بسم الله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
كيف تكون طالب العلم؟
المحاضرة الأولى
هذه سلسلة مباركة لشيخنا راشد بن عثمان الزهراني -حفظه الله- تحت عنوان:
كيف تكون طالب علم؟
وسوف يتحدث فيها بإذن الله تعالى عن المنهجية في طلب العلم الشرعي، وهي عبارة عن قواعد وضوابط تيسر طريق العلم لطالب العلم.
إن العلم الشرعي يحتاج فيه طالب العلم إلى ثلاثة أمور:
1- الإعانة من الله سبحانه وتعالى:
وإذا لم يكن من الله عون للفتى ... فأول ما يقضي عليه اجتهاده.
2- تقوى الله سبحانه وتعالى في السر والعلن، يقول سبحانه:{ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }[البقرة:282].
3- الطريقة التي يسير فيها في طريقه في هذا العلم الشرعي.
فإن فائدة أن يسير طالب العلم في تعلمه لعلم الشريعة في قراءته، في بحثه، في أخذه وفي عطاءه، فائدة أن يسير على منهجية معينة هو أن يسلك طريق العلم بأسرع طريقة وبأسهل وسيلة.
لو نتأمل في كتاب صدر حديثا اسمه "علماء لم يبلغوا سن الأشد" يعني لم يتجاوزوا الأربعين من أعمارهم وتوفوا قبل هذا العمر لكنهم خلال هذه الفترة قدموا تراثا علميا كبيرا للأمة الإسلامية، السبب أنهم سلكوا الطريقة الصحيحة في تلقي العلم الشرعي.
أيضا هناك رسالة بعنوان "العلماء الذين تصدروا للإفتاء والتدريس والتصنيف قبل العشرين".
الطرق التي يسير عليها طلبة العلم في أخذ العلم الشرعي تختلف، يعني ذكاء الأشخاص، الحفظ، قدرة وقوة الفهم، لكن يتبقى أن هناك أصول وقواعد معينة يتفق عليها الجميع ويسير عليها الجميع ويحصلوا مرادهم بإذن الله سبحانه وتعالى.
العلم الشرعي من أعظم القربات، ومن أفضل الطاعات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه سبحانه وتعالى.
الله سبحانه وتعالى امتن على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام وهم قدوة الخلق وأفضلهم، امتن عليهم بمنن ونعم عظيمة، من بين هذه النعم أن الله سبحانه وتعالى امتن عليهم بالعلم الشرعي:
- فقال الله عز وجل عن يوسف عليه السلام:{ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ }[يوسف:6].
- وقال الله عز وجل عن يعقوب عليه السلام:{ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ }[يوسف:68].
- وقال سبحانه وتعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم:{ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً }[النساء:113].
حينما فسر الإمام الحسن البصري -رحمه الله- (كانوا يقولون ما زال يتحرى الحكمة حتى أوتيها)، لما قرأ هذه الآية:{ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }[البقرة:201] قال:( الحسنة في الدنيا العلم الشرعي، والحسنة في الآخرة جنات عدن ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر).
الإمام مالك -رحمه الله- ورد إليه رسالة وكتاب من أحد العباد في زمانه وهو الإمام عبد الله العُمري -رحمه الله-: رأى انشغال الإمام مالك بتعليم العلم وبالتدريس وبالإفتاء فأرسل إليه خطابا ينصحه فيه ويحثه على الانفراد والعمل وترك الانشغال بتدريس الناس، فقال الإمام مالك -رحمه الله-:( إن الله عز وجل قَسَّم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح الله عز وجل له في باب الصلاة ولم يُفتح له في باب الصيام، ورب رجل فُتِح له في باب الصيام ولم يُفتح له في باب الصدقة، ورب رجل فتح له في باب الصدقة ولم يفتح له في باب الصلاة، وأنا قد فتح الله عز وجل لي باب العلم وما أظن أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير ).
