
اخواتي المسكيات الغاليات
موعدنا يوم السبت القادم الساعة التاسعة مساءا بتوقيت مكة بمدارسة ...
[blink]فقه الواقع سؤال وجواب للألباني رحمه الله[/blink]
واليكم المادة :
فقهُ الواقع ِ
إنَّ الحَمدَ لله نَحمَدُهُ ونَستعينُهُ ونَستغفرُهُ ، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسنا ومِن سيِّئاتِ أعمالِنا ، مَن يَهدِهِ اللهُ فلا مُضلَّ لهُ ، ومَن يُضِلل فلا هادِيَ لهُ .
وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شريكَ لهُ .
وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُهُ .
أمَّا بَعد :
فإنَّ رَسولَ اللهِ مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم يقولُ : (( يُوشِكُ الأُمَمُ أن تـَداعى عَليكُم ، كما تـَداعى الأكَلَةُ إلى قَصْعَتِها )) .
فقال قائلٌ : ومِن قِلَّةٍ نَحنُ يَومَئذٍ ؟
قال : (( بَل أنتُم يَومَئذٍ كثيرٌ ، ولكنَّكُم غُثاءٌ كَغُثاء ِ السَّيل ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللهُ من صُدورِ عَدُوِّكُم المَهابَةَ منكُم ، وَلَيَقْذفَنَّ اللهُ في قُلوِبكُم الوَهَن )) .
فقال قائلٌ : يا رَسولَ اللهِ ! وما الوَهَنُ ؟
قال : (( حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ المَوت ))( ) .
◄ واقعُ المُسلمين :
قـَد تـَجلَّى هذا الحَديثُ النَّبويُّ الشريفُ بأقوى مظاهرِهِ وأجلى صُوَرِهِ ، في الفتنةِ العظيمَةِ التي ضَرَبَت المُسلمين ؛ فَفَرَّقـَتْ كلمَتـَهُم ، وَشـَتـَّتـَتْ ( صُفوفَـَهُم ) .
وَلـَقـَد أصابَ طـَرَفٌ مِن هذه الفتنةِ القاسيةِ جَذْرَ قـُلوبِ عَددٍ كبيرٍ مِن الدُّعاةِ وَطـَلـَبَةِ العلم ِ ، فانقـَسَموا ـ وللأسَف الشديدٍ ـ على أنفُسهم ، فصارَ بَعضُهُم ( يَتـَكلـَّمُ ) في بَعض ٍ ، والبَعضُ ( الآخَرُ ) ينقـُدُ الباقين ، ويَرُدُّ عليهم ... وهكذا ...
◄ معرفةُ الحقِّ بالردِّ :
وليسَت تلك الرُّدودُ ( مُجَرَّدة ً ) ، أو هاتيكَ النَّقـَداتُ ( وَحدَها ) بضائرةٍ أحداً مِن هؤلاء أو أولئكَ ، سواءٌ منهم الرَّادُّ أم المَردودُ عليه ، لأنَّ الحَقَّ يُعرَفُ بنوِرهِ ودلائِلهِ ، لا بِحاكيِه وقائِلهِ ـ عند أهل ِ الإنصافِ ، وليسَ عندَ ذوي التعصُّب والاعتساف ـ ؛ وإنَّما الذي يَضيرُ أولئكَ أو هؤلاء : هو الكلامُ ، بغَير علم ٍ ، وإلقاءُ القَول ِ على عَواهِنِهِ ، والتكلُّمُ بغَيرِ حقَّ على عبادِ الله !!◄ مسألةُ (( فقه الواقع )) :
ولـَقـُد أثيرَت أثناءَ تلك الفتنةِ العَمياء ِ الصمَّاء ِ البَكماء ِ مسائلُ شَتَّى ؛ فِقهيَّة ً ، ومَنهَجيَّة ً ، ودَعَويَّة ً ، وكان لنا ـ حينَها ـ أجوبة ٌ علمَّية ٌ عليها بِحَمد الله سبحانهُ ومِنَّتِه .
ومِن المَسائل التي أعقَبَت تلك الفتنة َ ، وكَثُرَ الخَوضُ فيها : ما اصْطَلحَ ( البَعضُ ) على تَسميِتِه بـ (( فقه الواقع )) !!
