بسمات فجر
02-13-2005, 04:34 PM
في منازل الدنيا كَتَبة وحَفَظة وحَملة علوم، وخطباء وشعراء
ومتكلمون، ينثرون وينظمون، تحبِّر أقلامهم وتنطلق حناجرهم، تراهم في كل واد
يَهيمون، وفي كل علم يتكلمون، ولكن مجموعهم - إلا من رحم ربك - يقولون ولا
يفعلون، وينصحون ولا يُنصحون.
تكلموا فأطنبوا، وخطبوا فأجادوا، وكتبوا فسوَّدوا القراطيس وملؤوا الكراريس، وقد
يصدقون في الأقوال، ولكن إذا سألت عن الأفعال ما رأيت لأكثرهم من عهد ووجدت
أكثرهم مُفلسين! أقوالهم أعراض سيَّالة ينقضي أوانها بمجرد النطق بها، وكتاباتهم
زخاريف وتزاويق، تَبورُ بمجرد أن يجفّ الحبر ويرجع الرِّيق، وليس لهم من كل ذلك
إلا كدّ القرائح وكدح الجوارح!
إن الكَلِم الطيب لا يرتفع إلى السماء ولا يلج في قلوب العباد إلا بالعمل الصالح، والله
تعالى يقول: <إِليهِ يصعدُ الكَلِمُ الطيِّبُ والعملُ الصالح يرفعه> فاطر 10، يقول الشاعر:
لا تَرْضَ من رجل حلاوةَ قولهِ حتى يُزيِّنَ ما يقول فِعالُ
ويقول آخر:
لا يكون المَقالُ إلا بفعلٍ كلُّ قول بلا فعالٍ هَباءُ
فإذا وَزنْتَ مَقال الرجل بفعاله فاستويا وتوازنا فهو من خيار الناس وساداتهم، وإذا ثقلت كفّة الكلام وخفّت كفّة الأعمال فهو من دَهْماء الناس وعامتهم.
يقول ابن المقفع: »قول بلا عمل كثر يد بلا دسَم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر«. ولقد ورد عن السلف: يا حملةَ العلم! اعملوا به، فإنما العالِمُ مَنْ عَلم ثم عَمِل، ووافق علمُه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيَهُم، تخالف سريرتُهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يقعدون حِلَفاً فيباهي بعضهم بعضاً.
تحاصرك مقالات ساحرة، وخُطب آسرة، يُزايلها الصدق ويفارقها الإخلاص.
هي أشبه شيء بالنظريات التجريدية التي تنقصها الشواهد المرئية وتفوتها الأدلة
القطعية، قد تُنكر العين ضوءها من غير رَمَد، وتُنكر الجوارح أَثرها من غير سَقَم! ألا
إن الرجال تُقاس بالأعمال، وتوزَنُ بالأفعال، وإن الإسلام قد جعل مناطَ الثواب متعلقاً
بالأعمال لا بالأقوال، وحذَّر من قول بلا عمل ومن دعوى بلا فعل، قال الله تعالى: <يا أيها الذين آمَنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلونَ كَبُرَ مقتاً عند اللهِ أنْ تقولوا ما لا تفعلونَ> الصف 2،3.
فالدعاوى المجرّدة أغصانٌ لا تُثمر ولا تَنْفع سوى ما يُلْقى منها طعمةً للنيران
. وقد لا
تكون مقاصد أصحاب المزاعم التي فارقتها العزائم إلا جَرّ مَغنم مذموم أو كسبَ شرف مَوْهوم!
إن إبدال الأقوال بالأعمال جعل الطامحين إلى المجد والمستشرفين إلى العلياء صوراً شوْهاء ونماذج عَوْراء في مجال الاقتداء.
فمن أراد أن يتأسَّى بأحد بعد رسول الله | فليتأسَّ بصحابة محمد | وتلامذته الكرام الذين كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً،
وأقلّها تكلّفاً، وأقومها هَدْياً، وأحسنها حالاً ومقالاً، تحدثت عنهم أفعالهم، ونطقت
آثارهم، عرفت لهم البشرية أعمالاً جليلة تناطح السحاب، وتعلو الجَوْزاء وتتيه على السَّبع الطِّباق!
إن من سلكَ درب هؤلاء أيقن أنه لا يَصْدُق القول حتى يصدق العمل، فلنجعل أقوالنا
عُنواناً لأفعالنا، وأعمالنا ترجماناً لأقلامنا، ونعيذ بالله تعالى أنفسنا من علم لا ينفع،
ومن عمل لا يُرفع، ومن دعاء لا يُسمع!
