أطفالٌ يسفهونَ رأي أبي العلاءِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أدرتُ الفكرَ في ذاكرتي فلمْ أجدْ مدرساً حذرنا من شاعرٍ أو كاتبٍ على كثرةِ من تتلمذنا عليهِِ في الابتدائيةِ والمتوسطةِ والثانويةِ والجامعيةِ فكنا ونحن صغارٌ نعظمُ أمرَ الشعراءِ قاطبةً ونعدهم في مصافِ العلماءِ والصالحينَ وأهلِ الرعةِ(1) والتقوى ونأخذُ بأقوالهم ونستنُ بأفعالهم ولهم عندنا من الحرمةِ كحرمةِ الصحابةِ والتابعينَ أهلِ القرونِ المفضلةِ.
وأذكرُ حينَ اقتنيتُ ديوانَ المتنبي طفقتُ أقلبُ صفحاتهِ وأسرحُ النظرَ فيها فعجبتُ حينَ لم أجدْ إلا قولًا لا يلفظُ بهِ إلا رقيقُ الدينِ ضعيفُ الإيمانِ !!فحينَ هُتكتْ أستارُ الشعراءِ لي ـ بفضلٍ من اللهِ وحده ُـ وتجلى أنّ أكثرهم فاسقونَ عزمتُ على التحذيرِ منهم إن مكن اللهُ لي ورزقني قلماً وبياناً! فإنّ هذا بابٌ من الجهادِ عظيمٌ :
وَفِي اللّسَانِ ـ إِن مُنعتَ ـ جِهادُ***وَفِي المِدَادِ ـ إِن عَييت ـ جِلادُ
فإنْ كنتَ ممن قعدوا عن الجهادِ لعذرٍ فجاهدْ بلسانك ، وإن قعدتْ عن ذلك لحُبسةٍ فيهِ أو رُتةٍ فجاهدْ بقلمكَ ومدادكَ .
ويا ليتَ من تتلمذنا عليهِ في درجاتِ التعليمِ رجعَ إلى البدايةِ والنهايةِ ورجع إلى غيرها من كتبِ أهلِ السنةِ والجماعةِ أهل العدلِ والإنصافِ وتصفح دواوينهم ومصنفاتهم فقرأ عنهم ورفعَ الجهلَ عن نفسهِ وعنا لكسبَ عظيمَ الأجرِ وطيّبَ الذكرِ ، ولوا أرادوا لأعدوا ـ عفا اللهُ عنا وعنهم وجزاهم خيرا على ما قدموه من تربية وتعليم ـ
أبو العلاء المعري في الميزان(2)
وإنْ تعجبْ فعجبٌ أمرُهم حين ينعتونَ هذا الشاعرَ المأفونَ بالحكمةِ ولا أدري أين حكمتهُ وهو يقولُ:
يد بخمس مئين عسجد فديت*** ما بالها قطعت في ربع دينار؟
قالَ الإمامُ ابن كثيرٍ ـ رحمهُ اللهُ تعالى ـ بعدَ ذكرِ هذا البيتِ(البداية والنهاية12 / 529) : (وهذا من إفكهِ يقولُ: اليد ديتها خمسمائة دينار فمالكم تقطعونها إذا سرقت ربع دينار وهذا من قلة عقلهِ ودينهِ وعمي بصيرة وذلك إنه إذا جنى عليها يناسبُ أن يكون ديتها كثيرة لينزجرَ الناسُ عن العدوان أما إذا جنت هي بالسرقةِ فيناسبُ أن تقل قيمتها وديتها لينزجر الناس عن أموال الناس وتصانُ أموالهم ولهذا قال بعضهم كانت ثمينةً لما كانت أمينةً فلما خانتْ هانتْ) قال ياقوتٌ ـ رحمهُ اللهُ تعالى ـ بعدها (معجم الأدباء 1/430) : ( كأن المعريَّ حماراً ، لا يفقهُ شيئاً وإلا فالمرادُ بهذا بينٌ لو كانت اليدُ لا تقطعُ إلا في سرقةِ خمسمائة دينارٍ لكثرُ سرقة ما دونها طمعا في النجاة ولو كانت اليد تفدى بربعِ دينارٍ لكثرُ من يقطعها ويؤدي ربع دينار ديةً عنها نعوذُ بالله من الضلال ).
