تفريغ المحاضرة الأولى في تفسير سورة طه من تفسير ابن كثير
لأبي الفداء اسماعيل بن عمر بن كثير رحمه الله
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له، واشهد ان لااله الا الله وان محمدا عبده ورسوله بلغ الامانة وادى الرسالة ونصح الامة وجاهد في الله حق جهاده ، اللهم صلى وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين
أما بعد : فإن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وإن شر ألامور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
أسأل الله الذى جمعنا فى هذه الدنيا الفانية على هذه الشبكه الصغيره أن يجمعنا فى جنة عاليه قطوفها دانية وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح ويعلمنا ماينفعنا وينفعنا بما علمنا وان يزيدنا علما إنه سميع قريب
أما بعد :
إن التفسير علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وإن الحاجه ماسة لهذا العلم فهو من أعظم العلوم وأفضلها .
أنزل الله القرآن ليكون منهج حياة وليكون دستور لنا فى معاشنا ومعادنا من حين أنزله وحتى يرث الله الأرض ومن عليها ففى القرآن الكريم الفلاح والنجاح
وهو شفاء لما فى الصدور .وقال الحافظ ( ابن كثير ) : فى مقدمته إن خير ما يفسر القرآن بالقرآن , ثم بالسنة ,فأن لم يوجد فبأقوال الصحابة , ثم أقوال التابعين وعلماء السلف رحمة الله عليهم .
.نبدا على بركة الله بشرح تفسير ابن كثير رحمه الله لسورة طه ، قبل أن نبدا بسورة طه نود أن نذكر بعض التناسب بين سورة مريم التي سبق شرحها وسورة طه :ـ
1- سورة مريم بدأت بالأحرف المقطعة أو المفردة وهي كهيعص, وكذلك سورة طه بدات بالأحرف المفردة وهي الحرفان طه فتشابهت السورتان في هذا الجانب.
2- في سورة مريم ذكر الله سبحانه قصة نبيه عيسى عليه السلام وهو خاتم أنبياء ورسل بني اسرائيل , وفي سورة طه ذكر الله سبحانه قصة سيدنا موسى عليه السلام وهو أول رسل بني اسرائيل.
ـ 3- الأهم من ذلك كله هو المحور الذي دارت عليه السورة أو موضوع السورة , فسورة مريم دارت حول محور معين وهو اثبات ان عيسى نبي الله ورسول الله حيث أن قومه أعلوه الى درجة الألوهية فأعاده الله بقوله ( قال اني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا اينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ). وسورة طه ذكر فيها ان الكافرين من اهل مكة نزلوا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من درجة النبوة وأدعوا انه مفتر وأنه يأخذ الكلام عن جني أو ساحر وأنه مجنون , وأنه شاعر , كما ورد في آيات كثيرة .....كما نزل بنوا اسرائيل بموسى وآذوه وحاولوا قتله فالله تعالى بين وابرز مكانة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم العظيمة و مقامه الرفيع ،كما رفع موسى بقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لاتكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها )
سورة طه جاءت في القران الكريم بهذا الاسم ،واسماء سور القرآن الكريم توقيفية أي أن الله سمى سور القرآن الكريم وأوقفنا عليها فلا يمكن لنا ان نغيرها او نبدلها أو نتقدم عليها أو نتأخر, ولكن بعض العلماء أو المفسرين أحيانا يقولوا سورة كذا او سورة كذا على سبيل بيان أمر معين كما في سورة طه قالوا عنها انها سورة موسى لأن فيها تفصيل لقصة موسى عليه السلام ,ومنهم من سماها سورة الكليم لأن موسى كليم الله , ولكن هذه التسمية لم تثبت في المصاحف والتسمية التي ثبتت في المصاحف هي سورة طه وهذا هو الأسم التوقيفي لها.
اختلف العلماء في عدد آيات السورة منهم من عدها 143ومنهم من عدها 132وهذا الإختلاف لايعني ان السورة فيها زيادة أو نقصان في عدد الايات , لا أبدا , بل نص آيات القرآن وكلماته السور ثابت مافيه لازيادة ولانقصان ولكن الإختلاف فقط في العد وسبب الأختلاف هو :ا
ـ 1- بعضهم اعتبر الحروف المقطعة في بداية السور مثل ألم , طه , كهيعص آية مستقلة , وبعضهم راى أنها حروف لاتستقل بكونها آية فهذا احدى اسباب اختلاف العدد.