وأنا لا أخاِلفُ في صورَةِ هذا العلم ِ الذي ابتَدعوا لهُ هذا الاسمَ ، ألا وهو (( فقه الواقع )) ؛ لأنَّ كثيراً مِن العُلَماءِ قـَد نَصُّوا على أنَّه يَنَبغي على مَن يَتَوَلونَ تَوجيهَ الأمَّةِ وَوضعَ الأجوبَةِ لِحَلِّ مشاكلهم : أن يَكونوا عالمينَ وعارفينَ بِواقِعِهِم ؛ لذلك كان مِن مَشهورِ كلماِتهِم : (( الحُكمُ على الشيءِ فَرعٌ عَن تَصَوُّرهِ )) ، ولا يَتَحقَّق ذلك إلا بمَعرفَةِ ( الواقِع ) المُحيطِ بالمسألَةِ المُرادِ بَحثُها ؛ وهذا مِن قَواعدِ الفُتيا بِخاصَّةٍ ، وأصول ِ العلم ِ بعامَّةٍ .
فَفِقهُ الواقع ـ إذاً ـ هو الوقوفُ على ما يَهُمُّ المُسلمين مِمَّا يَتَعلَّقُ بشؤوِنهِم ، أو كيدِ أعدائِهم ؛ لتحذيرِهم ، والنُّهوض ِ بهم ، واقعيَّاً ، لا كلاماً نَظَريَّاً( ) ، أو انشغالاً بأخبارِ الكُفَّارِ وأنبائهم ... أو إغراقاً بِتحليلاِتهِم وأفكارِهم ِ !!
◄ أهمِّيَّةُ معرفة الواقع :فمَعرفةُ الواقع ِ للوُصول ِ به إلى حُكم ِ الشرع ِ واجبٌ مهم مِن الواجباتِ التي يَجبُ أن يَقومَ بها طائفة ٌ مُختصَّة ٌ مِن طلاَّب ِ العلم ِ المُسلمينَ النُّبَهاء ِ ، كأيِّ علم مِن العلوم ِ الشرعيَّةِ ، أو الاجتماعيَّةِ ، أو الاقتصاديَّةِ ، أو العَسكريَّةِ ، أو أيِّ علم ٍ يَنفعُ الأمَّة َ الإسلاميَّة َ ويُدنيها مِن مَدارج ِ العَودَةِ إلى عِزِّها ومَجدِها وَسُؤْدُدِها ، وَبـِخاصَّةٍ إذا ما تـَطَوَّرَت هذه العلومُ بتـَطوُّرِ الأزِمنَةِ والأمكنَةِ .
◄مِن أنواع ِ (( الفقه )) الواجبة :وَمِمَّا يَجبُ التَّنبيهُ عليه في هذا المَقام ِ أنَّ أنواعَ الفقهِ المَطلوبَة َ مِن جُملـَةِ المُسلمين ليسَت فـَقـَط ذلك الفقهَ المَذهَبيَّ الذي يَعرفونَهُ ويتلقـَّنونَهُ ، أو هذا (( الفقهَ )) الذي تـَنـَبَّه إليه ونَبَّهَ عليه بعضُ شبابِ الدُّعاةِ ! حيثُ إنَّ أنواعَ الفقهِ الواجبِ على المُسلمين القيامُ بها ـ ولو كِفائيَّاًً عل الأقلّ ـ أكبرُ مِن ذلك كلـِّه ، وأوسَعُ دائرَة ً منهُ ؛ فَمِن ذلك مَثلا ً : (( فقه الكتاب )) ، و (( فقه السُّنـَّة )) ، و (( فقه اللُّغَة )) ، و (( فقه السُّنن الكَونيَّة )) ، و (( فقه الخلاف )) ، ونَحو ذلك مِمَّا يُشبهُهُ .وهذه الأنواعُ مِن الفقه ـ بـِعُمومِها ـ لا تـَقِلُّ أهميَّة ً عَن نَوعي الفقهِ المُشارِ إليهما قـَبلُ ، سواءٌ منها الفقهُ المَعروفُ ، أم (( فقهُ الواقع ِ )) الذي نَحنُ بـِصدَدِ إيضاح ِ القَول فيه .
