لنعد يا أحبتي إلى الحب الأصيل ..
رحلة امتدت من سنين عدة في شعاب الفكر ... حملت في موكبها رهط من العذاب والألم , وتجلى في ظلالها تجربة مريرة لم تحمل في صميم روحها إلا العطاء والحب والصدق ...
أجل والله !!..
أجل إنها تجربة مريرة مع من لا يعرفون معنى للوفاء والصدق والحب !!..
تجربة مريرة مع أصحاب قلوب مريضة وأرواح خاوية لا تعرف سوى الحقد والضغينة والكره ..
ومع ذلك لا زال هناك كون حيّ في ذات الروح يود أن يتجه إليه روح الأمانة , ويستجيب له فلتة الفكر وثقة النفس وأمانة الروح .. وهي تأمل أن تمضي في طريقها – رغم العذاب والضنى – ثابتة الخطى , مطمئنة الضمير , ولا تأمل الجزاء والثواب إلا من الله خالق الخلق ....
فلم ترى من بد إلا أن تلجأ إلى رحمة الله وعدله , إلى حكمته ومشيئته , إلى عفوه وحبه لتجد الملاذ الآمن في رعايته وكنفه ..
يد الله في كل حادثة , وفي كل سبب .. نحيا في كنفه , وننضوي بين رعاية عفوه ,
و كل ما يصيبنا من ابتلاءات ومصائب ليمحص الله القلوب النظيفة , ويمحق القلوب الحاقدة ....
قد يخطر له ذات المحب أن الطريق التي يسلكها مع الصدق والحب طريقا عسوفا , لكنه ما عليه إلا أن يعلم أن الطريق كبير وشاق للوصول إلى نقاء الهدف ...
مادامت فروعه قد تتطاولت بالإيمان وتشابكت مع أغصان الصدق , وأينعت ثماره من الحب لتضرب بجذورها إلى باطن الأرض ومن ثم تنبت منه منابع الإخلاص والصدق -بعيدا عن أي آفة أو شائبة - وتتجمع في بوتقة صميم القلب ولا يمكن لها أن تذهب تلك المعاني السامية هباءا منثورا بعد أن سكنت في جوارح القلب ...
ما يحمله القلب هو أصل ثابت قد فطره الله عليه , وهو ثقة عميقة وواضحة دون لبس أو غبش , ولم تسكب من الخيال والوهم , بل جاءت متدفقة من سورة الحق
وهدي الإيمان ومعاني الحب والإحسان للأخ الإنسان ...
وبعد تلك الحقيقة الصريحة التي أينعت ثمار حبها في آفاق القلب , ووصلت إلى أقصى حدود صدق المشاعر والطبع , وبعد كل هذه الانفعالات الصادقة والعواطف الأمينة , وبعد أن أصبحت شجرة سامقة لا يهزها أعاصير الحقد والبغض هل من الممكن أن يتخلى عنها هذا المخلوق البشري ؟؟...
كيف له يتخلى عنها وقد أقام صرحها باللبنات المتماسكة الصلدة من معنى الإيمان وهدي الصدق ...
لكن هناك سؤال يراود الذهن .. قد نرى كل ما حولنا لا يهمه سوى أن يدوس ويحطم كل معاني الإخلاص والصدق , ويفسد ويعطل ما في تمام القلب ؟؟...
ما على القلب في هذه الحالة إلا أن يجيد التميز ويعلن المجاهدة والصبر على كل أنواع الابتلاء والمشاق والصعوبات التي تعترض طريق الحب ..
فجأة وإذ بنا نرى أن الظلم والطغيان والفساد قد أصبح سيدا وهو يسعى إلى أن يوصد كل الأبواب التي تودي إلى الإخلاص والصدق ومعاني الهدي من كتاب الرحيم الرحمن ....
لا أدري ما أقوله الآن !!!..
لا أدري ما أطلقه وأتحدث به !!!..
فما يجول في الفكر التهاب حار لا يطفئه إلا من خلقه وأحسن خلقه ...
حاولت كثيرا أن أنطلق إلى ما وراء هذا , ولكن لا أكاد أن أصل إلى نقطة ما حتى أعود إلى ما كنت عليه من ذي قبل ..
دائرة أبوابها موصدة من كل حدب وصوب مع هذا العالم ليجعل من الروح وكأنها طائر جريح ينتفض وهو يتلوى في مكانه من ألم ما يدور حوله ..
ولما كان هذا الأمر مع من لا يعرفون معنى للوفاء والحب والصدق , ليس والله أمامنا إلا أن نسعى للالتزام برابطة الإيمان وهدي القرآن , ولا سبيل للفرار من هذه الأوهاق إلا إليه , ولا مناص للتخلص من تلك القيود التي تطوق حياتنا إلا أن نلوذ بعالم الحق والهدي ..
لنعد يا أحبتي إلى الحب الأصيل ..
لنعد إلى المنهج القويم .. لنعد إلى الله خالقنا ومدبر أمورنا .. لنعد إلى الفطرة التي فطرنا الله علينا ..لنعد إلى المحبة الخالصة النقية لخالقنا ومدبر أمورنا وكاشف همنا ..
يا أرحم الراحمين !!!...
يا مجير المستغيثين !!!..
ما نتوق إليه ونأمله يا رب يتحرك مع كل قطرة من دمنا , ويتجه إلى كل خاطرة لتسعد بها أنفسنا ..
ندعوك يا حكم يا عدل أن تتولى برعايتك حالنا , ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا !!...
ندعوك يا رحيم يا ودود أن نحمل المودة والوفاء , ونبعد عنا مظاهر الخداع والكذب والنفاق ...
ندعوك يا رب أن تحفظ هذه المؤسسة الإنسانية المحتشدة في القلب , وأن لا تزغها عن طريق الحق والهدي والصواب ..
ندعوك يا الله إلى أن تبعد عن القلب كل آثام الحقد والبغض والكره , وأن لا نعمل مع بعضنا البعض إلا من خلال قول الله العزيز الحكيم :
(ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن , فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم , وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم )
ندعوك يا مثبت القلوب أن تثبت في فؤادنا تلك العقيدة المؤمنة , وترفع بالنفس إلى طريق الإيمان والحق , وتبعد عنها تفاهة البغض والحقد ..
ندعوك يا الله مع آناء الليل وأطراف النهار أن تلقي بظلال رحمتك وعدلك على صدق أمانة ما في القلب ..
يا رب إنك سميع مجيب