| | | | | | | | | |
| | |
| | رقم المشاركة : 1 (permalink) | |
| | ![]() د.عبدالعظيم محمود الديب في منتصف القرن السابع الهجري، كانت قوة التتار قد بلغت مداها، وصار خلفاء جنكيز خان آنذاك كأنهم القوة القائدة للنظام العالمي الجديد، وجاؤوا كالإعصار المدمر، لا يقف في طريقهم شيء، كانوا قد استولوا على عواصم الإسلام الحضارية، والثقافية، مثل بخارى وسمرقند وبلخ، وهَراة، ونيسابور، والري، وجورجانية، وخوارزم، ونَسا، ومَرو، والطالقان، ودمروها تدميراً، وربطوا خيولهم بالمساجد، وألقوا الكتب على الأرض، واتخذوا صناديقها المذهبة مزاود يعلفون فيها دوابهم. وما لبثت العاصفة الهوجاء أن هبت على بغداد، دار السلام، عاصمة الدنيا كلها في ذاك الزمان، ترنحت بغداد تحت مطارق الخيانة وانحلال البذخ، وغفلة الترف. كان لسقوط بغداد ومقتل خليفة المسلمين، دويٌّ هائل، أفزع العالم الإسلامي كله، وعلاه الوجوم، وغشاه الحزن، والأدهى من ذلك أن الفزع والرعب استولى على القلوب، حتى راجت في الناس مقولة: إذا قيل لك إن التتار انهزموا فلا تصدق. وصار واضحاً لدى الأعمى والبصير، أن بغداد ليست آخر المطاف، وأن الجناح الآخر للعالم الإسلامي، المتمثل في الشام، ومصر والشمال الإفريقي، هو الجولة القادمة ، لذلك السفاح هولاكو قائد الجيش الذي لا يقهر، والذي لا يقبل في العالم سيداً سواه، على حد تعبير ستيفن ونسمان في كتابه تاريخ الحروب الصليبية، فمع أن كل القوى الكبرى في العالم آنذاك سعت للتحالف مع التتار ومعاونتهم، فقد تحالفت معهم القوى الصليبية، إذ أرسل إليهم لويس التاسع بعثة قوبلت بالاحترام والتقدير، كما تحالف معهم هيتوم ملك أرمينية، وكذلك بوهمند السادس ملك انطاكية، وقدم البطريرك الأرمني ليمنح البركة للخان، وجيوش الخان، كما انتشى الصليبيون بسقوط بغداد، وأذاعوا أخبارها، وهم في فرحة النصر، ويسمونه سقوط بابل الثانية. مع ذلك أي وجود حلفاء، وشركاء مع التتار، فلم يكونوا يعترفون لهم بحق المشاركة، فقد كانت سياستهم تقوم على مبدأ واضح هو: أن أصدقاءهم حلفاءهم ليسوا غير أتباع لهم، أما أعداؤهم فيجب إفناؤهم، واستئصال شأفتهم، أو إخضاعهم حتى يصيروا أتباعاً لهم هكذا، ما أشبه الليلة بالبارحة. فماذا بعد؟: كان على حكام الشام وقد كان موزعاً ممالك وإمارات عدة أن ينظروا ويتدبروا وكان على حكام مصر أن يتفكروا ويقدروا!!. وأمام هذا الخطر الداهم، كان هناك رأيان، وطريقان: طريق المقاومة وطريق الاستسلام. التاريخ لا يرحم: نعم لا يعرف التاريخ المجاملة، ولا المحاباة، فقد سجل بأمانة لكلٍّ عمله، وماذا جناه من سلوكه وفعله، سجل صفحات سوداء مجللة بالعار، وسجل صفحات ناصعة ناطقة بالفخار. سجل التاريخ أن جماعة من الحكام جبنوا، أو خُدعوا، أو ضعفوا، أو خانوا، ولم ينس التاريخ أدق التفاصيل، لم ينس شماتة الناس بابن العلقمي الوزير الخائن، الذي سهَّل للتتار دخول بغداد، ثم ذهب إلى هولاكو يظن أنه سينال عنده الحظوة، فما راعه إلا أن هولاكو يُهينه ويُذله، ويصب عليه السباب واللعنات قائلاً: لقد خنت ولي نعمتك،... ثم انتقم منه انتقاماً فكاهياً ظريفاً، فقد وهبه عبداً لخادم من خدم الخليفة المستعصم، وأوصاه بإذلاله، فكان ذلك الخادم يطوف بالوزير الخائن على حمار ووجهه للخلف، والصبية يسخرون والناس يستهزئون. اعتذار عجيب ولم ينس التاريخ ذلك الاعتذار العجيب الغريب، وذلك الاستسلام البشع الذي قام به أحد الحكام، طالباً من هولاكو العفو والصفح، والدخول في طاعته، ويبدو أنه كان متحضراً جداً، فقد كان فناناً يجيد الرسم، فقد قدم إلى هولاكو ضمن ما