ذات فجر.. في فرجينيا
د.أحمد خيري العمري
أستيقظت على صوت لم أتبينه للوهلة الاولى. بقيت لثوان احاول أن افهم هذا الصوت .و لولا الضوء المنبعث من الجوال لما فهمت أصلا ان هذا الصوت هو رنة الجوال الجديد الذي لم اتعود بعد عليه..
لم يكن الوقت متاخرا جدا..لكني كنت قد نمت مبكرا و اغرقت الغرفة في ظلام دامس متعمد ، على أمل أن يكون نومي عميقا..
كان المتحدث هو صديقي الجديد ، الأمريكي المتحدر من اصول افغانية ، و الذي تعرّفت عليه فيما يصلح ان يكون رواية غرائبية ليس الان مجال سردها ، الجمل الثلاثة الاولى من حوارنا كانت اعتذارا منه على ايقاظي من النوم ( كان ذلك واضحا على ما يبدو ) و تأكيدا مفضوح الكذب مني باني لم اكن نائما..!
بعدها قال شيئا لم أفهمه للوهلة الاولى ، قال شيئا عن انه سيمر على ليصطحبني إلى”.. ” و لم افهم.
سألت : الى أين ؟
قال : إلى صلاة الفجر..
سكتت أنا و قلبي ينبض فيما بدا لي أنه إنعدام الزمن، و سمعت صوت سكوته ايضا ، ثم يبدو انه أساء فهم سكوتي فقال بأدب ممزوجا بخيبة الامل : إن احببت..
إن أحببت !..يا الهي ! أحدهم يعرض عليَّ ان يمر ليصطحبني الى صلاة الفجر و يردف بعدها ..أن احببت !..
صلاة الفجر !..لو كان يدري..!
****************************************
لم أنم تقريبا بعدها .بقيت اتقلب قلقا من أن يفوتني الموعد لسبب ما..كنت مرتبكا مثل مراهق عاشق ولهان في أول موعد له بعد صبر و حرمان..
عندما سقطت بغداد ، حرمت لثلاث سنوات تقريبا من صلاة الفجر ، لأسباب تتراوح بين منع التجول القسري و منع التجول الطوعي الذي مارسناه خوفا من “الشرطة و الحرامية” على حد سواء ..في عصر لم يعد هناك أي فرق فيه بين الاثنين..
و عندما سكنت الشام ( آه الشام…) كانت صلاة الفجر مثل كنز استرجعته بعدما سلبه قطاع الطرق..
بل أكثر : كنت كمن أرجعوا له أبنه بعدما خطفوه لأعوام..
يومها اتصلت بزيد ، رفيق الرحلة الاطول ، و كان لا يزال في بغداد ، و قلت له كمن يتحدث عن معجزة “تخيل ! استطيع ان اذهب الى صلاة الفجر!”.
قال لي زيد يومها ، هو الذي يفهم شوقي و يكابده ، قال لي بالعراقي :
” بألف عافية ..”..
و بعدها بأسابيع كان يصلي الفجر ، في الشام أيضا..
ثم يقال لي ” الفجر..إن احببت “..
تأنقت كما يليق بعاشق في موعده الاول ، أفرغت كمية من العطر من اغلى قارورة عندي ( بالذات كما يفعل إبني دوما..) و ابتسمت و انا أتذكره و هو يفعل ذلك سرا و تفضحه الرائحة المنتشرة في البيت كله دوما..
بلغة الارقام كان هذا هو اليوم الثالث عشر دون صلاة الفجر..لكن كيف تستطيع الارقام ان تستوعب صلاة الفجر..أن تفهم ما تعنيه بالنسبة لي..كيف للأرقام ان تقيس كم أفتقدها ، كم احتاجها في غربتي ، في وحدتي ، في هرولتي بين المترو و الباص ، في الماراثون اليومي الذي ايقاع الحياة هنا..
