نور الشام
01-02-2006, 05:25 PM
كيف نستثمر الحج دعوياً ؟
د. يونس الأسطل**
إن أكبر موسم للدعوة وأسنح فرصة لها هي في الأيام المعلومات، ثم في الأيام المعدودات؛ وهي أيام فريضة الحج من كل عام، سواء كان ذلك في أوساط ضيوف الرحمن الآتين رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم، أو كان في معشر الإنس والجن القابعين فوق هذا الكوكب فيما بلغ الليل والنهار.
أفضل أيام السنة
ذلك أن الأيام العشر الأولى من ذي الحجة هي أفضل أيام السنة على الإطلاق، وما من أيام العمل الصالح أحب فيهن إلى الله من هذه الأيام، حتى الجهاد في سبيل الله لا يضاهي الاجتهاد في نوافل الطاعات، إلا جهاد رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء؛ فقد أنفق المال في عدة القتال، ثم نفقت نفسه بأيدي عدوه، مقبلا غير مدبر؛ فكان قد صدق ما عاهد الله عليه، فقضى نحبه وما بدل تبديلا.
وقد حاول ابن حجر صاحب "فتح الباري في شرح صحيح البخاري" أن يتلمس السبب في تفوق هذه الأيام على جميع السنة، فوجدها قد جمعت أمهات العبادات، ففيها الحج الأكبر، وفيها الصلوات بطبيعة الحال، كما استُحب صيام التسعة الأولى منها، وكان ثواب كل يوم منها بثواب سنة، كما جُعل صوم يوم عرفة مكفرا لآثام سنتين، ليسد مسد يوم النحر، حيث يحرم فيه الصيام لما ينطوي عليه من الإعراض عن ضيافة الله في أيام جعلها سبحانه أيام أكل وشرب وذِكر لله تعالى، يضاف إلى ذلك أنها أيام صدقة وإنفاق؛ فالناس يشترون أضاحيهم، ويزورون أرحامهم، ويقدمون الهدايا المالية والعينية، كما أن الذين يريدون وجه الله ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية، ويفتشون عن الذين أحصروا في سبيل الله، لا يستطيعون ضربا في الأرض، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف لا يسألون الناس إلحافا.
الوقوف على أطياف الدعوة
إن من أهم المنافع التي يشهدها الحجيج والمعتمرون في تلك الرحلة الميمونة إلى بلاد الحرمين؛ حيث يشدون الرحال إلى المسجد الحرام، ثم يذهبون إسراء بالليل أو ركضا بالنهار إلى المسجد النبوي أن يقفوا على أطياف الدعوة؛ فقد انطلق نبينا وحيدا في هذه الديار، وأمضى ثلاث سنين مستخفيا بدعوته لا يكلم إلا من يطمئن إليه؛ حتى لا يعلم به صناديد الكفر فيثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، وقد اتخذ من بيت شاب في السابعة عشرة من العمر مقرا للانزواء والالتقاء؛ ذلك أنه لا يخطر ببال أئمة الكفر أن بيت الأرقم بن أبي الأرقم يحتضن رجالا في سن أبيه.
ثم كان الصدع بالحق، واحتمال الأذى، وتتابع الهجرات؛ حتى استقر به المقام في المدينة المنورة بعد بيعتي العقبة الشهيرتين على الإسلام ثم الجهاد والحماية. ولولا أن أهل مكة أخرجوه منها ما خرج، ولكنها حكمة الله في كشف حقيقة الإسلام، إنها التضحية بكل شيء، يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله؛ فيتأهبون بذلك لجنة عرضها السماوات والأرض، فيها العزاء عن كل مفقود، والعوض الأكبر عن كل ما يفوت.
إن المقام في المدينة لم يحُل دون أن تغِير عليهم قريش في حروب متلاحقة، وأن يجدوا خصوما آخرين من اليهود والمنافقين. وإذا كان الصحابة في مكة قد اشتكوا الاضطهاد طالبين الدعاء والنصرة؛ فإنهم في المدينة كانوا يبيتون في السلاح ويصبحون فيه، فاشتكوا كذلك: هل يا رسول سنظل أبد الدهر خائفين هكذا؟
وإذا كان في مكة قد طمأنهم أنه يوشك أن تنطلق الظعينة من الحيرة إلى مكة فتطوف بالبيت ثم تعود الى رحالها آمنة، وأن الراكب سوف يسير من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنهم يستعجلون؛ فإنه كذلك في المدينة قد بشرهم أنه يوشك أن يجلس أحدهم في المجلس العظيم ليس فيه حديدة؛ فقد وعدهم ربهم ليبدلنَّهم من بعد خوفهم أمنا، وليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم.
إن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يغادر هذه الحياة حتى جهز قريبا من مائة غزوة وسرية، شارك في كثير منها، ولولا أن يشق على أمته ما قعد خلاف سرية أبدًا.
