الطريق
أجتبي لحجرتي المتواضعة ذكريات أقبلت ترف علي بجناحيها مترددة أن تقتحم عالما أحاول أن أطوعه لأعيش بسلام .
وتأبى إلا أن تسرد لي متاهات تقادمت واتصلت بشخوص أعرفهم ويعرفوني .
لم يعد القلم الذي أكتب به ذاك الذي تعود علي بل على النقيض إنه يحتضن غياهب جب النسيان ليعود يقبع في قعر مغيب عمدا مني فلا أحتويه ولا يحتويني فما عندي اليوم أمر لا يدانيه أمر .
ولكني اليوم وجدت فسحة من سويعات ناشدتني أن أيقظي مارد الكتابة فليعيث فسادا في الورق بخربشاتك فلربما تنير بعضا من دلجات .
وأمسكت بقلمي بعد غياب أكثر من شهرين لم يكن شيئا بحساب الزمن فقد هجرته سنوات بطيب خاطر لما كان تغريد مهج الفؤاد أعذب عندي من وقع النقاط المنداة على صفحات كتبي .
أمسكته أسائل النفس ما ينفع وما يثبت حتى أخطه وكأني أكتب لأول مرة ويقفز أمامي عفاريت الأفكار بشقاوة الماضي وسرحات الحاضر لتقول لي خواطرك ... خواطرك .
وتبسم القلم وارتاح بين غيوم الفكر الملبدة ليمطر عصفا ذهنيا وسطر البسملة ليقف ... وبعدها حائرا
أين الطريق ؟
مراحل أنت يا نفس تتشبعين بسرد وقول وخط وما أن تستقر روحك على أول الطريق إذا بك تنظرين وراء وحواليك وأمامك وتتساءلين ؟؟
من أختار ؟
متاهة فكرية تعصف بحروفك فإذا بها تتطاير على أديم وسماء وترتفع معلنة استسلاما لتوهة .
وأنظر للقلم وأتساءل أتراك يا قلمي بريد قلبي أم عقلي ؟
أتراني أكتب ما يحلو و يروق لي ولغيري أم أن الأمانة المعقودة بناصيتك مهملة حينا مني ؟
أتراك سترحل عني لأني قد استبدلتك بأجل ما يستبدل ووقتك صار عندي لأمر أعظم وأعمق ؟
أترى الطريق الجديد ليس به تحويلات ولا استراحات ولا حدائق فكرية بها قليل من زهيرات صغيرة أنثرها أصاحب الغير فيها ويصاحبني ليحلو السمر مع أهل الخير ؟
أم ترى أن أهل الخير نأوا وساوموا علينا فصرنا أرخص من تواجدهم وصاروا طيورا بجناحي رغبة بعد ؟
أم ترى أن طريقنا الجديد ليس إلا امتدادا لما قدم وبنيانه الذي شمخ فاستظلت النفس بفيء الإقبال على الكنز الذي طالما بحثنا عنه ؟
الطريق ........ وطريق كل منا مرسوم لنا وعليه ترب ما أن يزول عن عيوننا غبش الدنيا حتى نرى هذا الترب قد بات هباء وينكشف غيب مقدر لنا وتزهو بصيرتنا لنرى حقا كيف نسير ؟
الطريق ....... هو ما بحثت عنه مرارا وظننته في تفرعات جزئية فلما توضح أنه بوسع جغرافية الدنيا كلها ازداد همي وناوشتني ظنون الفروع وطغيان السفاسف على الأصول فدققت وتد خيمتي في أول المسافات فاخضرت واحتي وازدان طريقي ينتظر مني خوضه بتؤدة .
الطريق ..... كبدو رحل حملت أخف ما بدنياي بقلبي وتلفت حوالي لأسافر بزادي الدنيوي القليل فطارت بي الجوارح وبسطت لي المهاد وكيف لا والطريق هو لله .!
وكيف لا وقد أنس القلب بالله فصار رفيق سفر بدنيا وقبلة دمعة في سجود ومن له الخفقات في تلاوة آيات .
الطريق ...... لا يحتمل إلا أهل الخير ويصبح رمالا متحركة يبتلع من عداهم
فلتحمل يا طريقي معي من أراد السير وذكرني بخطواتهم لما تكون لله فنكون كلنا على الطريق ......