بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين .
وبعد ، فروى الإمام مسلم في صحيحه عن عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان. وكان عمر يستعمله على مكة. فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل، وإنه عالم بالفرائض. قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين.
قال القرطبي رحمه الله : قوله: «إن الله يرفع بهذا الكتاب» يعني: يشرّف ويُكرِم في الدنيا والآخرة، وذلك بسبب الاعتناء به، والعلم به، والعمل بما فيه. «ويضع» يعني يحقِّر، ويصغر في الدنيا والآخرة، وذلك بسبب تركه، والجهل به، وترك العمل به.اهـ
وقال الطيبي: من قرأه، وعمل بمقتضاه مخلصاً، لقوله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}، ومن قرأه مرائياً يضعه أسفل السافلين، لقوله تعالى: {والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو }
وروى أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان عن كثير بن قيس قال: كنت جالساً مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فجاءه رجل فقال: يا أبا الدرداء! إني جئتك من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جئت لحاجة، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر.اه
فإن العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة ما لا يرفعه الملك ولا المال ولا غيرهما، فالعلم يزيد شرفاً، ويرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك.
وما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ورثة الأنبياء» إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة. وهذا من أعظم المناقب لأهل العلم؛ فإن الأنبياء خير خلق الله، فورثتهم خير الخلق بعدهم، ولما كان كل موروث ينتقل ميراثه إلى ورثته إذ هم الذين يقومون مقامه من بعده، ولم يكن بعد الرسل من يقوم مقامهم في تبليغ ما أرسلوا به إلا العلماء، كانوا أحق الناس بميراثهم. وفي هذا تنبيه على أنهم أقرب الناس إليهم؛ فإن الميراث إنما يكون لأقرب الناس إلى الموروث.
فالله نسأل أن نكون من الذين يرفعهم علمهم على قلة بضاعتنا وضعفها.