القاتل الخفي
(( الرجاء عدم قراءتها لأصحاب القلوب المرهفة ))
مشيتُ بخطواتٍ ثقيلة لا أعرف إلى أين أتجه, سرتُ وأنا حائرة أحمل داخل قلبي أطنان من الهموم, وأحمل بين أكتافي جبالاً شامخة من الغموم, تعثرتُ ووقعت, لم أستطع حمل المزيد, حاولت الوقوف فلم تحملني قدمَاي, لماذا؟! سألتُ نفسي:
ما الذي أصابني؟!! أحسستُ وكأني مشلولة لا أستطيع الحرَاك, أريد من يمدّ لي يد المساعدة, أصبحتُ كسيرة النفس, محطمة الفؤاد, ماذا دهاني؟! أخذتْ الأسئلة تقفز وتتطاير في عقلي, أسئلة كثيرة أتمنى أن أجد لها جواباً, عندما عجزتُ وأرهقتُ عقلي وشغلت فكري, أحسست بفؤادي وكأنّ أيادي خفية تريد خنقه, تريد أن تقتله, تألمت.. تأوهت.. حينما أشتد الألم ولم أعد أطيقه صرختُ صرخاتٍ مؤلمة مدوية أعقبها نحيب ونشيج متقطع يتخلله صوتي المتهدج الذي يطلب الرحمة والرأفة, سكَن الألم قليلاً ولكن.. أخذ يتصاعد ويشتد شيئاً فشيئا,ً أيقنتُ بالهلاك حاولت الوقوف محاولة طلب النجدة, اتكأتُ على الحائط تعثرت وتعثرت وتعثرت.. ولكن... بالنهاية وقفت, سرتُ ببطء و يدي على قلبي الموجوع, أحاول تسكين آلامه, سرتُ حتى وصلتُ إلى بيتٍ مهجور خَرِب موحش, قلت في نفسي:
ما هذا؟! لماذا الطريق مظلم؟ أكاد لا أرى النور, لماذا البيت مهجور؟ وأين أصحابه؟ لماذا هجروه؟!! أحسست وأن البيت جسد بروح وكأنه يحاول الإطباق عليّ وابتلاعي, ركضتُ بين أروقته وأنا أسمع صفير الريح المرعبة وكأن أشباح الظلام سكنت عقلي لا تريد الفكاك, أخذت أصرخ بكل ما أوتيت من قوة ولكن دون فائدة, ركضت حتى تقطعت أنفاسي, دخلتُ إحدى الغرف وأحكمت إغلاق الباب, وأسندت جسدي المنهك عليه من جرّاء ما أعياني من كل ذلك, فسقطتُ وكأني خرقة بالية, أخذ النعاس يداعب أجفاني رغم أن قلبي من الرهبة والخوف يكاد يخرج من مكانه, وأشعر به ينبض نبضات مؤلمة سريعة, رغم ذلك حينما اختفت الأصوات وعمّ الهدوء المكان, رغم الظلام الحالك الذي يكسوه, بدأتُ أهدأ قليلاً قليلاً, سقط رأسي من الإرهاق ونمت بضع دقائق لا أكثر وكأني نمت الدهر كله, استيقظت على صوت مزعج, شخص ينهرني بصوته المرعب المزمجر, نظرتُ إلى الأعلى لأرى عجباً, رأيت امرأة كأنني أعرفها لكنها متشحة بالسواد ملامحها قبيحة, وقد بلغت من الكبر عتياً..
اتسعت حدقتا عيناي وشعرت بالخوف يدب في أوصالي من جديد,,
قلت بصوت ضعيف يشوبه الاضطراب : من أنتي ؟!!!
أخذت تضحك وتضحك وتتعالى ضحكاتها, عندها غضبت رغم مخاوفي ,,
وقلت لها بكل غضب يشوبه نوع من الحذر : ما الذي يضحكُكِ؟ ليس هناك شيء مضحك !!
