المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : **من أصول الدعوة إلى الله عز وجل**


عطاء
01-29-2005, 07:17 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:108]
يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يُعلن للناس عن بيان منهجه ومنهج أتباعه، وهو الدعوة إلى الله على بصيرة، فدل على أن من لم يدع على بصيرة فإنه لم يحقق اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان عالماً وفقيهاً.

قوله تعالى: ((قُلْ)) أي: قل يا محمد للناس.

((هَـذِهِ سَبِيلِي)) السبيل معناها: الطريق التي أسير عليها.

((أَدْعُو إِلَى اللّهِ)) إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وترك عبادة ما سواه، وكذلك الدعوة إلى بقية شرائع الدين، فتكون الدعوة للكفار للدخول في الإسلام، وتكون الدعوة للعصاة من المسلمين بالتوبة إلى الله عز وجل وأداء الواجبات والتحذير من الوقوع في الشرك، واجتناب المحرمات، فالدعوة ليست مقصورة على دعوة الكفار، بل حتى المسلمون الذين هم بحاجة إلى الدعوة لوقوعهم في المعاصي والمخالفات يحتاجون إلى دعوة، دعوة إلى التوبة، وأداء الواجبات، وترك المحرمات، والمخافة من الله عز وجل، فالدعوة عامة، والدعوة إلى معرفة التوحيد ومعرفة ضده.

((أَدْعُو إِلَى اللّهِ))
فيه التنبيه على الإخلاص، فإن بعض الناس إنما يدعو إلى نفسه، فقد يكون الإنسان يدعو، ويحاضر ويخطب، لكن قصده من ذلك أنه يتبين شأنه عند الناس، ويصير له مكانة، ويمدح من الناس، ويتجمهرون عليه، ويكثرون حوله، فإذا كان هذا قصده، فهو لم يدع إلى الله، وإنما يدعو إلى نفسه، والإنسان الذي يترك الدعوة فإنه ترك واجباً عظيماً، والإنسان الذي لم يخلص في الدعوة يقع في محظور عظيم، بل لابد من الدعوة وأن تكون خالصة لوجه الله عز وجل، ويكون القصد منها إقامة شرع الله، والقصد منها هداية الناس ونفع الناس، مدحوك أو ذمَُوك.

فبعض الناس إذا لم يُمدح ويشجع ترك الدعوة، وهذا دليل على أنه لا يدعو إلى الله، وإنما يدعو إلى نفسه، فليتنبه المسلم ويكون رائده وقصده من دعوته هو الإخلاص لوجه الله عز وجل، ونفع الناس، وتخليصهم من الشرك، ومن البدع، ومن المخالفات، وأن يؤدي الواجب الذي عليه.

والكثرة حول الشخص لا تدل على فضله، بعض الأنبياء لم يتبعه إلا القليل:
"النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد"،
هل هذا يدل على عدم فضل هذا النبي؟

لا، حاشا وكلا، فالإنسان لا ينظر إلى كثرة الحاضرين، "لأن يهدي بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم".

واجتمع الناس على باب ابن مسعود رضي الله عنه، وهو يريد الخروج إلى الصلاة، فلما خرج ومشوا خلفه، التفت إليهم، وقال: " ارجعوا، فإنه فتنة للمتبوع، ذلة للتابع".
((أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ))
البصيرة معناها: العلم، بل هي أعلى درجات العلم،
وفي هذا دليل على أنه يشترط في الداعية أن يكون على بصيرة، أي على علم بما يدعو إليه، أما الجاهل فلا يصلح للدعوة، بل لابد أن يتزود بالعلم قبل أن يشرع في الدعوة، لأنه في دعوته يتعرض إلى شبهات ومناظرات، فمن أين يجيب إذا وقف في وجه معاند أو معارض أو مشبه، كيف يستطيع الخلاص، أنه يفشل، أو يصير نكسة على الدعوة، أو يجيب بجهل ويكون الأمر أخطر، إما أن يسكت عن الجواب وينتصر عليه الخصم، وإما أن يجيب بجهل فيكون الأمر أخطر، هذا من ناحية.


