نور الهدى
04-13-2005, 03:32 AM
الحــديـث الثـالــث
الشيخ / صالح آل الشيخ
وعن أبي عبد الرحمن عبدِ الله بنِ عُمرَ بنِ الخطَّاب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقول: « بُنِيَ الإسْـلامُ عَلَى خَمْس: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إلَهَ إِلَا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ َرمَضَانَ » [رواه البخاري ومسلم]
الشــــــرح
هذا الحديث فيه ذِكْرُ دعائم الإسلام ومبانيه العظام، وهي الخمس المعروفة: ( شَهَادَةِ أَنْ لاَ إلَهَ إِلَا الله، وَأَنَّ مُحمَّدًا رَسُولُ الله ) وهذه واحدة باعتبار أن كلا من شقيها شهادة، والثاني: إقام الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: الحج، والخامس: صوم رمضان.
وهذا الحديث من الأحاديث التي اُسْتُدِلَّ بها على أن أركان الإسلام خمسة، وهذا الاستدلال صحيح؛ لأن قول النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ( بُنِيَ الإسْـلامُ عَلَى خَمْسٍ ) يدل على أنّ البناء يقوم على هذه الخمس، وغير هذه الخمس مكملات للبناء، ومعلوم أن البناء يَحْسُن السكنى فيه ويكون جيدا أوفيه العبد سعيداً إذا كان تامّاً، وكلما كان أتم كان العبد فيه أسعد.
والإسلام إذا أتى العبد بمبانيه الخمس هذه فقد حقّق الإسلام، وكان له عهد عند الله جل وعلا أن يدخله الجنة.
قال في أوله عليه الصلاة والسلام ( بُنِيَ الإسْـلامُ عَلَى خَمْس ) ولفظ ( بُنِيَ ) يقتضي أنّ هناك من بناه على هذه الخمس، فلم يُذكر الباني على هذه الخمس، والمقصود بالباني: الشارع أو المُشَرِّع. فالذي بنى الإسلام على هذه الخمس هو الله جل جلاله، وهو الشارع جل وعلا، والنبي [ صلى الله عليه وسلم ] مبلِّغ عن ربه جل وعلا، ليس هو شارعاً على جهة الاستقلال، وإنما هو عليه الصلاة والسلام مبلغ أو مشرِّع على جهة التبليغ. على الصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، فإنّ النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ذكر لنا هنا أنّ الإسلام بني على هذه الخمس، والمقصود بالإسلام هنا الدين؛ لأن الدين هو الإسلام كما قال جل وعلا:﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾[آل عمران:19]، والإسلام في قوله( بُنِيَ الإسْـلامُ عَلَى خَمْسٍ ) مقصود منه الإسلام الخاص الذي بُعث به محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.
والإسلام في القرآن وفي السنة له إطلاقان:
الإطلاق الأول الإسلام العام: الذي لا يخرج عنه شيء من مخلوقات الله جل وعلا إما اختيارا، وإما اضطرارا، قال جل وعل﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ﴾[آل عمران:83]، وقال جل وعل﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ.... ﴾[آل عمران:83]الآية، وقال جل وعل﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ﴾[آل عمران:85]، وقال جل وعلا عن إبراهيم عليه السلام﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ﴾[آل عمران:67]، وقال جل وعل﴿ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا ﴾[الحج:78]. فالمقصود أنَّ لفظ الإسلام هذا هو الذي يقبله الله جل وعلا من العباد المكلَّفين ديناً، فآدم عليه السلام مسلم، وكل الأنبياء والرسل وأتباع الأنبياء والرسل جميعاً على دين الإسلام، الذي هو الإسلام العام، وهذا الإسلام العام هو الذي يُفَسَّر بأنه: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشّرك وأهله. فهذا هو ملة إبراهيم وهو الذي دانَ به جميع الأنبياء والمرسلين ومَن تبعهم.
