يا بحر السكون
طويت في قلبي ذكرى بعيدة قريبة , وجا ل في خاطري عتما ثقيلا ألجم كلمات وأرجعني إلى سالف حب وسالف اجتماع ..
أبكمت قلمي في كل لحظة انطلاق فلم أكتب ؟ ولمن أكتب ؟
كل ما في جوار راسيات أحركهن بنفثات تحسر أو تعجب قد باتت قيد نسيان .
منذ زمن ما سال حبري على ورق ولا اشبعته من خضر الأماني ولا توسط قلبي متربعا يقول ويجول ويصول ..
منذ زمن لم أخبر ولم أحك , فقد خرست أقلام وارتفعت أخرى وشاكني ألم يخز في الفؤاد لما جرى ويجري .
وفيك أرسي مرساتي يا بحر السكون , أسلم صارية العنفوان وأخدش بأظفار حقائقي رملا قسى ونسي ولم يفهم ..
أرسي مرساتي ربما أريدها أن تصدأ فلا أربطها بسفن تسري مجنونة ترغب غير ما أرغب .
فيك يا بحر السكون ألثم آخر حرف وأوله , أشبعه من حر أنفاسي عله يتحرك ويفهم فيعلم الغير ..المتوله لغير السداد .
طائرات يا بحر السكون تقصف مدينتي الهادئة محملة بموت زعاف نفث في رحم كل منجبة فقتل الأجنة والحلم .
طائرات جعلتك بحر العنف والفوضى فأضاعت مني ملهمي في تبيان وتبيان .
فهل أبكي توقف قلم فيك يا بحر السكون ! أو موت جوريتي ! ومئذنتي وعلمي !!!
أو جرح ورقي في زيتونتي وليمونتي ونخلتي!
نعم .. وأبكي أيضا عدم فهم البذرة النامية التي أسقيت بماء رقراق من علم مستنير فتجاهلت أصلا وسمحت لجهلها بتحليق الفعل الأسود بقلب تلون فاسود لغير ناظرها .
وأبكي أيضا يا بحر السكون المخترق أزيزا مشينا , ابكي من لا يفهم أن السفر إليك بلا حقائب لا يكون .
وأبكي من لا يستطيع أن يعد حقائبه وهي أهون من غرف ماء من حياض قريب ..
كيف لحقيبة رسم لها أن تحمل نورا مرتبطا بعلو وترضى بنثرات صغيرات للذة وقتية أو دنيا تزول !
أتعلم يا بحر السكون إن هناك من يسوغ لنفسه ويمهد بمحراث من صنع خياله ويتوهم أنه يعمل ويعمل لله .
أو تعلم يا بحر السكون أنه مثل السحابة التي تغذت بماء رقراق ترتفع بهمة وترتفع وتبيض جمالا وتثقل خيرا ولما تهبط إذا بها تسقي رمل نفسها فلا ينبت فيها إلا رمل تشرق به وتعلو ثانية مثقلة بصفر الرمال وزيف المياه وخداع السراب .
لهذا يا بحر السكون أبكي على من يضيع عمره على موائد والأطباق لا تقيه جوع الزمان , ويقتات على زائل ويعبيء العقل بوقود من شجر خاو لبه يخبو ولا يتوهج إلا لحظات العمر الفانية .. وما أن يأت للحقيقة الخالدة يجد أن طبقه المملوء حروفا مروية من سحاب شرق من سراب قد نضج على موقد من خشب خاو .
تلك هي يا بحر السكون أوهام الجامعين المحلقين التائهين في الدنيا .
تلك هي الخدعة : صورة بإطار جميل وحروف منمقات بأقنعة الشهرة وأسماء طنانة لشخوص مزركشة الحواشي تظن أنها تخدم دينا فإذا بها تخدم الدنيا وتلبس عروسا شمطاء حسن اللفظ لتتزين به
ويكون النسيان لما تبرق الكتب والدواوين مرصعة بالنجوم .
إنها يا بحر السكون قصة سرية علنية لا يفهمها الكثير فالبريق عال ودنيا الكلام كثير الهذر والوسوسة .
شعرة دقيقة يا بحر السكون بين أن أكتب لأعتلي وأتبرج للحروف لتعليني وبين أن تكتبني الحروف وترفعني عندما أفكر وأعمل وأربط روحي جلها ووقتي كله من أجل من وهبني كل هذا .
هي العصي يا بحر السكون , تلك الحروف المرتصة في كتب ودواوين خدعت وأوهمت أنها لله فكان بعضها عصي في دواليب تكسر تروسها لتصل للنهاية وقد تخلت عن الفهم . ويتوقف الدولاب معلنا فشله في أول لحظات الفناء الدنيوي .
منذ زمن يا بحر السكون كنت ملهمي رغم كل اختراق لك من طائرات مشينة بأزيز يشق عتمك ليفتته ويسكنه قلوبنا عنوة لنأتي صبحا وقد أثقلنا به .
تعلمنا يا بحر السكون .. صراخ الحروف وقت صمت لجوج و السكون وقت الضجيج , والعلو وقت الخضوع , والفهم وقت التجهيل فهلا خرجت عن صمتك وأخبرت قبل الفوت وأيقظت قبل النوم السرمدي ...