للشيخ نزيه مطرجي...*
ومتكلمون، ينثرون وينظمون، تحبِّر أقلامهم وتنطلق حناجرهم، تراهم في كل واد
يَهيمون، وفي كل علم يتكلمون، ولكن مجموعهم - إلا من رحم ربك - يقولون ولا
يفعلون، وينصحون ولا يُنصحون.
تكلموا فأطنبوا، وخطبوا فأجادوا، وكتبوا فسوَّدوا القراطيس وملؤوا الكراريس، وقد
يصدقون في الأقوال، ولكن إذا سألت عن الأفعال ما رأيت لأكثرهم من عهد ووجدت
أكثرهم مُفلسين! أقوالهم أعراض سيَّالة ينقضي أوانها بمجرد النطق بها، وكتاباتهم
زخاريف وتزاويق، تَبورُ بمجرد أن يجفّ الحبر ويرجع الرِّيق، وليس لهم من كل ذلك
إلا كدّ القرائح وكدح الجوارح!
إن الكَلِم الطيب لا يرتفع إلى السماء ولا يلج في قلوب العباد إلا بالعمل الصالح، والله
تعالى يقول: <إِليهِ يصعدُ الكَلِمُ الطيِّبُ والعملُ الصالح يرفعه> فاطر 10، يقول الشاعر:
لا تَرْضَ من رجل حلاوةَ قولهِ حتى يُزيِّنَ ما يقول فِعالُ
ويقول آخر:
لا يكون المَقالُ إلا بفعلٍ كلُّ قول بلا فعالٍ هَباءُ
فإذا وَزنْتَ مَقال الرجل بفعاله فاستويا وتوازنا فهو من خيار الناس وساداتهم، وإذا ثقلت كفّة الكلام وخفّت كفّة الأعمال فهو من دَهْماء الناس وعامتهم.
يقول ابن المقفع: »قول بلا عمل كثر يد بلا دسَم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر«. ولقد ورد عن السلف: يا حملةَ العلم! اعملوا به، فإنما العالِمُ مَنْ عَلم ثم عَمِل، ووافق علمُه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيَهُم، تخالف سريرتُهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يقعدون حِلَفاً فيباهي بعضهم بعضاً.
تحاصرك مقالات ساحرة، وخُطب آسرة، يُزايلها الصدق ويفارقها الإخلاص.
هي أشبه شيء بالنظريات التجريدية التي تنقصها الشواهد المرئية وتفوتها الأدلة
القطعية، قد تُنكر العين ضوءها من غير رَمَد، وتُنكر الجوارح أَثرها من غير سَقَم! ألا
إن الرجال تُقاس بالأعمال، وتوزَنُ بالأفعال، وإن الإسلام قد جعل مناطَ الثواب متعلقاً
بالأعمال لا بالأقوال، وحذَّر من قول بلا عمل ومن دعوى بلا فعل، قال الله تعالى: <يا أيها الذين آمَنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلونَ كَبُرَ مقتاً عند اللهِ أنْ تقولوا ما لا تفعلونَ> الصف 2،3.
فالدعاوى المجرّدة أغصانٌ لا تُثمر ولا تَنْفع سوى ما يُلْقى منها طعمةً للنيران
. وقد لا
تكون مقاصد أصحاب المزاعم التي فارقتها العزائم إلا جَرّ مَغنم مذموم أو كسبَ شرف مَوْهوم!
إن إبدال الأقوال بالأعمال جعل الطامحين إلى المجد والمستشرفين إلى العلياء صوراً شوْهاء ونماذج عَوْراء في مجال الاقتداء.
فمن أراد أن يتأسَّى بأحد بعد رسول الله | فليتأسَّ بصحابة محمد | وتلامذته الكرام الذين كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً،
وأقلّها تكلّفاً، وأقومها هَدْياً، وأحسنها حالاً ومقالاً، تحدثت عنهم أفعالهم، ونطقت
آثارهم، عرفت لهم البشرية أعمالاً جليلة تناطح السحاب، وتعلو الجَوْزاء وتتيه على السَّبع الطِّباق!
إن من سلكَ درب هؤلاء أيقن أنه لا يَصْدُق القول حتى يصدق العمل، فلنجعل أقوالنا
عُنواناً لأفعالنا، وأعمالنا ترجماناً لأقلامنا، ونعيذ بالله تعالى أنفسنا من علم لا ينفع،
ومن عمل لا يُرفع، ومن دعاء لا يُسمع!
للشيخ نزيه مطرجي...*