أمّا الإسلام الخاص: فيراد به الإسلام الذي بُعث به محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي إذا أُطلق الإسلام لم يُعن به إلا هذا، على وجه الخصوص؛ لأن الخاص مقدم على العام في الدِّلالة؛ ولأن هذا الاسم خُصَّت به هذه الأمّة، وخُصَّ به النبي عليه الصلاة والسلام، فجعل دين المصطفى [ صلى الله عليه وسلم ] الإسلام.
فإذن المقصود هنا بقوله ( بُنِيَ الإسْـلامُ ) يعني الإسلام الذي جاء به نبينا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.
أما الإسلام الذي كان عليه الأنبياء والمرسلون فهو من حيث التوحيد والعقيدة كالإسلام الذي بُعث به النبي [ صلى الله عليه وسلم ] محمد في أصوله وأكثر فروع الاعتقاد والتوحيد. وأما من حيث الشريعة فإنه يختلف؛ فإن شريعة الإسلام غير شريعة اليهودية، غير شريعة عيسى عليه السلام، غير شريعة موسى إلى آخر الشرائع. وقد جاء في الصحيح أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قال: « الأنبياء أخوة لعلات الدين واحد والشرائع شتى ».
فقوله هنا عليه الصلاة والسلام ( بُنِيَ الإسْـلامُ ) يعني الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، فلا يتصور من هذا أنّه يعم ما كان عليه الأنبياء من قبل، فالأنبياء ليس عندهم هذه الشريعة؛ من جهة إقام الصلاة على هذا النحو، أو إيتاء الزكاة على هذا النحو، أو صيام رمضان إلخ، فهذا بقيوده مما اُختصت به هذه الأمة.
قال ( عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إلَهَ إِلَا الله )
ويجوز في ( شَهَادَةِِ ) ونظائرها أن تكون مجرورةً على أنها بَدَل بعض من كل، يعني تقول: ( عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ ) فخمس شُمول، وشهادة بعض ذلك الشمول، فتكون بدل بعض من كل.
ويجوز أن تستأنفها، فتقول: ( عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إلَهَ إِلَا الله ) على القطع كما قال جل وعل﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ ﴾[النحل:76] ﴿ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا ﴾.
وهذا شائع كثير، وإذا ذكرت نظائرها فيجوز فيها الوجهان: الجرّ على البدلية، والرفع على القطع والاستئناف.
( شَهَادَةِ أَنْ لاَ إلَهَ إِلَا الله، وَأَنَّ مُحَمَدََا رَسُولُ الله ) الشهادة مأخوذة مِنْ: شَهِدَ، يَشْهَدُ، شُهُودًا، وشَهادَةً، إذا علِم ذلك بقلبه فأخبر به بلسانه وأعلَمَ به غيْرَه، ولا تكون شهادة حتى يجتمع فيها هذه الثلاث: أن يعتقد ويعلم بقلبه، وأن يتلفظ؛ يقول بلسانه، مُعْلِمًا بها الغيْر، طبعاً إذا لم يكن ثمة عذر شرعي عن الإعلام؛ إعلام الغير كالإكراه أو اختفاء أو ما أشبه ذلك مما تجوز فيه التَّقِيَّة.
فإذًا قوله ( شَهَادَةِ أَنْ لاَ إلَهَ إِلَا الله ) يعني العلم بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والنطق بذلك، والإعلام به. وكلّ شهادة هي بهذا المعنى، والشاهد عند القاضي لا يُسمّى شاهداً حتى يكون علِم ثم نطق؛ تكلم بذلك فأعلَمَ به القاضي؛ سمي شاهداً لأجل ذلك. وقد يُتوسع فيقال في المعاني إنها شواهد؛ لأجل تنزيلها في النهاية منزلة الشهادة الأصلية.
( شَهَادَةِ أَنْ لاَ إلَهَ إِلَا الله، وَأَنَّ مُحَمَدََا رَسُولُ الله )، ( أَنْ لاَ إلَهَ إِلَا الله ):
( أنْ ) هذه هي التفسيرية، وضابطها أنها تأتي بعد كلمة فيها معنى القول دون حروف القول. وقد يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة أيضا، يعني شهادة أنّه لا إله إلا الله.
