المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لحظـــات مرحة مع الشيخ علي الطنطاوي


نور الشام
02-13-2005, 09:30 PM
عش مع الشيخ الطنطاوي لحظات مرحة !

أنا رجل يتصورني القراء من بعيد (شيئا) أكبر من حقيقتي، فلماذا أفضح نفسي عندهم؟ وعم أتحدث إليهم؟ والأحاديث كثيرة، وما حدث لي يملأ كتبا؟

ثم قلت: لماذا لا أتحدث عن هذا. عن حقيقتي في نفسي وصورتي عند القراء. ولي في هذا الباب طرائف عجيبة. وأنا أكتب منذ أكثر من عشرين سنة في جرائد الشام ومجلات مصر ولبنان كتابة شيخ مكتهل، فكان القراء يحسبونني شيخا أشيب الشعر محني الظهر يدبّ دبيبا. وعلى وجهه من كتابة الأيام والتجارب سطور من (الأخاديد) فوق سطور، وما كنت أحب أن أذيع هذه الطرائف لأنها لا تنفع السامعين وإن كانت قد تلذ لهم. ولكن المحطة أرادت أن أحدث المستمعين عن بعض ما حدث لي مضحكا كان أم غير مضحك. ولا بأس فالضحك ينفع الجسم ويدفع الدم، ويزيد الشهية، أما المصيبة أن تجيء النكتة باردة لا تضحك.. أو أن أكون ثقيلا يتخفف، والثقيل إذا تخفف صار طاعونا... والعياذ بالله.

سيداتي وسادتي!! مما وقع لي:

أن جاءني مرة وكنت في عنفوان الشباب أكتب في أوائل كتاباتي في الرسالة (عام 1933) ثلاثة من الغرباء عن البلد، لم يعجبني شكلهم، ولم يطربني قولهم، فوقفت على الباب أنظر إليهم فأرى الشكل يدل على أنهم غلاظ، وينظرون إليّ فيرون فيّ (ولدا)، فقالوا هذه دار فضيلة الشيخ الطنطاوي؟ قلت كارها: نعم… فقالوا: الوالد هنا؟ قلت: لا… قالوا: فأين نلقاه؟ قلت: في مقبرة الدحداح على الطريق المحاذي للنهر من جهة الجنوب. قالوا: يزور أمواته؟ قلت: لا. قالوا: إذن؟ قلت: هو الذي يزار... فصرخ أحدهم في وجهي صرخة أرعبتني وقال: مات؟ كيف مات؟ قلت: جاء أجله فمات... قالوا: عظم الله أجركم، إنا لله وإنا إليه راجعون، يا خسارة الأدب. قلت: إن والدي كان من جل أهل العلم ولكن لم يكن أديبا... قالوا: مسكين أنت لا تعرف أباك.

وانصرفوا وأغلقت الباب وطفقت أضحك وحدي مثل المجانين، وحسبت المسألة قد انتهت فما راعني العشية إلا الناس يتوافدون عليّ فأستقبلهم، فيجلسون صامتين إن كانوا لا يعرفون شخصي، ومن عرفني ضحك وقال: ما هذه النكتة السخيفة؟ قلت: أي نكتة؟ فأخرج أحدهم الجريدة وقال: هذه؟ هل تتجاهل؟ فأخذتها وإذا فيها نعي الكاتب الـ … كذا وكذا.. علي الطنطاوي… هذه واحدة‍.

ومما حدث لي أنني:

لما كنت أعمل في العراق سنة 1936 نقلت مرة من بغداد إلى البصرة إثر خصومة بيني وبين مفتش دخل علي الفصل فسمع الدرس. فلما خرجنا (نافق) لي وقال أنه معجب بكتاباتي وفضلي. (ونافقت) له فقلت إني مكبر فضله وأدبه. وأنا لم أسمع اسمه من قبل. ثم شرع ينتقد درسي قفلت: ومن أنت يا هذا؟ وقال لي وقلت له..