اسبوعان فقط ؟
بل أقل ..!
.لكن صلاة الفجر كانت كل ما احتاجه لمواجهة كل السنين الضوئية التي قضيتها في هذين الاسبوعين..كل ما احتاجه لتنفيذ القمع الذي كنت قررته بنحو مسبق للشوق ..الشوق لمن احملهم كالوشم في قلبي…و الذين لا اريد ان أشير لهم الان..كجزء من خطة القمع تلك..( أو بعبارة اخرى :كي لا أنهار باكيا..)
لكن لا..لن أقول..لن اقول أكثر من اني احتاجها : صلاة الفجر..!
*******************************
قبل عشر دقائق من الموعد هبطت انتظر صديقي في مرآب الفندق .كانت درجة الحرارة ( او البرودة بالأحرى) قد فارقت الصفر المئوي بعدة درجات..و كان الفندق قد أزدحم في الليلة الماضية بعشرات النزلاء الجدد الذين جاءوا من كل مكان في شرق الويات المتحدة ليشاركوا في حفل تنصيب أوباما ، و قضوا الليل هنا على مشارف واشنطون ، ليتمكنوا من الانطلاق فجرا ..كانوا يخرجون من الفندق متدثرين بكل ملابسهم ، ثوان فقط و ينطلقون الى الحفل الذي أعدوا انفسهم له..
أما أنا ، فقد تدثرت بالبرد الفرجيني القارس ، أنتظر أيضا “حفلا تنصيبيا ” بطريقة ما..
شعرت انه حفلي انا ، تنصيبي أنا.. فكرت انه ربما كانت ملائكة السماء تعد احتفالا بعودتي لصلاة الفجر..
بطريقة او بأخرى.. شعرت بذلك ..ذات فجر في فرجينيا..
**********************************
عندما وصلنا الى مركز أدامز ، حيث تقام الصلاة ، شعرت أن المكان مألوفا لي جدً..ليس لأني كنت زرته قبل يومين فحسب..و لكن بدا مألوفا على نحو اكثر عمقا..شئ في مرآب السيارات ، في الاضاءة الخارجية للمكان ، في المدخل..لا ادري ..كل شئ بدا مألوفا كما لو أني زرته من قبل..
و عندما دخلت قاعة الصلاة ، و لم اكن دخلتها من قبل ، فوجئت بالمكان يحتضنني و يرحب بي دون سابق إنذار..و فهمت !
كان كل شئ يشبه أول مسجد صليت فيه الفجر..جامع الزهاوي قرب بيتي في بغداد التي لم تعد بغداد ،كل شئ كان يشبه ذلك المسجد الصغير الحبيب الواقع على بعد عشرة آلاف ميل بمقاييس الجغرافيا ، و على بعد شهقة و دمعة من جفوني و قلبي..كانت قاعة الصلاة هنا تشبه حرم المسجد جداً ، بسيطة و خالية من البهرجة تماما ، بستائر عادية يمكن ان تكون ستائرا لبيت متوسط ، و بأنابيب “نيون” للأضاءة ..و بمحراب صغير جدا في الوسط..
ذات فجر في فرجينيا ، اخذتني أنابيب النيون ، التي اكرهها عادة ، أخذتني الى جامع الزهاوي حيث ذلك الزمان الذي لن يعود..( لن يعود !) ، الى صلاتي الاولى فيه ، بالذات الى صلاة الفجر الاولى فيه ، عندما تسللت خلسة و دون ان يعلم احد ، و كنت مراهقا “خائبا” كما يليق بابن الخامسة عشر ان يكون ، و مذعورا و مرعوبا و مستثارا مما بدا انه مغامرة كبيرة وقتها..
لا ازال أذكر كيف أمّنا “ناصر” وقتها ، و كيف فهم وقتها – و هو جار العمر- أن المراهق الخجول يحتاج الى الكثير من الدعم ليستمر..و قد كان..