هذه الدروس سبب اختيارها يعود إلى أسباب:
السبب الأول
فضل العلم.
السبب الثاني
خطر الجهل: وهو من أعظم أسباب الحرمان كما يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-.
- الإمام الشافعي -رحمه الله- كان إذا رأى شيخا كبيرا قَرُب منه فسأله في الحديث والفقه وبعض أحكام الصلاة، فإن وجد عنده إجابة تركه وإن لم يجد عنده شيئا قال له:( لا جزاك الله عن نفسك خيرا، ولا جزاك الله عن الإسلام خيرا فقد ضيعت نفسك وضيعت الإسلام ).
- علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال:( كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نُسِب إليه، وكفى بالجهل ذما أن يتبرأ منه مَنْ هو فيه ):
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسامهم قبل القبور قبور
وإن امرىء لم يحي بالعلم ميت ... فليس له حتى النشور نشور.
- ذكر القفطي -رحمه الله- وهو من علماء النحو له كتاب عظيم ونفيس في تراجم علماء النحو واسمه "إنباء الرواة بأخبار النحاة": ذكر في ترجمة إبراهيم بن قطن القيرواني -رحمه الله- أنه كان من علماء العربية وكان متصدرا في قيروان لإفادة الطلاب في هذا العلم، فكان طلاب العلم يأتون إليه من كل مكان، فيوم من الأيام كان جالسا في مجلسه فدخل عليه أبو الوليد عبد الملك بن القطن القيرواني وهو أخوه فمد يده يريد أن يتناول أحد الكتب، فجبده منه إبراهيم بقوة وقال: تقرأه وأنت تجهل ما فيه، فكانت هذه الكلمة في قلبه، فأخذ يتعلم علم اللغة والعربية حتى بَرَّز في هذا الشأن -رحمه الله- فاشتهر ذكره وخَمُل ذكر أخيه إبراهيم، فكان الناس يتوافدون إلى أبي الوليد -رحمهم الله جميعا-.
السبب الثالث
أن من المحبين الذين يقبلون على علم الشريعة من يُقبل عليه إقبالا عظيما ثم بعد فترة يبدأ الكسل والملل يدخل إلى جوفه فتستلم نفسه إلى هذا الكسل فإذا به يودع العلم ويتركه، ولو وجد من يعينه لوجد في ذلك نفعا عظيما.
السبب الرابع
أن في الفترة الأخيرة هناك ابتعاد وإعراض ليس بشكل كبير ولكنه موجود عن مجالس العلم الشرعي، وحصل اختلاط بين ما يُسمى بالفكر الإسلامي وبين العلم الشرعي.
~ تنبيه ~
وهنا ننبه على قضية معينة:
الفكر الإسلامي يعزو بعض المؤرخين إلى أن سبب وجوده وظهوره هو حينما كان الاستعمار جاثما على البلاد العربية والإسلامية وخاصة في مصر، فبدأ الناس في هذا الاستعمار وبدأ المستشرقون يبثون سمومهم وسهامهم على أمة الإسلام، فقام البعض من لديه الغيرة والحمية للإسلام بالدفاع عن هذه العقيدة والكتاب والسنة، كانت لهم تصورات عامة للإسلام وعن الشريعة ولكن لم يكن لديهم التأصيل الشرعي وأدوات الاستنباط الشرعية التي تأهلهم إلى أن يقدموا هذا الدين كما أمر الله سبحانه وتعالى لا كما يريد الناس.
العلماء في الفترة الأخيرة تنبهوا فدخلوا في هذا الفكر ولكن بحصيلة علمية جيدة.
بدأ الإعلام يتحدث عن علماء الشريعة بأنهم ظلاميون لأنهم يريدون أن يعيدوا كل شيء إلى ما قبل 1428هـ، وسمي المفكرون بالمستنيرين فحصل الخلط.
الحمد لله الفترة الأخيرة أصبح لدينا من علماءنا مَن يحمل الأمرين.
