الكلام عن الصبر يطيب ، كيف لا وهو يبين لنا من خلاله معادن الناسِ ، وقوة إيمانهم ، وصبرهم ورضاهم بما قسمه الله وقدره .
والله لو نطق الصبر لقال : هذه هي الصابرة ... لطالما وصفت المرأة بالجزع والهلع
لكن مع الإيمان ينتقل ذلك إلى صبرٍ ورضا
امرأتنا هذه ، لها مع الصبرِ شأن عجيب !!!!!!!!!
تقول إحدى الأخوات في رسالتها :
هي قصة لامرأة وقفت على فصولها
هذه المرأة تزوجت
وانتظرت أكثر من عشرين عاماً ، تنتظر على إثر ذلك ريحانةً لقلبها ، تنتظر مولوداً يشنف سمعها بلفظ الأمومة
ولكن
لم يقدر الله تعالى لها من ذلك الزوج أولاداً
طلبت الانفصال عن هذا الزوج ، ، مع حبها الشديد له ، لكن عاطفة الأمومة لديها سيالة
انفصلت عن زوجها وتزوجت بآخر ، فوهبها المنعم المتفضل بعد طول مدةٍ مولوداً ذكرا
وفي أثناء حملها ، طلقها هذا الرجل
فوضعت حينها قرة عينها ، بعد طول ترقب وانتظار ، وحينها تقدم لها الكثير من الخطاب ، ولكنها رفضتهم جميعاً لتربي ولدها
عكفت على تربيته ، لقد علقت فيه آمالها ، ورأت فيه بهجة الدنيا وزينتها
انصرفت إلى خدمته في ليلها ونهارها
غذته بصحتها ، ونمته بهزالها ، وقوته بضعفها
كانت تخاف عليه من رقة النسيم ، وطنين الذباب
كانت تؤثره على نفسها بالغذاء والراحة
أصبح هذا الولد قلبها النابض ، تعيش معه وتأكل معه ، وتشرب معه ، تؤنسه ، تمازحه ، تنتظره وتودعه ، حين يذهب في المجالس وبين الأقارب يحلوا لها الحديث بطرائفه ونوادره ،
تهب البشائر والأعطيات لكل من يبشرها بنجاحه أو قدومه من سفره ، ولما لا وهو وحيدها وثمرة فؤادها .
تعد الأيام والشهور لترى فلذة كبدها يكبر رويداً رويدا ..
كبر ذالك الطفل ، وأصبح شاباً يافعا ، واستوى عوده ، واشتد عظمه
كانت تقف أمامه مزهوة شامخة
كانت تجاهد على إعانته على الطاعة ، كيف لا
وهي كما تقول الأخت :
عرفت منذ الصغر بطول قيامها وتهجدها
لا تدخل مجلساً إلا وتذكر الله
وتنهى فيه عن فحش القول أو البذاءة ،
وهي مع ذلك من أهل الصلاة والصدقة ،
لطالما تاقت نفسها أن تسمع صوت وحيدها يؤم المصلين في المسجد الحرام ،
لكم تمنت أن يجعل الله له شأن يعز به دينه ،
لقد كانت كثيراً ما تختلي بنفسها في أوقات الإجابة تدعو ربها ، وكم كان اسمه يسيطر على دعائها .
لا تنامُ إلا بعد أن ينام ،
ثم تقوم مرة أخرى وتدخل عليه لتعيد غطاءه ،
وتصلح حاله ، تفعل ذلك في الليلة الواحدة أكثر من مرة .
الله أكبر
مبلغ الحنانِ ومنتهاه ! أحسبُ أنكم تقولون كفى ، فقد أبلغتِ في الوصف والثناء ، لستِ والله بمبالغة ، فهذه حالها مع ولدها .
عزمت على تزويجه ،
لترى ولده وحفيدها ،
بدأت تبحث له عن عروس
ثم سعت إلى تقسيم منزلها إلى قسمين
العلوي له ،
والسفلي لها ،
دخلت عليه في يوم من الأيام كالعادة
نادته
لم يرد عليها
خفق قلبها
رفعت يده فسقطت من يدها ،
هزته بقوة ،
لم يتحرك ،
بادرت بالاتصال على قريب لها ،
حضر على عجل ،
فحمله إلى المستشفى ،
أحست أن في الأمر شيئا ،
لكنها على أمل ،
فماذا عملت ،
لقد كان من أمرها عجبا !!
توضأت ثم يممت شطر سجادتها ، وسألت ربها أن يختار لها الخيرة المباركة ،
وصلت ، وبعد سويعات ،
وإذا وحيدها قد مات ،
نعم ،
بعد أربعين سنة ،
عشرون سنة ترقبه ،
وأخرى مثلها تربيه ،
ضاع ذالك في لحظة واحدة ،
وما كان منها حينما بلغها الخبر ،
إلا أن قالت :
وحيدي مات ،
ثم استرجعت ،
ثم رددت كثيرا : الحمد لله ، الحمد لله ، الحمد لله.. ،
تقولها بثبات وصبر ، لم تندب ولم تصرخ ، ولم تشق جيباً أو تلطم خدا .
هذه هي ثمرة الإيمان تظهر في أشد المواقف وأصعبها وأحلكها ،
كان وقع الصدمة شديداً على كل من عرف ،
بعض قريباتها يبكين أمامها ليس لفقد الولد ، ولكن رأفةً بحالها ،
كانت تنهاهن بحزم وهدوء ، وتقول بلهجتها : ما هذا الخبال ، ربي أعطاني إياه ، أنا راضية والحمد لله أنها لم تكن في ديني .
لله أكبر ، لقد ضربت أروع الأمثلة في الصبر والرضا ، إلا أن بعض النفوس الضعيفة ، من اللاتي يجهلن التسليم والرضا بالقدر ، لم يستوعبن موقفها ،
فمن قائلة : لعلها أصيبت بحالة نفسية ،
ومن قائلةٍ : هي ذاهلة ولم تستوعب بعدُ وفاته ،
وفي تلك الليلة التي مات فيها فلذة كبدها ، حان وقت طعام العشاء ،
فكان من أمرها عجبا ،
امتنع الكثير عن تناوله ،
[color=#3300ff]أما هي فقد مدت يدها إلى الطعام وهي تقول : والله ليس لي رغبة فيه ، ولكني مددتُ يدي رضا بقضاء الله وقدره
[/color].
الله أكبر ، ما أعظم موقفها ،
لقد كانت تشعر بالحرقة ، لكن على سجادتها بين يدي ربها تناجيه وتدعو لوليدها
، نعم ،
فقدت فلذة كبدها ،
لكنها في الوقت نفسه المؤمنة الراضية ،
لقد حول صبرها ورضاها مع حسن ظنها بالله تعالى حول هذه المحنة إلى منحة ، حينها يكون لها حسن العقبى في الدارين بإذن الله " ...
منقول