء و تنبض الحياة لتتحول الصور المقلوبة من العدسة لتفاعلات كيميائية ثم نبضات كهربية خاصة , ثم تنقل لمكان آخر تترجم فيه لمدركات فى جزء من الثانية ,
فسبحان الخلاق العظيم الذى أبدع أفضل و أحسن تقويم , و شكر النعمة يتمثل فى حفظها مادة و معنى ....
و يثار موضوع الكليبات و الإعلانات البذيئة دائما , وهو وثيق الصلة بحديثنا عن البصر , فكما نحمى العين من الأذى و القذى يجب أن نحميها من الفحش و الخنا ....
لأنه لا يليق بنا , ثم لضرره على مستقبلنا , فكما قيل ( البصيرة كالبصر أقل شئ فيه يمنع النظر و إن لم يصل للعمى ... )
فكما أن العين تؤذيها حبات الرمل و يؤذيها الشعر فالبصيرة تؤذيها المخالفات , فيضل المرء و يهوى فى الباطل دون تمييز لأن الران على قلبه يحجبه عن الهداية , فالمعاصى توقع فى الفتن نسأل الله العافية و السلامة
و كما قال ابن خاتمة الأندلسى عن عمى البصير !
العشق همة نفس ***عن الرشاد خلية
يعمى البصير و يدنى *** من الأمور الدنية
لم تشتغل بالتصابى ***إلا النفوس الشقية
وصف العين :
العين تشبه الكرة , و تلك الكرة الجزء الخلفى منها من مادة تسمى الصلبة ( بياض العين ) وهي غشاء ليفي , و الجزء الأمامى هو القرنية وهي غشاء شفاف , و تليه القزحية ( تشبه زرار القميص ) و هى دائرة من غشاء ليفي وعائي موضوع خلف القرنية و فيه فتحة تسمى الحدقة
و تلك الكرة ليست فارغة فهناك سائل مائى خلف القرنية و جسم آخر هلامى ( مثل الجيلى) خلف العدسة
و خلفها عدسة العين الشفافة
المياه الزرقاء Glaucoma
.مرض ينتج عن عدم التصريف التام للسائل
المائى ( عادة يتصرف السائل فى قنوات داخلية فى الركن أو الحافة أو ما يسمى الزاوية بين القرنية و القزحية ) فيزيد ضغطه داخل العين، فيؤثر عليها و خاصة على العصب البصري الحساس .
و هى نوعان
المياه الزرقاء ذات الزاوية الواسعة ، تضيق فيها قنوات تصريف السائل بشكل تدريجى , وتضيق الرؤية الجانبية تدريجيا نتيجة الضغط على العصب , وتحدث فى عمر فوق الأربعين .
المياه الزرقاء الأولية - ذات الزاوية الضيقة - أو الحادة . حيث تكون زاوية العين ضيقة أصلا ، وهو مرض يحدث فجأة في أي عمر عافاكم الله تعالى .
ويحدث معها ألم في العين أو قريبا منها و قد يرى المريض هالات زرقاء حول مصدر الضوء أو يرى ألونا متعددة مثل أقواس قزح ( و ربما هو سبب التسمية اليونانية التاريخية لها بالمياه الزرقاء أو الشلالات الزرقاء ).
و هناك أمور تؤدى لارتفاع ضغط العين عموما و بالتالى للمياه الزرقاء - أو لتفاقمها لو كانت موجودة - منها :
الإلتهابات المتكررة و قطرات الكورتيزون
و أورام العين الداخلية .
العلاج :
المياه الزرقاء ذات الرؤية الواسعة تعالج بقطرات العين مبدئيا , و ببعض الحبوب لتنظيم ضغط السائل في العين ، و فى حالات معينة لا تستجيب يتم فتح قناة دقيقة لتصريف السائل , أو شق القناة الأصلية بالليزر.
أما حالات المياه الزرقاء الحادة فيجب التدخل الجراحي فيها فورا , و قد برع أطباء المسلمين فى عمل تلك الجراحة الدقيقة من مئات السنين , و سبقوا العالم ببراعتهم , كما تثبت كتبهم مثل المرجع الشهير ( عيون الأنباء فى طبقات الأطباء ) و غيره بأنهم برعوا فى قدح الماء على العين و رد الإبصار للناس بفضل الله وحده .
الكتاراكت (الساد - الماء الأبيض)
وهو سحابة بيضاء غير شفافة تغشي عدسة العين مسببة عتمة و غشاوة على شكل بقع أو غشاوة تامة , و قد يحدث ذلك لعين واحدة أو للإثنتين .
تحدث مع تقدم السن و قلة مرونة و حيوية الأنسجة , و قد تحدث أيضاً نتيجة لمرض السكر أو بعض الإلتهابات و الأدوية و الإشعاعات و الحالة النفسية السيئة , و أحيانا يولد بها الطفل .
و الجراحة بإزالة الغشاوة ووضع عدسات بلاستيكية داخل العين هى المعتمدة كعلاج .
و يوجد اكتشاف لأول علاج بقطرة لتلك الحالات نسب للدكتور عبد الباسط فى المركز القومى للبحوث بمصر , و هو قطرة تركيبها به كيماويات تماثل بعض تركيب الدموع و تذيب الجزء المتليف , و الفكرة مستقاة من حقيقة عودة البصر لسيدنا يعقوب عليه الصلاة و السلام , حين شم رائحة قميص ابنه يوسف عليه الصلاة و السلام ( حسب اجتهاد د.عبد الباسط ) و لا زال الأمر قيد المتابعة
و لنلطف عمق الموضوع و نثريه نتذاكر جميعا ذكرى حسنة تخص موضوع طب العيون فى حضارتنا
هى أن الحسن بن الهيثم ألف في البصريات ما يقرب من أربعة وعشرين موضوعًا , ما بين كتاب ورسالة ومقالة ، ما بقي منها ضمته مكتبات إستانبول ولندن وغيرهما.
وقد سلم من الضياع كتابه العظيم "المناظر" الذي احتوى على نظريات مبتكرة في علم الضوء، وظل المرجع الرئيسي لهذا العلم حتى القرن السابع عشر الميلادي بعد ترجمته إلى اللاتينية.
وقرر ابن الهيثم أن شعاع الضوء يخرج من الشيء المبصر ويقع على العين ، وعرف الأجسام الشفافة ، وبحث في انكسار الأشعة الضوئية .
وشرح الحسن بن الهيثم كيفية حدوث الرؤية، وبين في ذلك تركيب العين وانتقال التأثير الحاصل بواسطة العصب البصري.
تلك صفحة بسيطة من حضارة عظيمة علها توقظ همتنا ...
و لعل تأملنا فى أمراض العين يجعلنا نتذكر نعمة البصر التى نعدها و لكن قلما نعرف قيمتها , و إذا أردت أن تعرف قيمة نعمة البصر فاربط لفافة سوداء على عينك فترة من الزمن ..... عند ذلك تعرف قيمة ما حباك به الرحمن الرحيم , فاشكر الله على هذه النعمة بألا تبصر بها ما يسخطه سبحانه , و يحضرنى ما قاله البارودى عن غض البصر
و لا تعامل صاحبا بالتى *** ترجع عنها تائبا تعتذر
و غض من طرفك إن خفته ***فحاجب الشهوة غض البصر
د. إسلام صبحي المازني
جزاك الله خيرا