الدفاع المشروع بين الشريعة والقانون الدولي العام
يطلق الدفاع المشروع على كل قوة لإزالة ضرر ودفع خطر عن النفس أو المال أو العرض، لهذا فهو سلطة وقائية يكون بموجبها للشخص (فعل ما يلزم شرعاً، لدفع خطر حقيقي غير مشروع، حال على حق معصوم)(1).
وقد أوضح عبد القادر عودة في كتابه (التشريع الجنائي الإسلامي) معنى الدفاع المشروع فقال: (الدفاع الشرعي: هو واجب الإنسان في حماية نفسه أو نفس غيره، وحقه في حماية ماله أو مال غيره، من كل اعتداء حال غير مشروع بالقوة اللازمة لدفع هذا الاعتداء)(2).
علماً أن علاء الدين المروادي ذكر في (الإنصاف) أن: (الحنابلة لا يرون الدفاع عن النفس واجباً إلا في حالة الفتنة، ومنهم من يوجب الدفاع عن المال إذا تعلق به حق الغير)(3).
والمعروف أن بعض الفقهاء قد توسعوا في موضوع الدفاع الشرعي، حيث جعلوه موضوعاً عاماً شاملاً يستوعب الدفاع عن دار الإسلام من خطر الأعداء، فيما رأى آخرون أن الدفاع الشرعي والعنف المشروع هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(5).
وهكذا فإن الفقهاء المسلمين قد أجمعوا على حق الدفاع الشرعي ، لدفع الخطر غير المشروع عن الأعراض أو المال أو النفس، لكنهم اختلفوا في اللفظ الدال على هذا الحق، وفي تكييف الخطر المنصب على هذا الحق. فمنهم من جعله خطراً محرماً أو عدواناً أو ظلماً(6)، فيما قال آخرون عن هذا الخطر بأنه: (من أريدت نفسه وحرمته أو ماله)(7)، وذهب غيرهم إلى لفظ آخر وهو الصيال فقالوا: (للمرء قتل ما صال عليه، من آدمي أو بهيمة ولم يندفع إلا بالقتل إجماعاً)(8).
لهذا فإن الشيعة الإمامية أباحوا الدفاع الشرعي، وأوجبوا مسؤولية المعتدي الجنائية والمدنية عن الأضرار التي يصيب بها المدافع(9). وقد استدلوا بأحاديث منها الحديث النبوي: (من قتل دون ماله فهو شهيد)، والحديث المروي عن الإمام الصادق(ع): (أيما رجل عدى على رجل ليضربه فدفعه عن نفسه فجرحه أو قتله فلا شئ عليه). أما الحنفية فقالوا: (ومن قتل دون ماله فهو شهيد)(10)، وقالوا أيضاً: (دم المدفوع هدر ولا شئ بقتله لدليل قوله(ص): (من شهر على المسلمين سيفاً فقد أبطل دمه لأنه باغٍ)(11). كما أن الحنابلة قالوا: (دم المدفوع هدر، وهو إلى النار)(12)، لقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)(13). وقال الشافعية: (إن الصائل يجوز دفعه) (14). وقال الزيدية: (وللمرء قتل ما صال عليه)(15). وقال المالكية: (جاز دفعه بالقتل وغيره)(16). وقال الظاهرية قوله(ص): (من قتل دون ماله فهو شهيد) عموم لم يخص معه سلطاناً من غيره. ولا فرق في قرآن ولا حديث ولا إجماع ولا قياس بين من أريد ماله أو أريد دمه أو أريد فرج امرأته أو أريد ذلك من جميع المسلمين)(17).
ومن المفيد ذكره في هذا الصدد.. أن فقهاء القانون الوضعي أجازوا الدفاع الشرعي، ووضعوا التكييف القانوني له فقالوا بأن: (آثار الإباحة هو أن يخرج الفعل من نطاق نص التجريم فيصير مشروعاً وينتفي الركن الشرعي للجريمة)(18). وقد نص قانون العقوبات العراقي في المادة 42 على أنه: (لا جريمة إذا دفع الفعل استعمالاً لحق الدفاع الشرعي).
ونص القانون السوري سنة 1949 على المعنى نفسه في المادة 183.
علماً أن الدفاع المشروع نراه موجوداً في أغلب القوانين والتشريعات القديمة والحديثة، لكنه يختلف فيها من حيث تكييفه وشروطه وحدوده(19). لهذا يذهب الدكتور حمودي الجاسم في كتابه (التعديلات الواجب إدخالها في قانون العقوبات العراقي) إلى أن: (التشريعات الوضعية توسعت في الدفاع الشرعي فشملت الأشخاص والأموال معاً). علماً أن الغرب أخذ بنظرية الدفاع الشرعي (كالقانون الإيطالي الحديث المادة 52، وقانون الدانمارك سنة 1930 المادة 13، وقانون بولونيا سنة 1932المادة 21، وقانون ليتوانيا سنة 1933 المادة 44، وقانون سويسرا سنة 1937 المادة33، ومشروع القانون الفرنسي الحديث المادة 113 و114)(20).
