- رشفات مرة .. من قهوتي الصباحية!!
لم أذق في حياتي فنجان قهوة مر كهذا .. لكنني مضطرة لتجرعه .. فمرارته ليست بأشد من تلك التي تسري في أعماقي ..
أنا وفنجان قهوتي صديقين حميمين منذ زمن بعيد .. ولكننا نقترب من بعضنا أكثر في أوقات الألم .. ربما لأتذوق ذلك الطعم الذي يبعث فيّ الرغبة على التفكير والتأمل .. وربما لأنني معه أخلو بنفسي ولو لدقائق معدودة .. أرتب أوراقي على عجالة وأمضي بعد أن أنهي الرشفة الأخيرة منه ..
مع إشراقة كل صباح أجدد الهواء الليلي بانبعاث فجري رائع .. أستدعي فنجان قهوتي .. ونجلس معا نقرأ في الصحيفة اليومية ..
يبقى هو قابعا على المنضدة الصغيرة قرب نافذتي .. وأغيب عن واقعي .. أسرح في أقطار الكون الفسيح .. أغرق مع سفن قد قذفتها الأمواج إلى قعر المحيط .. أو أتطاير أشلاء مع إعصار مدمر .. وأحيانا أسقط ميتة تحت سقف مبنى دمره زلزال عنيف ..
وقد تقذفني قنبلة عابرة فأختفي ولا أظهر إلا كبقايا البن المتبقي في قعر الفنجان الصغير.
لكنني اليوم صحوت على وقع كابوس مخيف ..
استدعيت الفجر ليرسل خيوط أنواره إلى روحي المرتعشة ففاجئني بغياب لم أتوقعه .. وحضر المطر بغيومه السوداء ليضفي على فجري عتمة توحي بأن الليل قد يرخي سدوله في بضع دقائق قادمة ..
وكما اعتدت أن أفعل .. سارعت إلى جريدتي الصباحية .. أمنّي نفسي بمغامرة جديدة برفقة فنجاني الحبيب .. لعلها تنسيني بعضا من الكدر الذي لاقيته في الساعات الآفلة ... إلا أنني شرقت في الرشفة الأولى عندما أيقظني ظلام الواقع من جمودي .. وجحودي .. وأنا أقترب أكثر من نفسي .. وأفسر كوابيس الليلة بواقع مرير..
الحرب قد أعلنت في كل مكان .. والزحف الصليبي قد أقبل معلنا أن لاتراجع ولا حلول في الإمكان .. أيقظني صوت الإسلام يبكي من سوء الأحوال .. وصوت حجاب يستصرخ وامعتصماه .. أحزنني ظل الحق وهو يعلن أن قد حانت ساعة الرحيل .. وقد بكيت وأنا أودعه وأستحلفه بأن لا يطيل علينا الغياب ..
أنهكني إيقاظ ضمير قد غفى واستغرق في نوم عميق ..
فسكبت مرارة واقعي .. في فنجان قهوتي .. وتجرعتها ألما .. ورحت أردد في نفسي ..
ترى .. هل سأعتاد يوما على هذا الطعم المرير ..