وكان مشهدا طريفا أمام التلاميذ.. رأوا فيه مثلا أعلى من (تفاهم) أخوين، وصورة من التهذيب والأخلاق. ثم كتبت عنه مقالة كسرت بها ظهره، فاستقال و (طار) إلى بلده، ونقلت أنا عقوبة إلى البصرة.

وصلت البصرة فدخلت المدرسة، فسألت عن صف (البكالوريا) بعد أن نظرت في لوحة البرنامج ورأيت أن الساعة لدرس الأدب. توجهت إلى الصف من غير أن أكلم أحدا أو أعرفه بنفسي.

فلما دنوت من باب الصف وجدت المدرس، وهو كهل بغدادي على أبواب التقاعد، يخطب التلاميذ يودعهم وسمعته يوصيهم (كرما منه) بخلفه الأستاذ الطنطاوي، ويقول هذا وهذا ويمدحني... فقلت: إنها مناسبة طيبة لأمدحه أنا أيضا وأثني عليه ونسيت أني حاسر الرأس وأني من الحر أحمل معطفي على ساعدي وأمشي بالقميص بالأكمام القاصر، فقرعت الباب قرعا خفيفا، وجئت أدخل. فالتفت إليّ وصاح بي ايه زمال وين فايت؟ (والزمال الحمار في لغة البغداديين) فنظرت لنفسي هل أذني طويلتان؟ هل لي ذيل؟… فقال: شنو؟ ما تفتهم (تفهم) أما زمال صحيح. وانطلق بـ (منولوج) طويل فيه من ألوان الشتائم ما لا أعرفه وأنا أسمع مبتسما.

ثم قال تعال لما نشوف تلاميذ آخر زمان. وقف احك شو تعرف عن البحتري. حتى تعرف إنك زمال ولاّ لأ؟

فوقفت وتكلمت كلاما هادئا متسلسلا، بلهجة حلوة، ولغة فصيحة. وبحثت وحللت وسردت الشواهد وشرحتها، وقابلت بينه وبين أبي تمام وبالاختصار، ألقيت درسا يلقيه مثلي.. والطلاب ينظرون مشدوهين، ممتدة أعناقهم، محبوسة أنفاسهم، والمدرس المسكين قد نزل عن كرسيه وانصب أمامي، وعيناه تكادان تخرجان من محجريهما من الدهشة، ولا يملك أن ينطق ولا أنظر أنا إليه كأني لا أراه حتى قرع الجرس..

قال: من أنت؟ ما اسمك؟ قلت: علي الطنطاوي؟

وأدع للسامعين الكرام أن يتصوروا موقفه!

والبصرة (بندقية العرب) فيها مع كل شارع قناة. فأنت إن شئت انتقلت بحرا، وإن شئت سرت برا، وفيها شط العرب، لا يعدل جماله وأنت تخطر فيه العشية بهذه الزوارق الحلوة مكان في الدنيا. والبصرة كانت دار الأدب، ومثابة الشعر ومنبع العربية، وتاريخها تاريخ البيان العربي، ولكن أيامي في البصرة، كانت شقاء دائما، وكانت إزعاجا مستمرا. ولي فيها أحاديث مضحكات، وأحاديث مبكيات، ولولا أن أجاوز هذه الدقائق التي منحتني إياها المحطة لعرضت لأحاديثها.

ولكن لا، ولك أيتها الإذاعة الشكر على أن حددت الوقت، فتركتني أتعلل بذكريات أمسي وحدي، وأن أعيش في ماضي على هواي، لا يراقبني المستمعون ولا يشاركني لذة الادكار أحد.

أم إيمان
02-16-2005, 02:52 PM
جميل موضوع جميل يا نورنا بارك الله بك
رحم الله شيخنا كان يتمتع بحضور كبير في النفوس
الحياة فيها الكثير الكثير ومن يوثقها بالكلمة ويستطيع يقدم خدمات لأجيال تلي
دمت حبيبة

المسلمة
02-16-2005, 06:36 PM
:)شكرا نور.