د. يونس الأسطل**
إن أكبر موسم للدعوة وأسنح فرصة لها هي في الأيام المعلومات، ثم في الأيام المعدودات؛ وهي أيام فريضة الحج من كل عام، سواء كان ذلك في أوساط ضيوف الرحمن الآتين رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم، أو كان في معشر الإنس والجن القابعين فوق هذا الكوكب فيما بلغ الليل والنهار.
أفضل أيام السنة
ذلك أن الأيام العشر الأولى من ذي الحجة هي أفضل أيام السنة على الإطلاق، وما من أيام العمل الصالح أحب فيهن إلى الله من هذه الأيام، حتى الجهاد في سبيل الله لا يضاهي الاجتهاد في نوافل الطاعات، إلا جهاد رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء؛ فقد أنفق المال في عدة القتال، ثم نفقت نفسه بأيدي عدوه، مقبلا غير مدبر؛ فكان قد صدق ما عاهد الله عليه، فقضى نحبه وما بدل تبديلا.
وقد حاول ابن حجر صاحب "فتح الباري في شرح صحيح البخاري" أن يتلمس السبب في تفوق هذه الأيام على جميع السنة، فوجدها قد جمعت أمهات العبادات، ففيها الحج الأكبر، وفيها الصلوات بطبيعة الحال، كما استُحب صيام التسعة الأولى منها، وكان ثواب كل يوم منها بثواب سنة، كما جُعل صوم يوم عرفة مكفرا لآثام سنتين، ليسد مسد يوم النحر، حيث يحرم فيه الصيام لما ينطوي عليه من الإعراض عن ضيافة الله في أيام جعلها سبحانه أيام أكل وشرب وذِكر لله تعالى، يضاف إلى ذلك أنها أيام صدقة وإنفاق؛ فالناس يشترون أضاحيهم، ويزورون أرحامهم، ويقدمون الهدايا المالية والعينية، كما أن الذين يريدون وجه الله ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية، ويفتشون عن الذين أحصروا في سبيل الله، لا يستطيعون ضربا في الأرض، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف لا يسألون الناس إلحافا.
الوقوف على أطياف الدعوة
إن من أهم المنافع التي يشهدها الحجيج والمعتمرون في تلك الرحلة الميمونة إلى بلاد الحرمين؛ حيث يشدون الرحال إلى المسجد الحرام، ثم يذهبون إسراء بالليل أو ركضا بالنهار إلى المسجد النبوي أن يقفوا على أطياف الدعوة؛ فقد انطلق نبينا وحيدا في هذه الديار، وأمضى ثلاث سنين مستخفيا بدعوته لا يكلم إلا من يطمئن إليه؛ حتى لا يعلم به صناديد الكفر فيثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، وقد اتخذ من بيت شاب في السابعة عشرة من العمر مقرا للانزواء والالتقاء؛ ذلك أنه لا يخطر ببال أئمة الكفر أن بيت الأرقم بن أبي الأرقم يحتضن رجالا في سن أبيه.
ثم كان الصدع بالحق، واحتمال الأذى، وتتابع الهجرات؛ حتى استقر به المقام في المدينة المنورة بعد بيعتي العقبة الشهيرتين على الإسلام ثم الجهاد والحماية. ولولا أن أهل مكة أخرجوه منها ما خرج، ولكنها حكمة الله في كشف حقيقة الإسلام، إنها التضحية بكل شيء، يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله؛ فيتأهبون بذلك لجنة عرضها السماوات والأرض، فيها العزاء عن كل مفقود، والعوض الأكبر عن كل ما يفوت.
إن المقام في المدينة لم يحُل دون أن تغِير عليهم قريش في حروب متلاحقة، وأن يجدوا خصوما آخرين من اليهود والمنافقين. وإذا كان الصحابة في مكة قد اشتكوا الاضطهاد طالبين الدعاء والنصرة؛ فإنهم في المدينة كانوا يبيتون في السلاح ويصبحون فيه، فاشتكوا كذلك: هل يا رسول سنظل أبد الدهر خائفين هكذا؟
وإذا كان في مكة قد طمأنهم أنه يوشك أن تنطلق الظعينة من الحيرة إلى مكة فتطوف بالبيت ثم تعود الى رحالها آمنة، وأن الراكب سوف يسير من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنهم يستعجلون؛ فإنه كذلك في المدينة قد بشرهم أنه يوشك أن يجلس أحدهم في المجلس العظيم ليس فيه حديدة؛ فقد وعدهم ربهم ليبدلنَّهم من بعد خوفهم أمنا، وليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم.
إن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يغادر هذه الحياة حتى جهز قريبا من مائة غزوة وسرية، شارك في كثير منها، ولولا أن يشق على أمته ما قعد خلاف سرية أبدًا.