لا يُفهم من كلامنا أن نعاتب الفكر أو نحاكمه فقد قدم الشيء الكثير للأمة، ولكن نريد من شبابنا أن يتوجهوا إلى العلم الشرعي ثم إذا كانت لديهم الحصيلة فينطلقون في باق العلوم.
السبب الخامس
أنه حصل أيضا اختلاط بين ما يُسمى: بين العلماء والوعاظ والدعاة.
الفرق بين العلم والوعظ:
الوعظ لاشك أنه مطلوب، القرآن الكريم كله موعظة للناس، وبيان وشفاء لما في الصدور.
يقول الإمام ابن الجوزي -رحمه الله-:( المواعظ سياط تُضرب بها القلوب ).
كذلك قال -رحمه الله-:( الوعظ في القديم الذي كان يقوم عليه هم العلماء والفقهاء، وكان عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يحضر مجالس الوعاظ والقصاص فإذا رفعوا أيديهم بالدعاء رفعوا أيديهم كذلك، فما خست هذه البضاعة ودخل فيها من لا يحسنها خرج منها العلماء وأقبل عليها العوام والصبيان ).
المطلوب أن يكون لنا تكامل، فنحن بحاجة إلى الوعاظ والدعاة، ولكن نريد منهم أن يكونوا حلقة وصل جيدة بين الناس والعلماء.
ولهذا يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-:( إنكم في زمان كثير علماءه قليل خطباءه، وسيأتي بعدكم زمان قليل علماءه كثير خطباءه، فمن كثُر علمه وقَلَّ قوله فهو الممدوح، ومن كان بالعكس فهو المذموم ).
السبب السادس والأخير
هناك إقبال من بعض طلبة العلم على العلم وحرص شديد عليه، لكنه أحيانا يصطدم بأنه لا يُجيد السير بطريق صحيح في تعلم علم الشريعة.
وبالمثال يتضح المقال:
أحد علماء مصر: بدأ هذا العالم العلم الشرعي فحفظ القرآن الكريم وهو لم يبلغ الحلم بعد، وكان والده فلاحا فقال له: يا بني أنت تطلب العلم وأنا أعولك بهذه المزرعة فاذهب فتعلم علم اللغة العربية، فبدأ تعلم علم النحو لكنه لم يوفق في الطريقة الصحيحة فبدأ بتعلم النحو بمتن شرح الآجرومية وهو شرح الشيخ الكفراوي -رحمه الله- وهذا من أصعب الشروح على الإطلاق، فحاول أن يفهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا، أصبح عمره خمسة عشرة سنة ومكث يتعلم علم النحو سنة ونصف ولم يستطع أن يفقه فيه شيئا، فقال لوالده: لا أريد أن أتعلم علم النحو، أريد أن أعمل معك في المزرعة، فقال: إلا أن تتعلم علم النحو، فحاول مع والده وفي النهاية اضطر هذا الشاب أن يهرب من قريته إلى قرية أخرى فذهب، فبدأ يعمل في مزارع الآخرين، فمر عليه أحد العلماء وهو يعمل في الحقل فصافحه وقال: يا بني إن هذا الوجه وهذه اليد ليست يد مزارع وهذا الوجه هو وجه عالم فأخبره بخبره، فقال العالم: إن السبب هو أنك بدأت بشرح الشيخ الكفراوي فلو بدأت بشرح الشيخ خالد الأزهري لكان الأمر عليك سهلا، فبدأ فيه فخلال ستة أشهر استطاع أن يُحكِم وأن يتعلم قواعد اللغة العربية.
فقال أحد العلماء الذين ترجموا لهذا العالم: لولا أن الله تعالى أراد به خيرا لكان مثله مثل سائر الفلاحين، يكتب اسمه في دفتر المواليد ثم في دفتر الوفيات.
♚ فضل العلم الشرعي
فضله لا يحتاج منا إلى تدليل ولا إلى تأكيد، ففضله معلوم وشرفه مرقوم، وهو كالشمس في رائعة النهار.