ام المنذر
02-16-2005, 08:08 PM
جزاك الله خيرا يا نور ...اتحفتينا بروائع الشيخ رحمه الله.

نور الشام
02-18-2005, 06:12 PM
رحم الله شيخنا الغالي
شكرا لمروركن يا حبيبات
بارك الله بكن

المتسامحة
02-18-2005, 11:20 PM
رحم الله شيخنا الحبيب القريب البيب الأريب

لطالما تابعته رغم صغر سني في حلقاته الرمضانيه

لازلت اتذكر نصائحة التربوية للبنات

وتوصياته على البنات وحديثه عن ابنته

نور اثرتي الذكريات

اشعر بشوق للذهاب وتصفح كتابه

وفقك الرحمن

اشتقت لكن

يا حبيباتي

بسمات فجر
02-19-2005, 09:23 AM
رااااااااااااائعة يا نور .. موضوع جميييل يا غاليتي

http://www.almeske.net/vb/images/icons/icon10.gif


منَّ الكريم علينا اليوم ... بموضوعك ان اطلقنا من الاعمااااااااااق بسماتنا الفجرية

لا عدمتك ..*

بسمات فجر
02-23-2005, 03:34 PM
من ذكريات الشيخ علي الطنطاوي

بقلم : الشيخ علي الطنطاوي

هذه الأحداث وقعت في سنة 1935م كما ذكر الشيخ ـ يرحمه الله ـ في كتابه: (من نفحات الحرم)، يقول: "ولما وصلنا القريات في السعودية استقبلنا أمير القريات بنفسه، وأخذ ونحن في مجلسه يقول: قهوة شاهي قهوة شاهي، فأخذ يدور علينا بها عبد أسود، ثم أديرت علينا المجمرة وفيها البخور فلم ندر ما نصنع بها ثم وجدنا الأمير يضم عليها عباءته حتى يتعشق الطيب بثيابه ثم يدعها فصنعنا مثله، وانتهى العبد من إدارته البخور فأخذ الأمير ينظر إلينا، فقام شيخنا الرواف واستأذن فقمنا معه وقال لنا شيخنا الرواف ألم تسمعوا المثل النجدي؟ قلنا: وما ذاك؟ قال: "إذا دار العود فلا قعود"، فعلمت سر نظر الأمير لنا.
وبعد الظهر اجتمعنا مع الأمير للغداء ورأينا عادات لم نألفها وطرائف من الطعام لم نعرفها، فما كاد يستقر بنا المجلس حتى أقبل العبيد فمدوا سماطاً على الأرض ووضعوا عليه قصعة هائلة وقد مُلِئت أرزاً، وألقي فوقه خروف كامل بيديه ورجليه ورأسه، كأنهم والله أعلم خافوا أن نشك فيه فنحسبه دباً أو فيلاً أو قطاً فأبقوا على رأسه دليلاً قاطعاً على أنه خروف أصيل من أمة الضأن لا من شعب الثعالب.
وكان الخروف مفتوح العينين، ناعس الطرف، فأخذتني الشفقة عليه، وتوهمت أنه ينظر إلينا، ثم رأيت ألا مجال للوهم ولا الخيال، لأن القوم أحدقوا بالقصعة وشمروا عن سواعدهم، فِعلَ من يقدم على معركة، فخشيت أن يذهبوا بالأرز واللحم ويبقى لي الخيال والوهم

نور الشام
03-04-2005, 02:37 PM
بسمات
أضفيت ابتسامة كبيرة على الموضوع
لا عدمتك

المتسامحة
لمرورك عبق خاص
دمت بألف خير يا حبيبة

بسمات فجر
03-04-2005, 05:18 PM
اسعدك الله نور :)