والناحية الثانية: أن الداعية يحتاج إلى معرفة الحلال والحرام، فقد يقول بجهله هذا الشيء حرام وهو حلال، وقد يقول بجهله: هذا الشيء حلال وهو حرام، فالداعية يجب أن يكون على علم بما يدعو إليه، بحيث أنه يعرف الحلال والحرام، ويعرف الواجب والمستحب والمحرم والمكروه والمباح، ويعرف كيف يجيب على الاعتراضات والشبه والمجادلات، كما قال تعالى: ((ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))، كيف يستطيع أن يجادل بالتي هي أحسن وهو ليس عنده علم؟!


فيشترط في الداعية: أن يتأهل بالعلم، فإن بعض الدعاة اليوم ليس عندهم علم، وإنما يجيد الكلام والشقشقة والخطابة، لكن ليس عنده علم بحيث لو عرضت له أدنى شبهة، أو سئل عن أدنى مسألة في الحرام والحلال تخبط فيها.
((أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ))
أي: وأتباعي يدعون إلى الله على بصيرة، فدل على أن من لم يدع إلى الله لم يحقق إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن من دعا إلى الله على جهل لم يحقق إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، بل إنه أدخل في نفسه فيما ليس من شأنه، وصار خطراً على الدعوة وعلى الدعاة.

ثم قال: ((وَسُبْحَانَ اللّهِ))
سبحان: اسم مصدر من سبح بمعنى: نزه الله عما لا يليق به من الشرك والقول عليه سبحانه وتعالى بلا علم، فإن الله يُنَزَّه عن الشرك ويُنَزَّه عن القول عليه بلا علم، فهذا فيه وجوب تنزيه الله سبحانه وتعالى عن النقائض، وأعظمها الشرك.

((وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ))
هذه براءة من الرسول صلى الله عليه وسلم من المشركين، كما تبرأ منهم خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ))، ((ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ))
، ففيه البراءة من المشركين، يعني: قطع المحبة والمودة والمناصرة بينك وبين المشركين، لأنهم أعداء الله وأعداء رسوله، فلا يجوز لك أن تودهم بقلبك أو تناصرهم أو تدافع عنهم: ((قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)) ، ((لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ))، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ))، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)).

ففي هذا دليل على أنه يجب البراءة من المشركين، وأن من أصول الدعوة إلى الله: البراءة من المشركين، أما الداعية الذي لا يتبرأ من المشركين، فهذا ليس بداعية، وليس على طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وإن زعم أنه يدعو إلى الله، والكفر بالطاغوت مقدم على الإيمان بالله، كما قال تعالى: ((فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ))
، فلابد من البراءة من المشركين، أما الذين يقولون (ما علينا من عقائد الناس، من دخل في جماعتنا وصار معنا فهو أخونا، وعقيدته له) هذه ليست دعوة إلى الله عز وجل، وإنما هي دعوة إلى الحزبية والعصبية.

عطاء
01-29-2005, 07:27 AM
تابع/

ففي هذه الآية الكريمة مسائل عظيمة
المسألة الأولى : أن طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وطريقة أتباعه على الحقيقة: الدعوة إلى الله.



المسألة الثانية: أن من لم يدع إلى الله وهو يستطيع الدعوة إلى الله، فإنه لم يحقق إتباعه للرسول صلى الله وسلم، بل إتباعه فيه نقص عظيم.


المسألة الثالثة: التنبيه على الإخلاص في الدعوة لقوله: ((إِلَى اللّهِ)) فإن بعض الناس إنما يدعو إلى نفسه، فالذي يقصد المدح والثناء وكثرة الأتباع وكثرة الجماعة وكذا وكذا والفخفخة، هذا لا يدعو إلى الله.

