السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ان هذه المضغة عليها مدار الامر كله كما نص على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم " الا ان في الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله واذا فسدت فسد الجسد كله الا وهي القلب " رواه البخاري.
ويعبر عن ذلك شيخ الاسلام ابن تيمية بقوله : " واما الايمان فأصله تصديق واقرار ومعرفة فهو من باب قول القلب المتضمن عمل القلب , والاصل فيه التصديق.
والعمل تابع له , ولهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الايمان بايمان القلب وبخضوعه وهو الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وفسر الاسلام باستسلام مخصوص وهو المباني الخمسة .
واصل عبادة القلب هو الاخلاص لله فاطر السموات والأرض. {قل الله اعبد مخلصا له ديني }الزمر : 14
وهي التي تربي في الانسان صفة المراقبة لله رب العالمين واضعا نصب عينيه قوله تعالى : {واعلموا ان الله يعلم ما في انفسكم فاحذروه }البقرة:235
وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حول الانسان : {ان تعبد الله كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك }.
فهذه الدرجة العالية من المراقبة لله هي اهم اعمال القلب فيولد له من العمل مايجعله يزيد في مراقبته لله وخشيته له فانه عند ذلك تكون منزلة الخوف وهي كما عبر عنها ابن القيم رحمه الله : "وهي من اجل منازل الطريق, وانفعها للقلب , وهي فرض على كل احد قال الله تعالى :{ فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين}آل عمران 175
وقال تعالى :{واياي فارهبون}البقرة :40 وقال :{ فلاتخشوا الناس واخشون}المائدة:44 ومدح اهله في كتابه وأثنى عليهم. فقال : {ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون – الى قوله – أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} المؤمن :57-61
وفي المسند والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت " يارسول الله قول الله :{ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة}اهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال : " لايا ابنة الصديق, ,لكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق , ويخاف ان لا يقبل منه"
قال الحسن : عملوا والله بالطاعات , واجتهدوا فيها , وخافوا ان ترد عليهم . ان المؤمن جمع احسانا وخشية , والمنافق جمع اساءة وامنا. و "الوجل والخوف والخشية والرهبة " الفاظ متقاربة غير مترادفة . قال ابوالقاسم الجنيد : الخوف توقع العقوبة على مجارالانفاس .
وقيل : الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف.
وقيل الخوف قوة العلم بمجاري الاحكام .وهذا سبب الخوف لا انه نفسه .
وقيل : الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره .
والخشية : اخص من الخوف , فان الخشية للعلماء بالله , قال الله تعالى : {انما يخشى الله من عباده العلماء }فاطر: 28 فهي خوف مقرون بمعرفة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم " اني اتقاكم لله , واشدكم له خشية "رواه مسلم .
فالخوف حركة , والخشية انجماع وانقباض وسكون. فان الذي يرى العدو والسيل ونحوه ذلك حالتان :
احداهما : حركة للهرب منه وهي حالة الخوف .
الثانية : سكونه وقراره في مكان لايصل اليه فيه , وهي الخشية . ومنه :
انخش الشيء, والمضاعف والمعتل اخوان , كتقضي البازي و تقضض.
واما " الرهبة"فهي الامعان في الهرب من المكروه . وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه .
وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى .يجمعهما الاشتقاق الاوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع .
واما الوجل : فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته او لرؤيته .
واما الهيبة : فخوف مقارن للتعظيم والاجلال ,واكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة , والاجلال تعظيم مقرون بالحب.
فالخوف لعامة المؤمنين والخشية للعلماء , والهيبة للمحبين , والاجلال للمقربين . وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :" اني لاعلمكم بالله , واشدكم له خشية " وفي رواية خوفا وقال :"لوتعلمون ما اعلم لضحكتم قليلا , ولبكيتم كثيرا , ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم الى الصعدات تجأرون الى الله تعالى ". ا.هـ
والخوف اذا استقر في قلب العبد المسلم يجب ان يتلازم معه الرجاء والمحبة والخوف كما وصف ربنا جل شأنه اهله : { اولئك الذين يدعون يبتغون الى ربهم الوسيلة ايهم اقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه }الاسراء :57 فابتغاء الوسيلة اليه طلب القرب منه بالعبودية والمحبة . فذكر مقامات الايمان الثلاثة التي عليها بناؤه : الحب والخوف والرجاء . قال تعالى:{ من كان يرجو لقاء الله فان اجل الله لآت} العنكبوت :5 وقال :{ فمن كان يرجولقاء ربه فاليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا} الكهف : 110 وقال تعالى : {اولئك الذين يرجون رحمة الله والله غفور رحيم } البقرة :318
وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث : "لايموتن احدكم الا وهو يحسن الظن بربه "وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم : "يقول الله عزوجل : انا عند ظن عبدي فيظن بي ما شاء " .
" فالرجاء " حاد يحدو القلوب الى بلاد المحبوب , ويطيب لها السير .
فهذا يا عبد الله هو عمل القلب وهذه عبادته فتدبرها وانظر لحال قبلك كيف هو اذا لامس شغافه القران .
عن شبكة أهل الحديث
دليل انه الله