( لاَ إلَهَ إِلَا الله ) هي كلمة التوحيد، و( لاَ إلَهَ ) نفي، و( إِلَا الله ) إثبات، والمنفي استحقاق أحد العبادة؛ لأن الإله هو المألوه؛ هو المعبود، و( إِلَا الله ) هذا إثبات، يعني إثبات استحقاق العبادة لله جل وعلا دونما سواه، ونفي هذا الاستحقاق عما سواه.
فإذا قلنا: كلمة التوحيد نفي وإثبات. فهذا معناه أنها تنفي استحقاق العبادة عما سوى الله، وتثبت استحقاق العبادة في الله جل وعلا وحده. فمن شهد أن لا إله إلا الله يكون اعتقد وأخبر بأنه لا أحد يستحق شيئا من أنواع العبادة إلا الله وحده لا شريك له. وفي ضمن ذلك أن مَن توجّه بالعبادة إلى غيره فهو ظالم متعدٍّ باغٍ على حق الله جل جلاله.
( وَأَنَّ مُحَمَدََا رَسُولُ الله ) يعني أن يعتقد ويخبر ويعلن بأن محمداً -وهو محمد بن عبد الله القُرَشِي المكّي- أنّه رسول من عند الله حق، وأنه نزَل عليه الوحي؛ فأخبره بما تكلم الله جل وعلا به، وأنّه إنّما يبلِّغ عن الله جل وعلا وهذا واضح من كلمة رسول فإن الرسول مبلِّغ. الرسل البشريون مبلغون من لفظ الرسالة، كما أن الملائكة رسل من لفظ الملائكة، فالرسول يأخذ من الله جل وعلا ويبلِّغ الناس ما أخذه عن الله جل وعلا. ومعلوم أن الرسل من البشر لم يجعل الله لهم -عليهم الصلاة والسلام- خاصيةَ أن يأخذوا الوحي منه مباشرة، وأن يسمعوا الكلام منه، يعني في عامة الوحي، وقد يسمعون بما أذِنَ الله جل وعلا لهم في بعض الرسل.
الشيخ / صالح آل الشيخ
وعن أبي عبد الرحمن عبدِ الله بنِ عُمرَ بنِ الخطَّاب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقول: « بُنِيَ الإسْـلامُ عَلَى خَمْس: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إلَهَ إِلَا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ َرمَضَانَ » [رواه البخاري ومسلم]
الشــــــرح
هذا الحديث فيه ذِكْرُ دعائم الإسلام ومبانيه العظام، وهي الخمس المعروفة: ( شَهَادَةِ أَنْ لاَ إلَهَ إِلَا الله، وَأَنَّ مُحمَّدًا رَسُولُ الله ) وهذه واحدة باعتبار أن كلا من شقيها شهادة، والثاني: إقام الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: الحج، والخامس: صوم رمضان.
وهذا الحديث من الأحاديث التي اُسْتُدِلَّ بها على أن أركان الإسلام خمسة، وهذا الاستدلال صحيح؛ لأن قول النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ( بُنِيَ الإسْـلامُ عَلَى خَمْسٍ ) يدل على أنّ البناء يقوم على هذه الخمس، وغير هذه الخمس مكملات للبناء، ومعلوم أن البناء يَحْسُن السكنى فيه ويكون جيدا أوفيه العبد سعيداً إذا كان تامّاً، وكلما كان أتم كان العبد فيه أسعد.
والإسلام إذا أتى العبد بمبانيه الخمس هذه فقد حقّق الإسلام، وكان له عهد عند الله جل وعلا أن يدخله الجنة.
قال في أوله عليه الصلاة والسلام ( بُنِيَ الإسْـلامُ عَلَى خَمْس ) ولفظ ( بُنِيَ ) يقتضي أنّ هناك من بناه على هذه الخمس، فلم يُذكر الباني على هذه الخمس، والمقصود بالباني: الشارع أو المُشَرِّع. فالذي بنى الإسلام على هذه الخمس هو الله جل جلاله، وهو الشارع جل وعلا، والنبي [ صلى الله عليه وسلم ] مبلِّغ عن ربه جل وعلا، ليس هو شارعاً على جهة الاستقلال، وإنما هو عليه الصلاة والسلام مبلغ أو مشرِّع على جهة التبليغ. على الصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، فإنّ النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ذكر لنا هنا أنّ الإسلام بني على هذه الخمس، والمقصود بالإسلام هنا الدين؛ لأن الدين هو الإسلام كما قال جل وعلا:﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾[آل عمران:19]، والإسلام في قوله( بُنِيَ الإسْـلامُ عَلَى خَمْسٍ ) مقصود منه الإسلام الخاص الذي بُعث به محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.
