المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : **شرح الدرس (2)من الأصول الثلاثة للشيخ محمدبن عبدالوهاب


عطاء
02-10-2005, 12:12 PM
المتن

اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم ثلاث هذه المسائل والعمل بهن: الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملاً بل أرسل إلينا رسولاً فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، والدليل قوله تعالى: [إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً ` فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً](المزمل:15-16 ).
الثانية: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته لا ملك مقرب ولا نبي مرسل والدليل قوله تعالى: [ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ]( الجن-18).
الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، والدليل قوله تعالى: [ لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ]( المجادلة-22).


الشرح:

هذه هي المقدمة الثانية التي قدم بها الشيخ رحمه الله ذكر الأصول الثلاثة، وهو ذكْره رحمه الله لمسائل يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، وهو أيضاً بيان لأولى المراتب،
في قوله: ( الأولى العلم )
يعني من أول ما يجب تعلمه على الإنسان هي هذه المراتب الثلاث التي ذكرها رحمه الله، حيث
قال: ( اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه المسائل الثلاث والعمل بهن. . . )
ليس مجرد العلم هو المطلوب فقط، بل العلم والعمل معاً، لأن العمل هو المقصود.
قال رحمه الله: (الأولى أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار).
ثم ذكر الدليل على ذلك، أما أن الله خلقنا فلا يرتاب في ذلك مؤمن، بل هذا مما فطر الله عليه الناس، وهو من مستلزمات ومن أفراد توحيد الربوبية، فالواجب الإقرار بأن الله هو الخالق، ولا يوجد أحد يعارض في هذا، فإن الجميع مقرون بأن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، وكذلك الرزق، هذا مما يجب الإقرار به في توحيد الربوبية،
فإن توحيد الربوبية:
هو إفراد الله جل وعلا بالخلق والرزق والملك والتدبير، ودليل ذلك قوله تعالى: [ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ](يونس:31 )
هذه الآية هي الدليل على أن توحيد الربوبية لا يثبت ولا يقر إلاّ بالإقرار:
بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، الرازق، المدبر، وهذا مما فطر الخلق عليه،
وبدأ الشيخ رحمه الله به تمهيداً لما بعده، وإلاّ فلا معارضة ولا خلاف بين الناس في الإقرار بأن الله سبحانه وتعالى هو خالقهم ورازقهم ومالكم ومدبرهم.
ثم قال: ( ولم يتركنا هملاً ) - ثم بين وجه ذلك - فقال:
( بل أرسل إلينا رسلاً )
فإرسال الرسل دليل على عناية الله جل وعلا بخلقه، وأنه سبحانه وتعالى لم يتركهم هملاً لا يقصدونه بشيءٍ من العبادة، ولا يُطلب منهم شيء.
ثم بين ما الواجب فيمن أرسلهم الله عز وجل فقال:
( فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار )
والطاعة هنا المراد بها
: الطاعة بالجملة، أي
: في أصل ما جاء به، وأما في أفراد ما جاؤوا به فمن أطاعهم دخل الجنة واستحقها، ومن عصاهم استحق النار، لكن قد يدخلها وقد لا يدخلها، أما في أصل ما جاؤوا به من التوحيد فإنه من أطاعهم فيه دخل الجنة، ومن عصاهم فيه دخل النار كما دلت على ذلك الأدلة.
قال: والدليل على هذا قوله تعالى: [ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً ](المزمل:15 ) وهذا دليل على أن الله لم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً، فقال: [ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً]
والخطاب هنا لمشركي مكة الذين بعث فيهم النبي r وكذبوه وعاندوه، فخاطبهم الله بهذا الخطاب قائلاً: [ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً]
فهذا أمر ليس بجديد ولا محدث، ولستم ببدعٍ ممن سبق، بل جرت على هذا سنة الله أن يبعث إلى الناس من يدعوهم ويبصرهم بما يجب عليهم، وإنما نظَّر بفرعون لمشابهة مشركي مكة، كفر فرعون،
فإن فرعون كان كفره من جهتين
: من جهة عبادة غير الله، ومن جهة الإباء والاستكبار، وكذلك الذين بُعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم من مشركي مكة، فإنهم كانوا يعبدون غير الله، وكانوا يأنفون ويستكبرون عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال قائلهم: [ وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ]( الزخرف:31)
وذلك احتقاراً للنبي صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن من أعلى أشرافهم فيما زعموا، ثمّ قال تعالى: [ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً ](المزمل:16 ) أي أخذاً شديداً ثقيلاً، وهذا فيه التهديد لهم، وأنهم لن يتركوا هملاً، ولو كانوا متروكين هملاً لما أرسل إليهم رسولاً، ولما هددهم بهذا التهديد، وهو تهديد لكل من خالف الرسل فيما جاؤوا به.

عطاء
02-10-2005, 12:30 PM
قال رحمه الله تعالى: ( الثانية )
يعني من المسائل التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها
(أن الله لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد، لا ملك مقرب، ولا نبيّ مرسل، ودليل ذلك قوله تعالى: [ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً ] ( الجن:18)

ووجه الدلالة على أن الله لا يرضى بالشرك كائناً من كان المشرك به:
أن الله جل وعلا قال: [وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّه]

هذا من جهة، ومن جهة أخرى تأكيداً لهذا التوحيد قال: [فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً]
فإثبات المساجد وهي محال العبادة لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، و تعقيب ذلك بالنهي عن دعاء غيره دليل على أن الله سبحانه وتعالى لا يرضى أن يشرك معه غيره.