وَمَع ذلك كُلـِّه ؛ فإنَّنا لا نَرى مَن يُنَبِّهُ على أنواع ِ الفقهِ هذه ، أو يُشيرُ إليها ! وَبخاصَّةٍ (( فقه الكتاب والسنة )) الذي هو رَأسُ هذه الأنواع ِ وأسُّها ، هذا الفقهُ الذي لو قال أحدٌ بوجوبهِ عَينيَّا ً لـَما أبعَدَ ؛ لِعَظيم ِ حاجَةِ المُسلمين إليه ، وشديدِ لُزومِهِ لهم ؛ وبالرُّغم ِ من ذلك :
فإنَّنا لا نَسمَعُ مَن يُدَندِنُ حَولَهُ ، وَيُقَعِّدُ مَنهَجَهُ ، ويشغلُ الشبابَ بهِ ، وَيُربيهم عليه !
◄ نُريدُ ( المَنهج ) لا مُجرَّدَ الكلام :نَعَم ؛ كثيرون ـ ولله الحَمد ـ الَّذينَ يَتـَكلَّمونَ في الكتاب والسُّنَّة اليَومَ ، وَيُشيرون إليهما ، ولكنَّ الواجبَ الذي نُريدُهُ ليسَ فقط أكتوبَة ً ، أو مُحاضَرَة ً هناك ، إنما الذي نُريدُهُ جَعلُ الكتاب ِ والسُّنَّة الإطارَ العامِّ لكلِّ صَغير وكبير ِ ، وأن يَكونَ منَهجهمُماً هو الشِّعارَ والدِّثارَ للَّدعوَةِ ؛ بَدْء ٍ وانتهاءً ، وبالتَّالي أن يَكونَ تـَفكيرُ المَدعوّين مِن الشبابِ وغَيرهم مُؤصَّلا ً وَفـْق هذا المَنهَج العَظيم الذي لا يصَلاحَ للأمَِّة إلا بهِ وعليه .
فلا بُدَّ ـ إذا ً ـ من أن يكون هناك عُلماءُ في كُلَّ أنواع الفقه ِ المُتقدِّمَةِ ـ وبخاصَّة (( فقه الكتاب والسُّنَّة )) ـ ، بـِضَوابط واضحةٍ ، وَقواعِدَ مُبيِّنَةٍ .
◄ الانقسام حولَ (( فقه الواقع )) :ولكَّننا سمِعنا ولاحَظنا أنَّهُ قـَد وَقـَعَ كثيرٌ مِن الشبابِ المُسلم ِ في حَيْصَ بيْصَ نَحو هذا النَّوع ِ من العلم الذي سَبَقت الإشارَةُ إلى تـَسمِيَتهم له بـِ (( فقه الواقع )) ، فانقـَسموا قسمين ، وصاروا ـ للأسَفِ ـ فَريقيَن ، حيثُ إنَّه قـَد غـَلا البَعضُ بهذا الأمر ، وَقـَصَّرَ البَعضُ الآخَرُ فيهِ !
إذ إنكَ تـَرى وتـَسمَعُ ـ مِمَّن يُفَخِّمونَ شأنَ (( فقه الواقع )) ، وَيَضعونَهُ في مرتبةٍ عَليَّةٍ فوقَ مَرتبتهِ العلميَّةِ الصَّحيحةِ ، ـ أنهم يُريدونَ مِن كُلِّ عالم ٍ بالشرع ِ أن يَكونَ عالماً بما سَمَّوهُ (( فقه الواقع )) !
كما أن َّ العَكسَ ـ أيضاً ـ حاصلٌ فيهم ، فـَقـَد أوْهموا السَّامعينَ لهم ، والمُلتـَفَّينَ حَولـَهُم أنَّ كلَّ مَن كان عارفاً بواقع العالم ِ الإسلاميِّ هو فقيهٌ في الكتابِ والسُّنَّةِ ، وعلى منهج السَّلف الصَّالح !!
وهذا ليسَ بلازِم ٍ كما هو ظاهرٌ .