بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله .
أما بعد، فإن كتب الحديث بما حوت من سماعات وإجازات ومناولات شاهدة على تضلع كثير
من النساء بعلم الحديث وروايته، وطافحة بشهادة فضلهن في التدريس والتعليم .
فإذا رجعنا إلى التراجم والسير كالاستيعاب لابن عبد البر و أسد الغابة لابن الأثير والطبقات الكبرى
لابن سعد وسير أعلام النبلاء للذهبي والإصابة لابن حجر وتاريخ دمشق لابن عساكر وغيرها كثير ،
نجدهم قد خصصوا قسما كبيرا منه في تراجم النساء العالمات والمحدثات والفقيهات ، على اختلافهم
في طريقة الترتيب.
وأول تلك النساء بلا منازع هي السيدة عائشة رضي الله عنها باعتراف الجميع ، فقد عدت من المكثرات
في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . والمكثرون في الرواية عن رسول الله سبعة ،
قال بعضهم :
سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا ….من الحديث عن المختار خير مضر
أبو هريرة سعد جابر أنس …. صديقة وابن عباس كذا ابن عمر.
قال الزهري : لو جمع علم عائشة بعلم جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وجميع النساء
كان علم عائشة أكثر ، وفي رواية : أفضل.
وتعد عائشة من أبرع الناس في القرآن والحديث والفقه والشعر وأحاديث العرب وأخبارهم
وأيامهم وأنسابهم. وكان الناس يزورونها للتفقه في الدين ، فتخرج على يدها أمم لا تحصى من الرجال و
النساء.وممن تتلمذ عليها عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصارية المدنية .قال القاسم بن محمد
لابن شهاب : يا غلام أراك تحرص على طلب العلم أفلا أدلك على وعائه ؟ قلت :بلى.قال : عليك
بعمرة فإنها كانت في حجر عائشة . قال : فأتيتها فوجدتها بحرا لا ينزف. قال ابن المديني : عمرة
أحد الثقات العلماء بعائشة الأثبات. وحديثها كثير في دواوين السنة.
وبالإضافة إلى عائشة رضي الله عنها نجد أم سلمة وميمونة و أم حبيبة وحفصة وأسماء بنت
أبي بكر وأسماء بنت عميس وغيرهن كثير رضي الله عنهن ، كلهن عرفن بالرواية عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
ومن الشهيرات بعلم الحديث كذلك الفقيهة حفصة بنت سيرين من سيدات التابعين، و السيدة
العالمة معاذة بنت عبد الله العدوية، والفقيهة الكبيرة أم الدرداء الصغرى واسمها جهينة الدمشقية ….
ولا ننسى ونحن نتكلم عن المحدثات أن نذكر راوية البخاري العالمة الصالحة كريمة بنت
أحمد المروزية (ت463ه)، التي اعترف لها علماء الجرح والتعديل بفضلها وسبقها في تدريس
صحيح البخاري ، حتى أوصى محدث هراة أبو ذر الطلبة أن لا يأخذوا الجامع الصحيح إلا منها.
قال أبو بكر بن منصور السمعاني : سمعت الوالد يذكر كريمة ويقول : وهل رأى إنسان مثل كريمة.
وممن روى صحيح البخاري من النساء كذلك فاطمة بنت محمد (ت539ه) وشهدة بنت أحمد (ت574ه)
وزينب بنت عبد الرحمن(ت615ه) وشريفة بنت أحمد النسوي ، وست الوزراء بنت عمر (ت716ه).
ومما يذكر في ذلك الشيخة الصالحة أم محمد عائشة بنت إبراهيم الدمشقية (ت741ه) زوجة المحدث
الكبير أبو الحجاج المزي ، وكان الحافظ ابن كثير زوج ابنتها ، سمعت من عدة علماء ، وكانت
تحفظ القرآن الكريم وتعلمه للنساء بالإضافة إلى الحديث النبوي .
ومنهم خديجة بنت الحافظ المحدث العراقي وزوجة المحدث نور الدين الهيثمي ، كانت تساعد زوجها
في مراجعة كتب الحديث .
ومما يذكر عن خاتمة أمراء المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر رحمه الله أنه كانت له عناية كبيرة
في تدريس أهل بيته الحديث النبوي حتى اشتهرت عائلته بذلك . منهم زوجته أنس بنت القاضي
كريم الدين ، فقد أسمعها زوجها من حافظ العصر عبد الرحيم العراقي الحديث المسلسل بالأولية وغير ذلك ،
وأجاز لها باستدعاء عدد من الحفاظ . وحدثت بحضور زوجها وقرأ عليها الفضلاء . وكان زوجها
يداعبها بقوله : قد صرت شيخة.
ومنهم أخته ست الركب العسقلانية ، عرفت بالتحديث ، وأجازها العلماء من مكة ودمشق ومصر وبعلبك .
واستفاض السخاوي في ترجمتها وإجازاتها .
ومنهم ابنته زين خاتون . اعتنى بها أبوها وأسمعها على شيوخه كالعراقي والهيثمي وغيرهما .
ومنهم بناته : فرحة وفاطمة وعالية ورابعة ،كلهن أسمعهن الحافظ من مشايخه وأساتذته .
ويحكى عن أبي العباس ابن الحطيئة الشيخ الامام العلامة ، أبو العباس أحمد بن عبدالله بن أحمد بن هشام
اللخمي المغربي الفاسي المقرئ أنه ولدت له بنت، فلما كبرت أقرأها بالسبع، وقرأت عليه " الصحيحين "
وغير ذلك، وكتبت الكثير، وتعلمت عليه كثيرا من العلم. اه
واللائحة طويلة جدا . حاولت في بحثي هذا الاختصار ليكون زادا للأبرار وتحفيزا للأخيار .
نسأل الله عز وجل التوفيق و السداد .
أم الفضل