ـ 2- االبسملة حيث ان كل سورة من سور القرآن الكريم تبدا بالبسملة عدا سورة التوبة ( براءة) , فاختلف العلماء في البسملة هل تعتبر آية وتعد ضمن آيات السورة أم لا , فمنهم من عدها آية ومنهم من لم يعدها فاختلف العدد.
ـ 3- االوقف الذي كان يقفه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أثناء تلاوته , اختلف العلماء هل كل وقف يعتبر آية أم لا. فمنهم من عد كل وقف وقف عليه صلى الله عليه وسلم آية فزاد عليه عدد الآيات, ومنهم لم يعتبر كل وقف آية , حيث كان صلى الله عليه وسلم يقرا قراءة تتوقف أو تتجه الى بيان المعنى فربما قرأ آية مستقلة ووقف عند نهايتها ، وربما قسم الاية الى جزئين , وربما قرأ آيتين معا في قراءة واحدة .هذه الأسباب كانت سبب اختلاف االعلماء في عد الآيات في السور.
وسورة طه سورة مكية نزلت قبل الهجرة وهي كباقي السور المكية تناقش قضايا ذات طابع خاص تناسب المخاطبين في ذلك الوقت وتناقش قضايا معينة وفكرا معينا وأحداثا مخصوصة تناسب البيئة والمخاطب وطبيعة معاملته ومقابلته للقرآن النازل عليه في العهد المكي، فالاغلبية في ذلك الحين كانوا كفارا جريئين منكرين للحق والدعوة والرسالة بشكل صريح وجريء . اما في العهد المدني فقد كان طابع السور المدنية ملائما لطابع الناس في تلك المرحلة فقد كان الناس ينقسمون مابين مسلم يقول:سمعنا واطعنا ، وما بين منافق يقول :سمعنا وفي باطنه يخفي الكفر.وكان بني اسرائيل يتظاهرون بموافقة الحق وقلوبهم منكرة وجاحدة ,فسورة طه كانت مكية تراعي الأحوال والأوضاع الموجودة في العهد المكي .
فضل سورة طه : هل لسورة طه خاصية من بين السور ؟
أثبت الله لبعض السور فضائل مخصوصة ، كسورة النور قال تعالى في شانها ( سُورَةٌ أَنزلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) هذا تكريم وتشريف من الله عز وجل لهذه السورة , وكل سور القرآن الكريم الله أنزلها و وذكر فيها أحكام وجعل فيها آيات بينات ، لكن الله عز وجل خص سورة النور بالذكر فهو شرف وفضل زائد لهذه السورة. كما أن الله تعالى ذكر سورة الفاتحة ايضا ذكرا خاصا مع ذكر عمومها كما قال سبحانه وتعالى ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87))الحجر. فلو قال الله عز وجل ولقد أتيناك القرآن العظيم لكان كافيا بشمول الفاتحة بعموم القرآن الكريم ولكنه خص سورة الفاتحة بالذكر مما يدل على شرف سورة الفاتحة . كما بين رسولنا صلى الله عليه وسلم فضل بعض سور القرآن الكريم وخصائصها كخصائص سورة البقرة وآل عمران وسورة الصمد والمعوذتين والزلزلة و.....
فالسور التي لم يذكر القرآن ولا السنة شيئا من خصائصها وفضلها لايدل على أنها مفضولة ,وأن سور القرآن بينها الفاضل والمفضول ، فالقرآن الكريم كله فاضل وما فيه سورة كذا أفضل من كذا ، كله كلام الله . وكلام الله أعلى وأشرف وأعظم كلام وأحسن حديث تكلم به عز وجل ( الله نزل أحسن الحديث) وكله نقرأه ونتعبد به وسورة طه سورة من سوره وشأنها كشان القرآن الكريم من الشرف والتفضيل فمن قرأ حرف من القرآن فله بكل حرف حسنة . لاأقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف كما جا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرا حرفا من كتاب الله فله حسنة ، والحسنة بعشر امثالها لا اقول : الم حرف ، ولكن : الف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف" رواه الترمذي
هدف السورة : الهدف الاساسي والمجمل لهذه السورة تركيز أصول الدين "التوحيد، والنبوة، والبعث والنشورو اثبات نبوة وصدق رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالادلة وتدور هذه السورة على موضوعات ومحاور ثلاث هي كالتالي :
ـ 1- تبدا السورة باثبات رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بما يؤكد ذلك من اخبارا كما تظهر السورة شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، في شدّ أزره، وتقوية روحه، حتى لا يتأثر بما يُلقى إليه من الكيد والعناد، والاستهزاء والتكذيب، ولإِرشاده إلى وظيفته الأساسية، وهي التبليغ والتذكير، والإِنذار والتبشير.
