
دفـع فضـول الحـزن
لابن الجوزي
اعلم أن العاقل لا يخلو من الحزن؛ لأنه يتفكر في سالف ذنوبه فيحز على تفريطه، وفيما قال العلماء والصالحون فيحزن لفوته.
وبسنده إلى مالك بن دينار قال: إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب كما أن البيت إذا لم يسكن خرب
وبسنده إلى إبرهيم بن عيسى، قال: مارأيت أطول حزناً من الحسن، ومارأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة.
وبسنده إلىمالك بن دينار قال: بقدر ماتحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك.
وإذا قد تبين أن الحزن لا يزال ملازماً قلوب المتقين فينبغي أن يتقى إفراطه، لأن الحزن إنما يكون على الفائت، الذي يجب أن يستدرك.
وجاء في الحديث: " بقية عمر المؤمن لا قيمة له يستدرك فيه مافات" فإن كان المحزون عليه لا يمكن استدراكه لم ينفع الحزن، وإن كان دينا فينبغي أن يقاومه برجاء الفضل والرحمة ليعتدل الحال، فأما إذا كان الحزن لأجل الدنيا ومافات منها فذلك الخسران المبين فليدفعه العاقل عن نفسه، وأقوى علاجه أن يعلم أنه لايرد فائتاً، وإنما يضم إلى المصيبة فتصير اثنتين، والمصيبة ينبغي أن تخفف عن القلب، وتدفع، فإذا استعمل الحزن والجزع زادت ثقلاً.
قال ابن عمر: إذا استأثر الله بشيء فاله عنه ثم في الخلف عن الفائت مايسلى، فإن عدم مايسلى اجتهد في صرف ذلك في قلبه، وليعلم أن الداعي إلى الحزن الهوى لا العقل؛ لأن العقل لا يدعوا إلى مالاينفع، وليعلم أنه سيسلو بعد حين فليجتهد في تقديم المؤخر، وليرتح ما بين الزمانين، ومما يمحق الحزن العلم بأنه لا يفيد والإيمان بالثواب، ويذكر من أصابه أكثر من مصيبته .
يتبع ..