ويدل لذلك أيضاً قوله: [وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ]
(الزمر:7).
ودليل ذلك من السنة:
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ))
(أخرجه مسلم وابن ماجه ).
وهذا دليل على أن سبحانه وتعالى لا يرضى أن يشرك معه أحد، لا ملك مقرب، ولا نبيّ مرسل، فضلاً عن أن يشرك معه الأشجار والأحجار والأصنام، فإذا كان لا يرضى أن يشرك به ملك وهو من أشرف الخلق من الخلق الغيبي الذي نعلمه، ولا نبيٌّ مرسل، وهم أشرف جنسنا من بني آدم فكيف بالإشراك معه غيره ممن هو دونه، لا شك أن الله سبحانه وتعالى لا يرضاه بل يبغضه، وقد قال الله جل وعلا في بيان عقوبة من وقع منه الشرك: [ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ]
(المائدة:72 )
وهذا فيه التهديد البليغ البين على هذا العمل، وفيه بيان عظم الشرك، وأنه أمر خطير كبير لا يرضاه الله، وإلاّ لما توعد عليه بهذا الوعيد الشديد العظيم من تحريم الجنة والإخبار بدخول النار.
ثم قال رحمه الله في بيان المسألة الثالثة:
( أن من أطاع الرسول ووحد الله فلا يجوز له موالاة من حادّ الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب ).
وهذا من أصول الإيمان، فإن أوثق عرا الإيمان: الحب في الله والبغض في الله،
وذلك أنه إذا وقر الإيمان في قلب العبد أحب ما يحبه الله، وأبغض ما يبغضه الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى يحب التوحيد وأهله، ويبغض الشرك والكفر وأهله، فمن أحب أهل الشرك ووادّهم وتقرّب منهم فإنه قد حادّ الله سبحانه وتعالى،
لقوله تعالى: [ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ]( المائدة:51).
والموالاة مأخوذة في الأصل من:
ولي الشيء إذا قرب منه، والقرب يكون في الأصل بالقلب، ثم يتبعه قرب القول والعمل، والمنهي عنه هنا هو قرب القلب في المودة والمحبة، وقرب القول والعمل،
[إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً]( آل عمران:28)
وإلا من استثناهم الله عز وجل في
قوله: [لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ]( الممتحنة:8)
لأن هذا من جملة الإحسان الذي كتبه الله على كل شيء، فليس هذا من الموادّة، فالبر والقسط مع الكفار ليس من الموادّة والموالاة التي حرمت، وهذه مسألة مهمة يجب التنبه لها لأن المنهي عنه هو موالاة القلب لا البر والإحسان فيمن استثناه الله عز وجل في هذه الآية.
ثم قال المؤلف رحمه الله في الاستدلال على هذه المسألة:
( والدليل قوله تعالى – أي الدليل على أنه لا يجوز موالاة من حادّ الله ورسوله ولو كان أقرب قريبٍ - قوله تعالى: [ لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]
( المجادلة:22).

قوله: [ لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ] وافتتاح الآية بهذا النفي فيه التشويق إلى معرفة ما تضمنه قوله: [ لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ]
والمحادّة هي:
الممانعة والمضادة لله جل وعلا ولرسوله، [وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ]
أي ولو كان أولئك المحادون آباءهم، أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، وهؤلاء متفاوتون في الصلة، إلا أنهم من أقرب من يتصل بهم، وبدأ بمراتبهم الأقرب فالأقرب، أولئك المشار إليه هم الذين لا يوادّون هؤلاء إذا كانوا محادّين لله ورسوله، [ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَان] أي ثبت ورسخ في قلوبهم الإيمان، ] [وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ]
[ أي قواهم وأمدهم بِرُوحٍ مِنْهُ ]
أي بوحيٍ منه سبحانه وتعالى به تثبت قلوبهم، و بعونه الذي يستطيعون به مواجهة هؤلاء.
فقوله: [ بِرُوحٍ مِنْهُ ]
يشمل المدد بالوحي من الكتاب والسنة، ويشمل أيضاً العون والتأييد والتقوية والنصر، وقوله: [ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ]
هذا جزاؤهم، لأنهم قدموا محاب الله على ما تقتضيه طبائعهم،
[رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُأُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ] فأضافهم إليه تشريفاً وتكريماً وإجلالاً لفعلهم، وكل ما يضيفه الله سبحانه وتعالى لنفسه مما ليس من صفاته إنما المقصود به التشريف والتكريم، وقد يضاف الشيء إضافة خلقٍ، ولكن هذا قليل [ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]
والفلاح أجمع كلمةٍ للخير في لسان العرب، وهي حصول المطلوب والأمن من المرهوب، فيحصل لهؤلاء مطلوبهم ويأمنون مما يهابونه ويرهبونه ويخافونه في الدنيا والآخرة.

________________________________
تمّ الدرس الثاني بحمدالله ومنته