ذات فجر في فرجينيا ، و الصلاة على وشك ان تقام ، أخذتني انابيب النيون ، كما لو كانت آلةً للزمن ، الى تلك الوجوه الحبيبة المغروسة بعمق في لاوعيي و ذاكرتي ..اخذتني الى فيصل ، الى جلسته خلف الحرم دوماً ، حيث يصلي السُنة و ينتظر إقامة الصلاة ، و اشاكسه و اناكفه أنا بكل طاقتي في هذه الاثناء..
تذكرت كيف حذفت صلاة الفجر فرق السن بيننا ( أو انني تصرفت على انها قد فعلت بكل الاحوال..!) ، تذكرت كيف كان “فيصل” كتفا جاهزا دوما ليحكي له هذا الشخص الذي كنته ، او يشكي له ..او حتى يبكي له..
ملأني شوق لفيصل الذي انقطعت عني اخباره او كادت ، و قررت أن اتصل به ، فور خروجي من الصلاة..(فعلت ، و لكن هاتفه لم يرد للأسف!)..
أخذتني انابيب النيون تلك الى أثير..كنت اعلم بقدومه الى المسجد قبل ان يدخل ، لان عطره الخاص كان يسبق حضوره الذي لا يقل عطرا ، اخذتني الى نقاشاتنا التي لا تنتهي امام باب المسجد ، و التي أسهمت في تكوين الشخص الذي هو انا الان..تذكرت كيف تبدل أئمة المسجد واحدا بعد الأخر، و بقينا نحن الاثنين نتناقش عند باب المسجد ، و كيف انهم جميعا كانوا يخبروننا بطريقة او بأخرى ان وقفتنا تلك تثير شبهات السلطات ! لم نكن نعرف آنذاك ، انه سيأتي عصر “يسميه البعض عصر الحرية” حيث لن نستطيع ان نقف تلك الوقفة لأننا لن نستطيع أن نصلي في الجامع أصلا..!
تذكرت ذلك الكاهي و القيمر اللامنسيين..حيث كنا نذهب نحن الثلاثة ، أنا و فيصل و أثير الى “الكمب” صباح الجمعة بعد صلاة الفجر.. و تلك المطاردات الشعرية بينهما ..و تعليقي إياه الذي لا أشك ان اثير لا يزال يذكره ..لا شئ طبعا في العالم يمكنه ان يرجعني إلى ذلك..لا شئ يمكنه ان يرجعني الى تلك اللحظات ..الى أثير و فيصل و الكاهي و القيمر بعد صلاة الفجر في جامع الزهاوي..
أخذتني آلة الزمن تلك ، الى آخر من عرفته من أئمة المسجد ..”الشيخ عبد القادر” الذي كان يكبرني بثلاث سنوات فقط..المسالم الى درجة تثير الغيظ..و الذي لم تشفع له مسالمته تلك ، يوم اختطفته تلك الغربان السود ..و عذبته و ثقبّته حتى الموت ..و القت بجثته عاريا في القمامة..
ذات فجر في فرجينيا ، وجدتني ارحل الى كل تلك الوجوه الحبيبة : التي عرفتها و التي لم اعرفها..لكل تلك الجثث المجهولة و المعلومة ..لكل تلك الجثث المظلومة..لأبن خالتي الذي قتلوه بسبعة عشر رصاصة قبل ان ينهي كوب الشاي الذي بداه بعدما أنهى تناول العشاء..و الذي بقى جسده ينزف طويلا طويلا حتى بعدما مات..
ذات فجر في فرجينيا .. و قبل ان يقول الامام”الله أكبر” ..كنت أمطر في الداخل..و بغزارة.
لكن عندما تقدم الامام و بدء بالصلاة..أدركت ان صلاة الفجر الفرجيني هذه تحمل رسالة اكبر من مجرد “نكش الذكريات” و “الشوق لما لن يعود”..
