بسم الله الرحمن الرحيم
- تلقي الصحابة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لقد عني المسلمون بالرواية عناية فائقة منذ عصر الصحابة ، على خلاف اليهود و النصارى فإنها لم تكن موجودة عندهم ، وما وجد لديهم في كتبهم من الروايات فهي غير متصلة بنقل العدل الضابط ، أو مشتملة على كذابين ومجاهيل.
فجيل الصحابة جيل فريد من نوعه ، فبهم حفظ الله هذا الدين . قال أبو زرعة الرازي ، من أجل شيوخ مسلم: إذا رأيت الرجل ينتقص أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حق والقرآن حق وما جاء به حق وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة.
من الطرق التي كان يستعملها الصحابة لتلقي العلم حضور مجالس النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا تعذر على أحدهم الحضور أناب عنه غيره ، كما ثبت في صحيح البخاري عن عمر قال :كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوما وأنزل يوما فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره وإذا نزل فعل مثل ذلك.
ومن تلك الطرق مذاكرتهم لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينهم ليرسخ في الأذهان ، كما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : كنا نكون عند النبي صلى الله عليه وسلم فنسمع منه الحديث فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه.
إلى جانب كثير من الحوادث التي كانت تقع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفتي فيها ،أو الأقضية التي يقضي بها فتنشر بين الصحابة رضي الله عنهم .
والذي ساعد الصحابة على تلقي الأحاديث وحفظها ملازمتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم .وقد كانوا متفاوتين في ذلك . ففي مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة أنه قال: والله يا أبا عبد الرحمن ما كان يشغلني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفق في الأسواق ما كان يهمني من رسول الله صلى الله عليه وسلم الا كلمة يعلمنيها أو لقمة يلقمنيها .
-احتياط الصحابة في قبول الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
درج الصحابة رضي الله عنهم من عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه على التحري و الاحتياط و التثبت في قبول الرواية خشية الكذب عليه صلى الله عليه وسلم لما روى الشيخان عن المغيرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن كذبا علي ليس ككذب على أحد فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
من تلكم الأمثلة على ذلك ما روى أبو داود وغيره عن قبيصة بن ذؤيب : أن الجدة جاءت في عهد أبي بكر تلتمس أن تورث فقال أبو بكر ما أجد لك في كتاب الله شيئا وما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر شيئا وسأسأل الناس العشية فلما صلى الظهر قام في الناس فسألهم قال المغيرة بن شعبة قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس قال هل سمع ذلك معك أحد فناداه محمد بن سلمة فقال قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس فأنفذ ذلك أبو بكر.
وعلى هذا النهج سار عمر رضي الله عنه . ففي الصحيحين وغيرهما عن عن أبي سعيد الخدري قال :كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت فقال ما منعك ؟ قلت استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع ) . فقال والله لتقيمن عليه بينة.وفي رواية: لئن لم تأتني على هذا ببينة لأجعلنك نكالا. وفي رواية:فوالله لأرجعن ظهرك. أمنكم أحد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أبي بن كعب والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك.وفي رواية: فقال أبو موسى والله إن كنت لأمينا على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أجل ولكن أحببت أن أستثبت .وفي رواية : فقال له عمر : إنا لا نتهمك ولكن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد.
وكذلك علي رضي الله عنه ، ففي سنن ابن ماجة وصححه ابن حبان عن علي بن أبي طالب قال:كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ينفعني الله بما شاء منه . وإذا حدثني عنه غيره استحلفته . فإذا حلف صدقته.
وكذلك سائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
والله تعالى أعلم.
أختكم في الله أم الفضل