أجابتني بوقاحة لم أعهدها : أتريدين أن تعرفي لماذا أضحك ؟!
أجبتها ببرود : بطبع, فلماذا سألتكِ إذاً؟!
أجابت : تعالي يا أسيرتي !
عندها وقفت مشدوهة على قدماي وقلت : ماذا؟!! أسيرتُكِ ؟؟!
قالت : نعم أنتي أسيرتي ودميتي أحركُكِ كيف أشاء وأرغب .
قلت وأنا كُلّي حذر وريبة : من أنتي؟! أجيبيني ؟؟.
نظرت إليّ والشرر يتطاير من عينيها وقالت : أحقاً أنتي لا تعرفين من أنا ؟
قلت بحذر بالرغم من وجود شعور قوي في داخلي أني أعرفها : ومن أين لي أن أعرفكِ !!!
قالت : أنا أنتي !!!
قلت : كيف؟! أهيَ أحجية !!!!
نظرت إليها وعلامة تعجب كبيرة على رأسي, تأمّلت بدقة وقلت في نفسي: هي حقاً تشبهني, ولكنها قبيحة, ملامحها ملامح عجوز خرفة, ولكن جسدها جسد فتي قوي.. قطعت عليّ تأملاتي وقالت لي : أنا نفسك الأمارة بالسوء, تعاظمت وتجبرت وأصبحت السيدة بلا منازع, أتعلمي؟ أن كل ما مرّ بك هذا من تأثيري .
قلت لها وأنا أكاد أجنّ : كيف ؟
قالت : نعم أنه تأثيري عليك, أصبحت أتحكم في عقلك وحركاتك وحتى قلبك ألم تشعري بأيادي خفيه تكاد تقتلعه ؟
قلت والخوف بدأ يسيطر عليّ : نعم, لكن لماذا تريدين قتلي؟!
ضحكت ضحكات كلها استحقار واستهزاء وقالت : من قال أني أريد قتلك, لا
أنا أريد تعذيبك حتى أسيطر على البقية الباقية من جسدك, أريد أن تخضعي لي تماماً حتى أسيّرك وأوجهك كيفما أريد.
قلت وأنا غاضبة من استفزازاتها : لماذا تسيطري علي؟ لماذا؟! هل تتوقعي أني ضعيفة وأني سأسمح لكِ أن تسيطري عليّ؟ أيعقل هذا! أنتي تهذين .
صرخت في وجهي صرخة جعلت قلبي يقفز من مكانه وأخذ جبيني يتصفد عرقاً وبدأت أوصالي ترتعش .
عندها نظرت إليّ بنظرات قاسية باردة كــبرودة ليالي الشتاء ,,
وقالت : أنتي سمحتي لي أن أتعاظم وأكبر وأصبح الملكة والحكم المدبر والمهندس المعمر والموجه والمرشد في كل حركاتك .
قلت بخوف وَوَجل وبصوت لا يكاد يسمع : كيف؟
قالت : حينما غرقتِ بأوحال المعاصي وأصبحتْ لذتك بالحياة, وحينما أصبح قلبك خاوياً خالياً من كل ما يردعك, عندها تعاظمت وأصبحت أنا المسيطرة والسجّانة وأنتي أسيرتي وسأقذفك لأعماق الجحيم المستعرة حينما أجعلك تتقلبين على جمر المعاصي الملتهب .
تحركتُ وقد بدأت شجاعة ضعيفة لا تكاد تذكر تزحف بداخلي وقلت وأنا مترددة:
أي معاصي تقصدين ؟؟
قالت بكل تفاخر وتبجح : حقاً تريدين أن أعطيك قائمة بما فعلتِ, أنتي استحقرتِ صغائر الذنوب حتى تعاظمت وأصبحت كبائر, بذور زرعتها في قلبك يوماً ولكن لم تسقها ولم تتعهديها بالرعاية فماتت وخبت .
