الخشوع في الركوع: ثم إذا هممت بالركوع بعد انتهاء القراءة ترفعين يديك حذو منكبيك أو حيال أذنيك ، وتكبرين استسلاما لله سبحانه حيث أمرك بالركوع ، وفي ذلك تتفكرين كيف أن الله تعالى أمرك بالوقوف بين يديه فقدمت خاضعة مستسلمة ، وأمرك بالركوع والانحناء لعظمته فركعت خاضعة مستسلمة ، وتتفكرين في التكبير حيث الله أكبر من كل شيء ، أكبر منك حيث أخضعك لجلاله ، وأكبر من أي عظيم أو كبير؟ فالكل لابد أن يخضع له ويذل له اعترافًا بربوبيته وألوهيته ، ثم لا تملكين بعد هذا التكبير إلا أن تقولي سبحان ربي العظيم ، واجتهدي وأنت في الركوع بتعظيم الله بجميع أنواع التعظيم لقوله: { فأما الركوع فعظموا فيه الرب } [رواه مسلم].
الخشوع في السجود: وأنت بعد هذا الخضوع بالانحناء له وبعد القيام بين يديه تنظرين إلى الأرض وبصرك مرتكز على موضع سجودك ، لا تلتفتين يميناً ولا شمالاً ، ثم تهوين بعد ذلك على الأرض مكبرة الله سبحانه وتعالى ، معلنة الاستسلام لهذا النوع من الخضوع ، فهو أشد من الأولين.
ثم تمكنين مجمع محاسنك ومحل احترامك من الأرض لرب العالمين طاعة واستجابة لأمره ، وذلاً وخضوعًا بين يديه ، فيكون خرورك إلى الأرض وتمكينك لأعضائك أثناء السجود تمكين الخائف من ربه ، الراكب فيما عنده ، المبتغي رضاه ، الطامع في رحمته وعفوه ، فلا شيء أقرب إلى الله من السجود ، ولا موضع لإجابة الدعاء أقرب من السجود ، ولا عمل يغفر الذنوب ويزيد الحسنات ويرفع الدرجات مثل السجود.
ثم تكبرين حال رفعك موقنة أن الله أكبر من كل شيء ، ثم تجلسين قائلة: (رب اغفر لي رب اغفر لي).
وتستحضرين في دعائك هذا أنك مذنبة تحتاجين المغفرة ، مسكينة تحتاجين الرحمة ، كسيرة تحتاجين الجبر ، وضيعة تحتاجين الرفع ، ضالة تحتاجين الهداية ، مريضة مبتلاة تحتاجين العافية ، فقيرة تحتاجين الرزق ، ثم تخرين للسجود لتعاودي التسبيح والدعاء مرة أخرى وتفعلين كالسجدة الأولى.
الخشوع في التشهد: ثم إذا بلغت التشهد وجلست له ، فعليك أن تستحضري أنك تلقين بين يدي الله كلمات عظيمات علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ، وتلقين التحيات بجميع أنواعها الحسنة لله - سبحانه وتعالى - فهو المستحق لذلك ، وتعترفين بأن جميع الصلوات لله ، فلا أحد يستحق أي نوع من أنواع الصلوات سواء الفعلية أو القولية.
ثم تثنين بإلقاء التحية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مستحضرة أنه يرد عليك سلامك وهو في قبره ، ثم تكررين إخلاصك خاتمة به ، فتشهدين أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وتشهدين أن محمدًا عبده ورسوله ثم تصلين على النبي ، وصلاتك عليه اعترافًا بفضله عليك حيث كان سبب هدايتك لهذا الدين القويم والصراط المستقيم الذي أنقذك به من عذاب النار.
تستعيذين بالله من أربع تجعلينها نصب عينيك دائماً في كل حين وعلى كل حال: عذاب النار ، وعذاب القبر ، وفتنة المسيح الدجال ، وفتنة المحيا والممات.
ثم تسألين الله بعد ذلك من خير الدنيا والآخرة وذلك قبل السلام ، كما ورد في سنة محمد ، ثم إذا انتهيت من الدعاء فسلمي وبذلك تكونين قد انتهيت من صلاة خاشعة مطمئنة أجرها عظيم ، واستغفري الله بعد سلامك خشية أن تكوني قصرت في أداء الصلاة كما ينبغي ، ثم اشرعي في الأذكار الواردة بعد السلام ، ومنها: (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام).
هذا وأسأل الله أن يجعلنا ممن يخشعون في صلواتهم ويخشونه في أعمالهم وأقوالهم غيباً وشهادةً والله المستعان وعليه التكلان وبه الاطمئنان ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.