وهكذا نعرف أن الدفاع الشرعي له تكييفه القانوني في الشريعة الإسلامية قبل القوانين الوضعية بأكثر من 1400 سنة، مما يدل على عظمة الإسلام وسمو قواعده القانونية. خصوصاً وأن بعض الفقهاء - كما قلنا سابقاً - يتوسعون فيه ليشمل الدفاع عن الإسلام والمسلمين ودفع الأخطار الخارجية وفق قواعد القانون الدولي الإسلامي الأخلاقية.
لهذا فإن الموضوعية تحتم علينا أن نتناول الدفاع الشرعي في القانون الدولي العام ، وفق منهجية علمية تستقرئ وتقارن بين القواعد القانونية الموجودة في القانون الدولي الإسلامي وغيره من القواعد الدولية.
تحديد القواعد القانونية الدولية الوضعية
تُعرف القوانين بأنها (القواعد المجردة التي تحكم سلوك الأمة أو داخل مجتمع ما وفقاً لضوابط معينة ارتضاها الناس، والتي تقترن بجزاء توقعه السلطة المختصة في حالة الخروج على هذه القواعد)(21).
ويطلق تسمية قانون - مفرد قوانين - لغة على (الشرائع والنظم التي تنظم علاقات المجتمع سواء كان من جهة الأشخاص أو من جهة الأموال. والقوانين كثيرة أهمها:
القانون الأساسي أو الدستوري، القانون التجاري، القانون الجزائي، قانون العرف والعادة، القانون المدني)(22). لذا فإن القانون يطلق عادة على كل (قاعدة مطردة تفيد الاستمرار في تطبيق حكم معين وفقاً لنظام ثابت)(23).
أما تسمية الدولي فترجع نسبتها إلى الدول ، والدولي (هو العالمي)(24). وعليه فإن (القانون الدولي العام) هو (مجموعة القواعد التي تنظم العلاقات بين الدول وتحدد حقوق كل منها وواجباتها)(25). ويذهب (شتروب)(26) إلى وصف (القانون الدولي العام) بأنه (مجموعة القواعد القانونية، التي تتضمن حقوق الدول وواجباتها وحقوق وواجبات غيرها من أشخاص القانون الدولي). في حين يذهب (شارل روسو) إلى أن (القانون الدولي العام) هو (ذلك الفرع من القانون الذي يحكم الدول في علاقاتها المتبادلة)(27).
ومن المعروف أن تسمية (القانون الدولي العام) ترجع إلى الفيلسوف الإنجليزي (بنتام)، فقد أطلق على مجموعة القواعد التي تحكم علاقات الدول اسم (International law) . ولكن بعض الفقهاء يذهبون إلى وصف (القانون الدولي العام) بأنه (قانون الشعوب والأمم)، لأن تسمية (القانون الدولي) مشتقة من كلمة (nations) أي الأمم. وقد استعمل هذه التسمية كثير من الكتاب المتقدمين أمثال (دي ماتنز)، و(كلوبر)، و(فاتيل) وغيرهم، ويتجه الاتجاه نفسه (جورج سيل)(28). بلحاظ أن الألمان يأخذون بتسمية (قانون الشعوب) على اعتبار أنها الأصح. ويمكن الإطلاع على تسميات أخرى استعملها بعض الكتاب والفقهاء للدلالة على القانون الدولي، حيث سماه المحامي الهولندي (جروسيوس) (قانون الحرب والسلم)، وسماه (بسكال فيور) (قانون الجنس البشري)، وسماه (ميجل) (القانون السياسي الخارجي) إلى غيرها من الأسماء..
ويرى (روسو) أن أدق تسمية للقانون الدولي العام - باعتباره ينظم العلاقات بين الدول - هي (قانون الشعوب)، لكنه مع ذلك لا يجد حرجاً من استعمال تسمية (القانون الدولي)، لأنها استقرت فقهاً وعملاً وأصبحت لها صفة تقليدية(29).
ويعلق الدكتور أبو هيف على ذلك معتبراً التسمية العربية للقانون الدولي تتفق مع وجهة نظر (شارل روسو)، لأن القواعد القانونية الدولية (تنظم العلاقات بين الأمم والشعوب، التي لا يكون لها كيان قانوني إلا من خلال الدول التي تتبعها)(30).
ومن المعروف أن الشريعة الإسلامية قد اهتمت بشؤون الدول، وبينت حقوقها وواجباتها المختلفة، وكذلك أوجبت القواعد الإسلامية الدولية (على المسلمين الالتزام بها قي معاملة المسلمين وغير المسلمين، محاربين أو مسالمين، سواء أكانوا أشخاصاً أو دولاً، في دار الإسلام أو في خارجها)(31).
وقد احتوت رسائل الفقه الإسلامي أحكاماً وفتاوى عن المرتدين والبغاة وقطاع الطرق، كما أوضحت كتب السير بالتفصيل أيضاً معاملة المسلمين لغيرهم. لهذا يمكن القول أن فقهاء الإسلام قد وضعوا أسس القانون الدولي الإسلامي لتنظيم العلاقات بين الدول(32).
[move=right]يتبع[/move]