يا أهلَ العقولِ أينَ الحكمةُ منهُ وهو يقولُ:
عقول تستخف بها سطور ***ولا يدري الفتى لمن الثبور
كتاب محمد وكتاب موسى***وإنجيل ابن مريم والزبور
يا أولي الألبابِ أينَ الحكمةُ منهُ وهو يقولُ:
أ أترك لذة الصهباء صرفا***بما وعدوك من لبن وخمر
حياة ثم موت ثم نشر***حديث خرافة يا أم عمرو
و أينَ العقلُ منهُ فضلا عن الحكمةِ وهو يقولُ:
ونهيت عن قتل النفوس تعمدا**وبعثت أنت لقتلها ملكين
وزعمت أن لنا معادا ثانيا***ما كان أغنـــــــــاها عن الحالين
قالَ يا قوتُ ـ رحمه الله تعالى ـ معلقاً : وهذا كلام مجنون معتوه !
وأينَ عقلهُ وقدْ أوصى أن يكتبَ على قبرهِ:
هذا جنـــاه أبى عليّ ***ومــــا جنيت على أحد
قال الإمام ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ بعد هذا البيت (12 /532): (وهذا يدلُ على أنهُ لم يتغيرْ عن اعتقادهِ).
يقولُ عائضٌ القرنيُّ كما في كتابهِ البليغِ (هكذا حدثنا الزمان) : ( أنا لا أعتبر أبا العلاء المعري حكيماً لأنه لو كان حكيما لنفع نفسه وسعى في إنقاذها من عذاب اللهِ وعقابهِ وكيف يكون حكيما وهو شاكٌ في الرسالةِ قادحٌ في النبوة معترض على الشريعة هازلٌ بالدين).
وقالَ ـ حفظهُ اللهُ تعالى ـ في موضعٍ آخرٍ: ( سرّحتُ النظرَ في دواوين أبى العلاء المعري فإذا الرجلُ مريض القلبِ منحرف عن الجادة ليس عنده دين يردعه ولا حياءٌ يرده يستهزئ ـ قاتله الله ـ بالرسلِ والرسالاتِ ويشكك في صدق الشريعة...)وقالَ بعدَ ذلك محذراً منه: (فعلى هواةِ الشعرِ أن يحذروا منهِ ويحتاطوا لدينهم من رجسهِ فقد تتبعتهِ في شعرهِ حتى خبرتُ الرجلَ وعرفت غوره فإذا هو ضال في معتقده جاهلٌ بربهِ مغترٌ بنفسهِ).
وقدْ عرضَ ذكرُ أبي العلاء المعري في إحدى حصصِ اللغةِ العربيةِ فأنشدتُ شيئاً من أشعاره التي أستحسنها كلاميته التي يقول في أولها :
*ألا في سبيــــــل المجـــــد مـــــــا أنــــا فــــاعــــــل*
ثم ذكرت شيئاً من أخبارهِ وزندقتهِ وبأنهُ كان يستهزئ بالقرآنِ والسنةِ وأنهُ لا يأكلُ اللحمَ ولا البيضَ ولا اللبنَ ويحرمُ إيلامَ الحيوانِ. فارتجتْ قاعةُ الصفِ من ضحكِ الطلابِ(انتبه:الطلابُ بينهم وبينَ البلوغِ مفاوزٌ ) فعلمتُ أن هؤلاءِ الأطفالَ وإن صغرتْ عقولهم وألبابهم أعقلُ وألبُ ممن أحرقَ شبابهُ وأفنى عمرهُ في كتبِ الأدبِ على عمى نعوذُ باللهِ من العمى !! (فطرة الله التي فطر الناس عليها ).و لا تثريبَ عليهم ولا لومَ لأن أبا العلاءِ قدْ كذبَ عليهم وادعى صحةَ العقلِ والحكمةِ حين قالَ:
غدوتَ مريض العقل والرأي فالقني *** لتعلم أنباء العقول الصحائح
فصدقهُ هؤلاءِ المساكين وظنوا بهِ خيراً وما ذاك إلا لغفلتهم.
الحمدُ للهِ الذي عافانا مما ابتلا بهِ هؤلاءِ وفضلنا على كثير ممن خلقَ تفضيلا!
اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك !
اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك !
اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك !
(اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إن أنت الوهاب)!
كتبه: حسين بن رشود العفنان / حائل
23/6/1425هـ
--------------------
الحاشية:
(1) أي الورع
(2) اختصر الأديب الزيات حياة المعري فقال : (كان في ظلام الرحم وولد في ظلام العشية ثم عاش في ظلام البصر وانتهى إلى ظلام القبر) قلت : وشقي في ظلام البصيرة ، ظلمات بعضها فوق بعض ! نسأل الله السلامة والعافية!