ـ 2- ثم ياتي بعد ذلك عرض لقصص الأنبياء، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتطميناً لقلبه الشريف، فذكرت بالتفصيل قصة "موسى وهارون" مع فرعون الطاغية الجبار، ويكاد يكون معظم حديث السورة عنها وعرضها عرضا مفصلا بما يشير بان رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبعثته ليست عجبا ولا بدعا من القول وانما هي حلقة موصولة بالرسالات السابقة كما قال تعالى في سورة الاعلى " إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولى* صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى " فدين الله واحد هوألأسلام وهو الاستسلام لله بالشريعة التي فرضها ,ويتضح فيها موقف المناجاة بين موسى وربه، وموقف تكليفه بالرسالة، وموقف الجدال بين موسى وفرعون، وموقف المبارزة بينه وبين السحرة، وتتجلى في ثنايا تلك القصة رعايةُ الله لموسى عليه السلام نبيّه وكليمه، وإِهلاك الله لأعدائه الكفرة المجرمين.
ـ 3- يعرض لنا المولى جلا وعلا فيها قضية البشرية مع الوحي ، لماذا يوحي الى البشرية ؟ ومادور هذه البشرية تجاه الوحي ثم يذكرنا المولى في اشارة سريعة ومختصرة لقصة ابينا ادم عليه السلام ، برزت فيها رحمة الله لآدم بعد الخطيئة، وهدايته لذريته بإِرسال الرسل مبشرين ومنذرين، ثم ترك الخيار لهم لاختيار طريق الخير أو الشر.وكيف ادخله الله الجنة وعرض عليه الامر والنهي ، وكيف ان الله سبحانه وتعالى احل لادم الاكل من كل الطيبات ماعدا شجرة واحدة معينة . فعلى ماذا يدل هذا ؟؟
ـ 1- يدل هذا على ان الحق سبحانه برحمته وحكمته جعل الحلال كثير والحرام قليل ، وقدر لادم على غيره من البشر ان يخطا وياكل من الشجرة التي نهاه الباري عز وجل عنها فلماذا ذلك ؟؟
ـ2- اقتضت حكمته سبحانه ذلك الامر حتى يعلمنا ان الذي يوقعنا في الشر والعصيان هو الشيطان بوسوسته واغوائه . واراد سبحانه ان يوضح لنا كيف ننهض من كبوتنا وذلك بالتوبة لقوله تعالى " فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) "البقرة
،ـ3- ويوضح لنا عز وجل انه خلقنا للجنة وليس للارض ،للاخرة وليس للدنيا ، فالله جعل الدنيا مزرعة الاخرة, وقد هيا الله لنا سبحانه كل الاسباب حتى ندخل الجنة بمنه وفضله وكرمه .
في ثنايا السورة الكريمة تبرز بعض مشاهد القيامة، في عبارات يرتجف لها الكون، وتهتز لها القلوب هَلعاً وجزعاً، ويعتري الناس الذهولُ والسكون {وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا}.ثم عرض ليوم الحشر الأكبر، حيث يتم الحساب العادل، ويعود الطائعون إلى الجنة، ويذهب العصاة إلى النار، تصديقاً لوعد الله الذي لا يخلف، بإِثابة المؤمنين وعقاب المجرمين.
وختمت ببعض التوجيهات الربانية للرسول صلى الله عليه وسلم في الصبر وتحمل الأذى في سبيل الله حتى يأتي نصر الله.
أسباب النزول : لايشترط لكل اية ان يكون سبب لنزولها , والله عز وجل جعل لنزول القرآن كله سبب عام وهو هداية الخلق واعجازهم واثبات عجزهم عن الإتيان بمثل هذا القرآن ,وأن يتعبدوا ويتقربوا الى الله به ,وقد نزلت بعض السور أو بعض الايات لأسباب خاصة كان لله حكمة فيها وهذا يكثر في آيات الأحكام ليعلمنا الله تعالى الحكم بطريقة عملية لحادثة مخصوصة وهذا اسلوب تربوي نستفيده من القرآن الكريم..
طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)
قوله تعالى "طه " من الحروف المتقطعة التي سبق شرحها,وقيل هي حروف مفردة ابتدا بها الحق سبحانه السورة ،كما في قوله "ألم "وقوله "ص" و" حم"،للتنبيه إلى إعجاز القرآن،و كونه معجزة للنبى - صلى الله عليه وسلم - دالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه ,وقيل سميت "سورة طه" وهو اسم من أسمائه الشريفة عليه الصلاة والسلام، تطييباً لقلبه، وتسليةً لفؤاده عما يلقاه من صدود وعناد، ولهذا ابتدأت السورة بملاطفته بالنداء {طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}. وقيل : إن هذا اللفظ بمعنى يا رجل فى لغة بعض قبائل العرب ,وقال ابن عباس: معناها يا رجل.
وقال بعض المفسرين لو كانت هذه من اسماء لرسول صلى الله عليه وسلم لقالوا "كهيعص" اسم من ولقالوا "حم" اسم من ....وورد في الصحيح ان النبي صلى الله عليه وسلم عد له اسماء فقال " انا محمد وانا احمد وانا الماحي يمحو الله بي الكفر ، وانا العاقب فلا نبي بعدي وانا الحاشر يحشر الناس على قدمي يوم القيامة " ورسول الله لاينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى ولم يرد انه سمى نفسه باحد هذه الاسماء ولم يرد عن االصحابة رضوان الله عليهم في ندائهم للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، بل كانوا ينادونه يانبي الله ويا محمد ,والله تعالى أعلى وأعلم .
استهل الحق سبحانه السورة بخطاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم أراد الحق سبحانه ان يخبره خبرا صحيحا صادقا وبقضية مسلمة لا خلاف فيها وهي صدق نبوته صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه " طه " مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى" قوله سبحانه" لِتَشْقَى" من الشقاء و الشقاوة ، واصل هذه الهمزة من الواو وهو فرط التعب من العمل ، من عمل وكد وتعب فقد شقي ، يشقى بعمله وهذا شقاء عضلي, اما الشقاء المعنوي فهو غم وهم يصيب النفس ويكون في القلب فيتعب البدن بناءا على ذلك .اي هذا القران نزله الله سبحانه لرفع الشقاء والتعب عن البدن والقلب،فالله سبحانه وتعالى يبين لنا في هذه الاية حكمة انزال القرآن الكريم وانه لم ينزل شقاءا للبشرية بل سعادة لكل من يعمل به في الدنيا والآخرة.
ومعنى الآية: ما أنزلنا عليك يا محمد- أيها الرسول الكريم- القرآن لتشقى به إنما أنزلناه رحمة وسعادة و ما أنزلناه لكى تتعب وتجهد نفسك هما وغما بسبب إعراض المشركين عن دعوتك ، كما قال - تعالى - : ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً ) وإنما أنزلناه إليك لتسعد بنزوله ، ولتبلغ آياته ، ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، فأنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب , ومنهم من يرى أن المقصود بالآية النهى عن المغالاة فى العبادة ، فقد أثر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قام الليل حتى تورمت قدماه فيكون المعنى : ما أنزلنا عليك القرآن لكى تهلك نفسك بالعبادة ، وتذيقها ألوان المشقة والتعب ، فإن الله - تعالى - يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ، وما جعل عليكم فى الدين من حرج . و رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه القرآن صلَى هو وأصحابه، فأطال القيام حتى تورمت قدماه فقال له جبريل : أبق على نفسك فإن لها عليك حقا ، أى : ما أنزلنا عليك القرآن لتنهك نفسك فى العبادة ، وتذيقها المشقة الفادحة ، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة . . وقالت قريش: ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى فكانت الآية ردا على المشركين ، الذين قالوا : ما أنزل هذا القرآن على محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا ليشقى ، فيكون المراد بالشقاء ما هو ضد السعادة .
وقد ذكر الأمام ابن كثير رحمه الله في رواية أشار الى ضعفها أن سبب نزول قوله تعالى : "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" قالت قريش لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم لإنك لتشقى بترك ديننا اي دين الجاهلية لما رأوا من عبادته وقيامه الليل وان دينهم دين يدعوا لترك العمل والنوم والكسل فنزل قوله تعالى ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ..قوله تعالى : " إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى " بيان للحكمة التى من أجلها أنزل الله - تعالى - هذا القرآن .أي ما أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن لتتعب من فرط تأسفك على كفر الكافرين ، وإنما أنزلناه من أجل أن يكون ( تَذْكِرَةً ) أى موعظة تلين لها قلوب من يخشى عقابنا ، ويخاف عذابنا ، ويرجو ثوابنا . وهو المؤمنُ المستنير بنور القرآن .