المسألة الرابعة: - وهي المسألة العظيمة -: أن الداعية إلى الله لابد أن يكون على بصيرة، مؤهلاً بالعلم النافع الذي يستطيع به أن يدعو إلى الله، وأن يجادل المغرضين والمعارضين، ويدحض حججهم بلسانه وبقلمه، الدعوة إلى الله تكون باللسان وتكون بالقلم أيضاً، وتكون بالسيف والجهاد، فيشترط في الداعية شرط أساسي، بل أصلي، بأن يكون على علم، وأما الجاهل فلا يصلح للدعوة، وأن كان عنده عباده، وعنده ورع، وعنده تقى، وعنده غيره على الدين، وعنده محبة للدين، فهذا شيء طيب، وصفات طيبة، ولكن نقول له: يا أخي الدعوة لا يدخل فيها إلا من كان على علم، أما مجرد الخوف والخشية والعبادة والورع والغيرة والصلاح، فهذا شيء طيب، لكن أنت لا تصلح للدعوة لأنك لست على علم، والله تعالى يقول: ((عَلَى بَصِيرَةٍ)).

ويقول: ((ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ))

والحكمة هي العلم، فأنت لا تصلح للدعوة، تعلم أولاً، فإذا تعلمت تعالى للدعوة، فالدعوة ليست بالمسألة الهينة،
ولذلك عندما حصل هذا الإهمال في الدعوة حصل ما ترون الآن من التفكك والتخاذل لأن الدعوة دخل فيها من هب ودب، من الجهال والمغرضين وأصحاب المطامع، ولا تنجح دعوة لم يتوفر فيها الشروط الإلهية التي اشترطها الله تعالى، ولا يبقى إلا الأصلح دائماً وأبداً، ولو كثرة الجماعات الدعوية، ما دامت أنها ليست على الشروط التي اشترطها الله، والمنهج الذي رسمه الله ورسوله، فإنها لا تنجح مهما بلغت من الكثرة والقوة، وستتلاشى وتصاب بالنكسة والفشل، أما إذا كانت مؤسسة على العلم وعلى الإخلاص والنصيحة، فهذه هي التي تنجح بإذن الله ولو كانت من فرد واحد.


المسألة الخامسة: أن الشرك نقص عظيم يجب تنزيه الله عنه، لأن الله سبحانه وتعالى كامل، له الكمال المطلق فمن أشرك به فقد تنقصه، ومن نفى صفات الله عز وجل أو أولها فقد تنقص الله عز وجل، فالمؤولة والمشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، أو يؤولون صفات الله، أو يلحدون في أسمائه، هؤلاء تنقصوا الله عز وجل، وهذا نقص ينزه الله جل وعلا عنه، ومن وصفه بما لا يليق به أو سماه بغير ما سمى به نفسه فقد تنقصه، ومن حكم بغير ما أنزل فقد تنقصه، ومن عصى أمره أو ارتكب نهيه فقد تنقصه سبحانه.

المسألة السادسة: -وهي مهمة جداً-: البراءة من المشركين، فالذي يدعو إلى الله -بل وكل مسلم- لكن الذي يدعو إلى الله من باب أولى، لأنه قدوة، يجب عليه أن يتبرأ من المشركين، لأنهم أعداء الله، وأعداء رسوله، وأعداء المؤمنين، ((لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء))، فمن لم يتبرأ من المشركين فإنه لم يحقق الدعوة إلى الله عز وجل، حتى وإن انتسب إليها، وهذه مسألة عظيمة.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وسلم تسلمياً كثيرا.
_______________________________________________
نقلاً من كتاب إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للشيخ صالح الفوزان حفظه الله
، ص101-105 - طبعة مؤسسة الرسالة - بتصرف يسير.

سلمى
01-31-2005, 09:12 PM
استوقفتني مسألة الدعوة على بصيرة .. فكما قال شيخنا الفاضل مايحصل الآن من التفكك والتخاذل من أسبابه دخول غير المؤهلين في الدعوة فتراه يفتي بغير علم ويقول على الله مالايعلم .. والله المستعان ..
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يدعون إليه على بصيرة ويؤتينا الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا عظيما..
جزاك الله خيرا ياعطاء..

نور الشام
02-22-2006, 09:37 PM
كم نحن بحاجة لهذه الوقفات قبل الولوج في طريق الدعوة
بوركت عطائي الحبيب