قدم من هدايا وتحف نعلاً جديداً، نعم نعل جديد، رسم صورته صورة الحاكم المعتذر على أسفله، وناوله إلى هولاكو وهو يحني رأسه: ويقول: عبدك يأمل أن يتفضل الملك يقصد هولاكو فيشرِّف رأس عبده بوضع قدمه المباركة عليها!!! فما كان من هولاكو إلا أن رفض هذا الاعتذار الخانع الذليل، وأصرَّ على قطع رأسه!!. ولكن يبدو أن النساء يُعجبن دائماً بالتحف والنوادر، والمبتكرات والغرائب، فقد سُرَّت دوقوزخانون زوجة هولاكو بهذا الاعتذار المبتكر، وهذا الحاكم التحفة، فتشفعت له حتى رق له قلب الخان. وإلى هنا ألقاه التاريخ في مزبلته، فلم نسمع عنه شيئاً بعد، والعجيب أنه كان يلقب نفسه عز الدين. ولم ينس التاريخ أن يسجل لأصحاب الحلول الاستسلامية مواقفهم، فقد رفض الناصر صاحب دمشق وحلب، فكرة الاتحاد والمقاومة حينما عرضها عليه الملك الأشرف صاحب ميافارقين، وبدلاً من ذلك، أرسل ابنه العزيز إلى هولاكو بالهدايا والتحف، ويحمل وثيقة الطاعة والخضوع، والأدهى من ذلك يعرض عليه أن يزوِّده بقوات يغزو بها مصر. ويسجل التاريخ أن هولاكو غضب إذ أرسل إليه ابنه، وكتب إليه أن يأتي بنفسه، ليقدم فروض الطاعة، والتبعية من غير قيد ولا شرط. كما سجل مواقف العقلاء الذين حسبوها بالأرقام والأعداد، ورأوا استحالة الوقوف أمام ذلك الجيش الجرار، فآثروا الوسيلة الذكية والأسلوب الحضاري وقالوا: لا بديل للتفاوض ولا مفر من خيار السلام، فسلموا مدنهم، وبلادهم على شرط حمايتها والحفاظ على سلامتها، ثم لما رأوا استباحتها ونهبها وتدميرها من قبل التتار أخرجوا لهم وثائق المعاهدة وشروط الصلح وإعلان النوايا، فتلقوا صفعة على وجوههم، وبصقة على وثائقهم. قائمة الشرف وسجَّل صفحات أخرى: سجل التاريخ أن حكاماً غير هؤلاء، آمنوا بربهم، ووثقوا بقرآنهم: "وما النصر إلا من عند الله" (آل عمران:126)، وارتفعوا فوق الماديات الغليظة، وأيقنوا أنها إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة، وعلموا أن قوة الأمم لا تقاس بالسلاح والعتاد، وفقهوا التاريخ، وتذكروا بدراً والقادسية، واليرموك، وساروا على الطريق. سجل التاريخ أن صاحب حصن ميا فارقين صمد مدة عامين كاملين لحصار عات قاس، وأذاق التتار المر والعلقم، وأوقع بقناصته بين صفوفهم الرعب، والهلاك، ولم يدخلوا الحصن إلا بعد أن نفد الماء، وفني الزاد، واستشهد كل من فيه عن آخرهم. سجل التاريخ أن قلعة حلب، ومثلها قلعة دمشق، لم تلتزما بشروط التسليم، بل قاومت الحاميتان حتى استشهد رجالهما، ولم يبق منهما فرد واحد. سجل التاريخ أن نابلس آثرت القتال على الاستسلام، فصمدت صمود الأبطال، ولم يدخلها التتار إلابعد أن فنيت حملتها عن آخرها. سجل التاريخ شجاعة سيف الدين قطز، الذي زحف من مصر لملاقاة التتار ولم ينتظر حتى يصلوا إليه، وسجل له إيمانه واستقتاله، فحينما رأى كثرة العدو، وتواضع جيشه أمامهم، رمى بدرعه، وخوذته، علامة على أنه يقاتل للموت، واندفع أمام جنوده صائحاً: وا إسلاماه فكان النصر!!. سجل التاريخ أن إيمان الأمم بحقها في الحياة، يحطم أقوى الجيوش، ويمزِّق طغيان الجبابرة، ولو اجتمعوا جميعاً. وصدق الله العظيم: "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل 173 فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم" 174 (آل عمران). نقلا عن المجتمع المصدر: موقع مسلمة | |
|
| | رقم المشاركة : 4 (permalink) | |
| |
| |
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| السقوط, تنافس, علي |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
|
|
| RSS RSS 2.0 XML MAP HTML |