1) أدلته من كتاب الله تعالى:
- يقول الله سبحانه وتعالى:{ شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }[آل عمران:18].
- يقول الله سبحانه وتعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ }[البينة:7-8].
الإمام القرافي -رحمه الله- وهو من أئمة المالكية يقول في كتاب "الذخيرة":( "خير البرية" من يخشى الله، وكل من يخشى الله فهو عالم، فينتج عنه أن "خير البرية" هو العالم، وهذا هو معنى قول الله تعالى:{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء }[فاطر:28] ).
2) أدلته من السنة النبوية:
- في الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم:[ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ].
فمفهوم المخالفة في الحديث: أن من لم يفقه الله تعالى في الدين لم يرد الله به خيرا.
ولهذا ورد في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى عنه:[ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، ومن لم يرد الله به خيرا لم يبال به ].
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-:( الزيادة ضعيفة لكن المعنى صحيح).
~ فائدة ~
العلماء يقولون: إن الفقه والعلم ليس فقط بكثرة القراءة والاضطلاع، ولكنه مع هذا فتوح من الله عز وجل وتوفيق منه لعبده، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:[ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ] فنسب الإرادة إلى الله سبحانه وتعالى.
- ما رواه أبو داود عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-: يقول صلى الله عليه وسلم:[ من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر].
وقد دل هذا الحديث على فضل العلم من خمس أوجه:
الوجه الأول
أن الذي يتعلم علم الشريعة ويسلك طريق العلم ويحضر حلق العلماء فإنه يسلك بابا من أبواب الجنة، ويسلك طريقا من الطرق التي تلج به في النهاية إلى جنات النعيم بإذن الله تعالى.
الوجه الثاني
الذي يدل على فضل العلم في هذا الحديث أنه قال:[ وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع ].
العلماء اختلفوا في معنى [ لتضع أجنحتها ] على خمسة أقوال:
1- أن الملائكة تتواضع لطالب العلم.
2- أن الملائكة تعظم طالب العلم.
3- أن الملائكة تحمله عليها فتعينه على بلوغ قصده.
4- أنها تبسط أجنحتها بالدعاء لطالب العلم.
5- أنها تكف عن الطيران وتجلس في مجالس وحلق العلم والذكر.
الوجه الثالث
قال:[ وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء ].
يقول الإمام ابن جماعة -رحمه الله- في "تذكرة السامع والمتكلم":( وهذا يدل على فضل العلم ومكانة أهله، فإذا كان ينافس في دعاء الرجل الصالح أو من يُظن صلاحه فكيف بدعاء الملائكة الكرام الكاتبين الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون ).
والدليل على أن الملائكة تدعوا للمسلمين قول الله تعالى:{ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }[غافر:7-9].
وفي رواية:[ حتى النملة في جحرها ].
العلماء هنا تساءلوا: ما الذي يحمل الحيتان والنملة في جحرها أن تدعوا لمعلم الناس الخير؟
قالوا: لأن العالم هو الذي يعلم الناس الإحسان إلى الحيوان، ويعلم الناس ما يحل منها وما يحرم.
الوجه الرابع
قال:[ وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ].
سنتحدث عن خمسة مسائل:
1) في الحديث تشبيه مطابق لحال القمر والكوكب: فالقمر يضيء الآفاق للعالَم وكذلك العالِم، والكوكب يضيء لنفسه وإن تجاوز فإنه يتجاوز غير بعيد وكذلك العابد الذي عبادته تنفعه في نفسه وتنفع الناس المحيطين به.
2) في هذا الحديث تشبيه للعالم والعابد بالقمر والكوكب ومعناه أيضا تشبيه للجاهل بالليل في ظلمته.
3) لماذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم العالم بالقمر ولم يشبهه بالشمس مع أن نور الشمس أقوى؟
والسبب يعود لأمرين:
أ- أن نور العالم مُستفاد من غيره، القمر يستفيد ضوءه من الشمس فكذلك العلم يستفيد علمه من النبي صلى الله عليه وسلم.
ب- أن الشمس لا يلحقها اختلاف من أول الشهر إلى آخره، كلن القمر يلحقه اختلاف فتارة يكون بدرا، وتارة يكون هلالا، وتارة يزيد وتارة ينقص، وكذلك العلماء فمنهم من هو في علمه كالبدر في تمامه، ومنهم من هو أقل من ذلك بليلة، وبليلتين وهكذا.
4) قال:[ كفضل القمر ليلة البدر ] لماذا سبه القمر بليلة البدر؟
قالوا: لأن العالم إنما يكمن اتباعُه بقدر اتباعِه للنبي صلى الله عليه وسلم، وكلما أخذ من النبي عليه الصلاة والسلام كلما زاد ضوءه وكمُل وأصبح بدرا، فإذا نقص فإنه ينقص، فإن أعرض عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يكسُفُ باله كما إذا حال بين القمر والشمس حائل فإن القمر ينكسف.
- أيضا ورد تشبيه العلماء بالنجوم والسبب:
▪ أن النجوم يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر وكذلك العلماء يُهتدى بهم.
▪ النجوم زينة للسماء وكذلك العلماء زينة للأرض.
▪ النجوم رجوم للشياطين وكذلك العلماء رجوم لشياطين الإنس والجن.
الوجه الخامس
قوله صلى الله عليه وسلم:[ وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر ].
وهذا من المناقب العظيمة لأهل العلم، أن الأنبياء هم خيرة خلق الله تعالى، فكذلك ورثتهم هم خيرة العباد بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:
وفيه الأمر بطاعة العلماء والتحذير من الإساءة إليهم.
ولهذا يقال أن أعرابيا دخل في حلقة ابن مسعود -رضي الله عنه-، فرأى الناس قد تحلقوا على ابن مسعود -رضي الله عنه-، فقال لابن مسعود: ماذا يريد هؤلاء؟ على ما اجتمع هؤلاء؟، قال: اجتمعوا على ميراث محمد صلى الله عليه وسلم.
العلم ميراث النبي كما أتى ... في النص والعلماء هم ورّاثه
ما خلف المختار غير حديثه فينا ... فذاك متاعه وأثاثه.
أبو هريرة -رضي الله عنه- دخل يوما إلى السوق فوجد الناس يبيعون ويشترون فعلا فيهم وقال: يا أيها الناس أأنتم هاهنا تبيعون وتشترون وميراث النبي صلى الله عليه وسلم يُقسم في مسجده، فهرع الناس إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام فوجدوا الناس هذا يتل القرآن الكريم، وهذا يتعلم علم الشريعة، وهذا يحفظ، وهذا يصلي ويسجد، فقالوا: أين ميراث النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: هذا هو ميراث النبي عليه الصلاة والسلام.
- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ].
كيف نستنبط فضل العلم من هذا الحديث؟
يقول ابن جماعة -رحمه الله- في "تذكرة السامع والمتكلم":( وهذا الحديث يدل على فضل العلم ومكانة أهله فإنك إذا رأيت هذه الأمور الثلاث تجد أنها مجتمعة في معلم الناس العلم:
1- صدقة جارية: فأعظم صدقة يخلفها الإنسان بعد موته هي العلم الشرعي.
2- أو ولد صالح يدعو له: من أعظم الأمور التي يجدها طالب العلم أن يجد من يدعو له.
3- أو علم ينتفع به: فهذه واضحة في العلم الذي يخلفه العالم للناس ).
نسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بنواصينا إلى البر والتقوى، وأن يجعلنا ووالدينا وجميع المسلمين ممن أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر.
وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل إنه عز وجل جواد كريم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وباق المحاضرات تأتي تباعا بحول الله وعونه.