قلت لها بصوت عالي : أي بذور تقصدين ؟؟
قالت وابتسامة صفراء تعلو وجهها القبيح : بذور الإيمان يا عزيزتي ؟؟
قلت : ولـ...ــكن ولـــ...ـــكن
قالت : ولكن ماذا؟ سيطرتُ عليك وأصبحت حياتكِ كئيبة, تجرأتِ على الله وأصبح عيشك كله ضنك وضيق لم تخافي ولم ترتدعي لأن الذي يردعك مات في أعماقك, أتذكرين ذلك اليوم وكان أول يوم سقطتي فيه؟ كان اختبار سهل بالنسبة لي رميت لك الطعم تذوقتِ حلاوته وتماديتِ, أتذكرين حينما أطلقتي بصرك ولم تغضيه ولم تمنعيه؟ هذه البذور المسمومة التي قتلت بذور إيمانك, أتذكرين حينما أطربتِ سمعك بسماع رقية الزنا من أغاني ماجنة وألحان ساقطة التي جعلت قلبك يستعر بلهيب العاطفة المحموم؟ عندها أردتي إن تفرغي كل الذي بداخلك من عواطف ضاقت على نفسك وجريتِ وراء السراب بدأتِها بضربات أزرار على الهاتف وبدردشات على الحاسب وبمعاكسات في حلك وترحالك, وغرقتي في أوحال الرذيله تذكري.. تذكري معاصيكِ..
عندها وضعت يدي على أذني وصرخت في وجهها : كفى كفى, أنا لم افعل كل ذلك أنـا.. أنـا.. أنـا.. وانعقد لساني ولم أنطق ببنت شفاه
قالت وقد ألجمتني بمقاطعتها : دعيني أكمل يا كاذبة, أتنكرين ما فعلتِ؟! دعيني أعذبك وأضربك بسياط الألم؛ فالمعاصي لا تجلب إلا الألم .
قاطعتها قائلة : لماذا أنتِ مصرّة على تذكيري بأشياء نسيتها ومحوتها من ذاكرتي؟!
قالت : لأعذبكِ وأحرق قلبكِ وأمارس سلطاني عليك, أنظري إلى وجهك في المرآة .
تقدمت بخطوات متعثرة ووقفت مشدوهة فاغرتُ الفم من هول ما رأيت, أصبحتُ نسخة ثانية عنها, بكيت وصرخت وتعالت صرخاتي وقلت : لا لا لا لا أنا لست هكذا أبداً, أين جمالي؟ أين عنفواني؟ أين صباي؟ أين كل هذا؟!! لماذا ولّى؟! لماذا ذهب؟! لماذا علت وجهي سحنة الأموات؟!!! أسئلة طرحتها وقلبي يتمزق حسرة
قلت لها متوسلة : قولي لي لماذا أنا هكذا ؟
أجابتني بكل استهجان : أنتِ السبب؛ لم تضعي لنفسك حدود, تجاوزتِ الخطوط الحمراء حتى جعلتني أستيقظ من سباتي وأصبحت أرغمك بلا حول منك ولا قوة على فعل المزيد والمزيد من المهالك التي تقذف بك في قعر جهنم, وأصبحتِ جارية لشيطان يبعث بأوامره إليّ لأوجّهك كالدمية, أضع الطُعم في طريقك وأزين لك حلاوة المعصية, فتفرحين بتلك اللحظات ثواني ثم تتجرعين المرارة أبد الدهر, هذا إذا كان لا يزال في قلبك بذور للإيمان وإلا أصبحتِ مجرد حطام رماد لا روح فيه ولا حياة, تنذرين نفسك لخدمة الشيطان فتكوني أداة هدم, أداة قتل, أداة لتحطيم فؤادك المريض وتدمير كل شيء جميل في روحك.
يتبع<<<<<<<<<<<<<<<