فهمت ذلك فوراً عندما قرأ الامام تلك الايات من سورة الصافات.. بالذات الايات التي تتحدث عن يونس..
***************
كنت قد قلت لنفسي و للآخرين ، منذ ان قررت ، و في لحظة بدا انه لم يكن هناك خيار آخرأمامي ، أن آتي الى امريكا ، قلت لنفسي و للاخرين ايضا ، اني ذاهب بملئ ارادتي ، الى “بطن الحوت“..كنت أدرك طبعا أن بطن الحوت قد أبتلع تقريبا العالم كله..و ان البعض قد ابتلع الحوت رأسه و أنه كان ممتنا جدا للامر بل و اقتنع أن ذلك افضل ما حدث له..
لم اكن من هؤلاء ، لكن في لحظة ما لم يكن هناك امامي إلا ان أقول” نعم ” و احزم حقائبي لارحل الى “هناك”..”هناك” التي صارت الان “هنا”.. أي “بطن الحوت“
و ذات صلاة فجر في فرجينيا ، و من بين كل الآيات في القرآن..و من بين كل قصص الانبياء..كنت على موعد مع هذه الايات تحديدا..آيات سورة الصافات..
ليس لأن الايات عن يونس و بطن الحوت فحسب ، بل ل بالذات أنها الايات التي روت كيف تتوج الخروج من بطن الحوت بأرساله الى “مائة الف او يزيدون”..
فهمت و الامام يقرا بتلك اللكنة التي أجهلها ، ما لم أفهمه بأكثر اللهجات قربا للغة القرآن ..فهمت كيف ان المرور ببطن الحوت كان ضروريا جدا ليكون مؤهلا للمائة الف او يزيدون..فهمت ان بطن الحوت مرحلة…و ان المهم هو ما بعدها ..المهم هو تجاوزها لا من اجل “النجاة الفردية” فحسب ، بل من أجل “المائة الف ” و اكثر..
ذات فجر في فرجينيا ، قرأ الامام تلك الايات ، و هطل المطر من الداخل و الخارج ..لا أدري عن الآخرين ، لكني شعرت فجاة أني أصبحت الارض و المحراث و البذرة و قطرة المطر في آن واحد..
الآن هناك نور في نهاية النفق..
الآن هناك نور ، حتى في بطن الحوت..
و لم يكن هذا كل شئ ايضا..
فعندما انتهت الصلاة (للأسف!) قال الامام شيئا و رحب بي ، و انطلقت الوجوه بالوانها المختلفة مبتسمة ترحب ..ثم طلب منهم ان يرحبوا بآخر..أمريكي أسلم حديثا..عمره لا يتجاوز السابعة عشر او ربما أقل..و كان اسمه “زكريا”..بدا لي الاسم موحيا جدا..”زكريا” ..كما لو كان الاسم و الشخص يتحدى الجدب و العقم في بطن الحوت..وجدت اننا متشابهان بشكل أو بأخر : كنت انا جديدا على بطن الحوت ..و كان هو جديدا على الاسلام ..أقتربت منه و سألته : كيف الامور؟
قال كلمة بدت لي على بساطتها كما لو أنها عصارة الحكمة ، قال : كل مرة آتي هنا ، تصير الامور أحسن..!
ابن السابعة عشر ، بدا لي لحظتها ، فيلسوفا طاعناً في الحكمة ..
هل هذا يرجع إلى انه قد ادرك انه في بطن الحوت يا ترى. ..و ان عليه ان يخرج الى مائة الف أو يزيدون؟
********************
ذات فجر في فرجينيا ، حدث ذلك كله..
و عندما هبطت من سيارة صديقي الافغاني ، التفتَّ له و قلت له شكرا ..شكرا على كل شئ..
ربما تصور أنني أجامل ..أو أقول ما يجب ان يقال..
لكنه سيفهم كل ما اعنيه ..عندما يقرأ هذا كله..
فرجينيا 25-1-2009