وما دام الأمر كذلك فامض فى طريقك ، وبلغ رسالة ربك ، ثم بعد ذلك لا تتعب نفسك بسبب كفر الكافرين ، فإنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء, وخص - سبحانه - التذكرة بمن يخشى دون غيره ، لأن الخائف من عذاب الله - تعالى - هو وحده الذى ينتفع بهدايات القرآن الكريم وآدابه وتوجيهاته وأحكامه ووعده ووعيده . . كما قال - تعالى - : ( فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ ) وكما قال - سبحانه - : ( إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ) أى : الساعة . والتذكرة هي استظهار ما في الباطن من امور قد نسيها الإنسان , وهنا القرآن الكريم يذكرنا بالفطرة التي فطرنا الله عليها وكأننا نسيناها ولم ننتبه لها فالله تعالى جعل في كل واحد فطرة يهتدي بها الى عبادة الله وحده ، لكن البيئة ومظاهرها وعواملها تنسي هذه الفطرة ، والله تعالى انزل القران ليذكرنا بهذه الفطرة ويبين لنا ان ديننا يتجاوب مع الفطرة دائما . ونحن نعلم قصة الشاب الذي جاء يطلب من رسول الله ان يبيح له الزنا فاجابه الرسول صلى الله عليه وسلم بمايذكره بفطرته السليمة : اترضاه لامك ؟؟ اترضاه لاختك ؟؟........فيجيب الشاب بفطرته :لا، لا ، لا....وجاء النهي القراني عن الزنا متجاوبا مع هذه الفطرة فقال تعالى " وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا " الاسراء. وعندما حدث النبي صلى الله عليه وسلم الشاب بالزواج راى ان فطرته تتجاوب مع ذلك .اذن فالسنة والقران يذكران الإنسان بما فيه من الفطرة السليمة التي غمتها العوامل المحيطة بنا.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء " رواه مسلم. وهذا دليل وااضح على ان البيئة المحيطة بنا هي من تؤثر علينا وتغم على فطرتنا السليمة.
قوله سبحانه " لِمَنْ يَخْشَى " الخشية يغلب عليها معنى الخوف فيقال خشي الله اي خافه وهي في الحقيقة ليست الخوف ، معناها اعمق من ذلك وهو حسن التقدير للاشياء بما يؤدي الى حسن الانتفاع بها .والله تعالى عندما ارسل موسى الى فرعون قال "اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18 وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) " النازعات ،فهل الخشية هنا معناها الخوف ؟؟ وهل الله سبحانه يرسل الانبياء يدعون الناس للتخويف من الخالق ؟؟؟. فرعون كان يؤله نفسه ، ويعبد الهة اخرى في خفية عن الناس قال له وزراءه " أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك " وكان يقول لهم " أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى" النازعات ، ويقول "يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي"الاية القصص ، لم يكن فرعون يعلم علما حقيقيا عن الله أنه هو الإله الأوحد والرب الأعلى غابت عنه هذه الحقائق بتكبره وطغيانه وتجبره فلو أحسن وعرف تقدير الأشياء لقدر الله حق قدره وبحسن تقديره ستكون عنده الخشية من الله لكن سبحان الله غاب ذلك عنه بطغيانه . فالله تعالى عندما بعث موسى جاء ليزيل الغشاوة التي كانت على عيني فرعون ، ففرعون إن عرف الله ،أحسن تقديره وخشيه ، فالخشية اذن هي حسن التقدير للاشياء عن علم ومعرفة تؤدي بنا الى حسن التعامل مع كل شيء واعطاء كل ذي حق حقه.
ثم يبين لنا سبحانه وتعالى مصدر هذه الرسالة بقوله " تَنزيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا" أي أنزله خالقُ الأرض، ومبدعُ الكون، ورافع السماوات الواسعة العالية، والآية إِخبارٌ عن عظمته وجبروته وجلاله، قال أبو حيّان: ووصفُ السماوات بالعُلا دليلٌ على عظمة قدرة من اخترعها إِذ لا يمكن وجود مثلها في علُوِّها من غيره تعالى فالخالق هو الله سبحانه وتعالى لكل شيء وهو الذي نزل الرسالات السماوية السابقة وختمها برسالة القرآن الكريم الذي أنزله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . والعلا ، أى : المرتفعة . جمع العليا
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين