الغالية ام المساكين حقا لقد فعلتي الصواب وقد لا يقتنع البعض بالنصيحة ولكن علينا ان لا نيأس فكم من موقف تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم وكم من اذى تحمله في سبيل الدعوة ولكنه ضرب لنا مثالا في الصبر ومقابلة السيئة بالحسنة- بأبي انت وامي يا رسول الله-وقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قضية محسومة سلفاً باعتبارها ركيزة من ركائز الدين وعموداً من أعمدة الإسلام، وما ذلك إلا لكون المنكر ليس مجرد مسألة شخصية تتعلق بشخص المنكر، أو بشخصية المنكر عليه!
كلا، ولكن المسألة لها علاقة جدّ وثيقة بكيان الأمة كلها، فشيوع المخالفات الشرعية ضرب للأمة في الصميم، وتمزيق لوحدتها دون شك أو تردد، وحديث السفينة المشهور شاهد حيّ بأن اثر المنكر يتجاوز خير صاحبه ليمتد بشؤمه وأثره البغيض، فيغمر المجتمع كله بظلاله القاتمة السوداء.
فحين تتخرّق السفينة فلن يميز الطوفان الجارف بين من خرقها ومن لم يخرقها، فالجميع سيُدفن تحت أمواجه العاتية!.
لقد ظل أنس – رضي الله عنه – يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين كما حدث هو بنفسه، فلم يقل له يوما ما لشيء فعله لم فعلته ؟! أو لشئ لم يفعله هلا فعلته!؟
يالله العجب! عشر سنين من التجاور والتعايش والتلاصق المباشر، ورغم ذلك لم يحصل العتاب أو الإنكار ولا لمرة واحدة فهل كان انس معصوماً بحيث لا يخطئ أو يفعل خلاف الأولى على أقل تقدير؟!
كلا، كلا فأنس لم يكن معصوماً، بل كان يخطئ، وقد يصنع أحيانا ما لا يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالضرورة، لكنه لم يسمع عتاباً ولا إنكاراً، لأن المسألة شخصية بحته، فهي تتعلق فقط بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس لها مساس بمستقبل الأمة وكيانها! فالتسامح فيها مطلوب، وغض الطرف لمثلها مندوب!.
لكن إليك - يا رعاك الله - مواقف أخرى يحمرُّ فيها وجه رسول الله غضباً حين تقع المخالفة الشرعية ويجترئ البعض على حدود الله، فهنا يبادر عليه السلام إلى إنكار المنكر في ساعاته الأولى، دون أن يصبر عشر سنين صبره على أنس خادمه؟!.
هذه بريرة أمة ضعيفة مسكينة، يعلن أسيادها عن رغبتهم في بيعها! فتتقدم عائشة لشرائها وعتقها، على أن يكون الولاء لها! فيأبى الأسياد، إلا أن يكون الولاء لهم، في تعدٍّ مكشوفٍ على شرع الله المطهر، ودينه المصون!.
فماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!.
هل غض الطرف وابتسم في وجوه القوم، كابتسامته للإعرابي يوم جذب معطفه، فاحمر لجذبته جنبه الطاهر؟!.
لقد صعد المنبر، وخطب خطبة عصماء؛ أنكر المنكر بشجاعة، وصدع بكلمته المشهورة:
"ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، أيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وان كان مائة شرط، إنما الولاء لمن اعتق".
لما كل هذا الغضب يا رسول الله؟!.
لما كل هذه الغضب؟!.
والجواب: إنّه منكر لا يتعلق بشخصه الكريم، وإلا لوسعه حلمه كما هو الحال في مواقف لا تُعد ولا تُحصى!.
لما استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى تبوك، تخلف كعب وصاحباه دون مبرر معقول، أو مسوغ مقبول، حتى إذا ما رجع رسول الله بالجيش إلى المدينة إذا به يتخذ موقفه الصلب، وإجراءه الصارم بحق الثلاثة الذين خلفوا، فيأمر بهجرهم، ويحرّم محادثتهم، ويفرض حولهم سياجاً منيعاً من العزلة!:
(... حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ). [سورة التوبة، الآية: 118].
فلما كل هذا يارسول الله؟!.
لما كل هذا ؟!.
والجواب:
إنّ الخطأ الذي ارتكبه هؤلاء الثلاثة مسّ كيان الدولة برمتها، وكان يمكن أن يؤثر سلباً في نفسيات الجيش المتجه لمقارعة جيش يفوقه عدداً وعدة، وذلك أمر لا يخضع أبدا للأمزجة الشخصية أو للأهواء النفسية، أو التصرفات غير المسئولة!.
ومجتمعات المسلمين اليوم بحاجة إلى مدافعة ما فيها من منكرات، ومقاومة ما عمّها من رذائل؛ صوناً لعقائد المسلمين، وذبّاً عن أعراضهم، وأخذاً على يد السفهاء الذين يريدون خرق السفينة، وعقر الناقة!.
وكلُّ ذلك على أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق ضوابطه الشرعية، وأن تؤتى البيوت من أبوابها، بعيداً عن التشنج والانفعال!.
ويرى فضيلة الشيخ صالح بن عبدالله الخليف مدير عام فرع الرئاسة العامة بمنطقة الجوف ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد ان يكون بالحكمة والموعظة الحسنة كما قال جل وعلا: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن اي ليكن دعاؤك للخلق بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، كما امر الله جل وعلا موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما الى فرعون في قوله: فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى , ومن الحكمة كذلك مراعاة الاحوال في المدعوين كل على حسب حاله وفهمه وقبوله وانقياده، ومن الحكمة كذلك الدعوة بالعلم لا بالجهل، وبالاقرب الى الاذهان والفهم، والبدء بالاهم فالاهم.
بارك الله فيك الحبيبة ام المساكين ووفقك الى ما يحب ويرضى وفعلا مثلما قالت امنا عليك بالأستعانة بالله عز وجل والتوكل عليه فمن توكل على الله كفاه.