والإسلام في القرآن وفي السنة له إطلاقان:
الإطلاق الأول الإسلام العام: الذي لا يخرج عنه شيء من مخلوقات الله جل وعلا إما اختيارا، وإما اضطرارا، قال جل وعل﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ﴾[آل عمران:83]، وقال جل وعل﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ.... ﴾[آل عمران:83]الآية، وقال جل وعل﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ﴾[آل عمران:85]، وقال جل وعلا عن إبراهيم عليه السلام﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ﴾[آل عمران:67]، وقال جل وعل﴿ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا ﴾[الحج:78]. فالمقصود أنَّ لفظ الإسلام هذا هو الذي يقبله الله جل وعلا من العباد المكلَّفين ديناً، فآدم عليه السلام مسلم، وكل الأنبياء والرسل وأتباع الأنبياء والرسل جميعاً على دين الإسلام، الذي هو الإسلام العام، وهذا الإسلام العام هو الذي يُفَسَّر بأنه: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشّرك وأهله. فهذا هو ملة إبراهيم وهو الذي دانَ به جميع الأنبياء والمرسلين ومَن تبعهم.
أمّا الإسلام الخاص: فيراد به الإسلام الذي بُعث به محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي إذا أُطلق الإسلام لم يُعن به إلا هذا، على وجه الخصوص؛ لأن الخاص مقدم على العام في الدِّلالة؛ ولأن هذا الاسم خُصَّت به هذه الأمّة، وخُصَّ به النبي عليه الصلاة والسلام، فجعل دين المصطفى [ صلى الله عليه وسلم ] الإسلام.
فإذن المقصود هنا بقوله ( بُنِيَ الإسْـلامُ ) يعني الإسلام الذي جاء به نبينا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.
أما الإسلام الذي كان عليه الأنبياء والمرسلون فهو من حيث التوحيد والعقيدة كالإسلام الذي بُعث به النبي [ صلى الله عليه وسلم ] محمد في أصوله وأكثر فروع الاعتقاد والتوحيد. وأما من حيث الشريعة فإنه يختلف؛ فإن شريعة الإسلام غير شريعة اليهودية، غير شريعة عيسى عليه السلام، غير شريعة موسى إلى آخر الشرائع. وقد جاء في الصحيح أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قال: « الأنبياء أخوة لعلات الدين واحد والشرائع شتى ».
فقوله هنا عليه الصلاة والسلام ( بُنِيَ الإسْـلامُ ) يعني الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، فلا يتصور من هذا أنّه يعم ما كان عليه الأنبياء من قبل، فالأنبياء ليس عندهم هذه الشريعة؛ من جهة إقام الصلاة على هذا النحو، أو إيتاء الزكاة على هذا النحو، أو صيام رمضان إلخ، فهذا بقيوده مما اُختصت به هذه الأمة.
قال ( عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إلَهَ إِلَا الله )
ويجوز في ( شَهَادَةِِ ) ونظائرها أن تكون مجرورةً على أنها بَدَل بعض من كل، يعني تقول: ( عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ ) فخمس شُمول، وشهادة بعض ذلك الشمول، فتكون بدل بعض من كل.
ويجوز أن تستأنفها، فتقول: ( عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إلَهَ إِلَا الله ) على القطع كما قال جل وعل﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ ﴾[النحل:76] ﴿ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا ﴾.
وهذا شائع كثير، وإذا ذكرت نظائرها فيجوز فيها الوجهان: الجرّ على البدلية، والرفع على القطع والاستئناف.
( شَهَادَةِ أَنْ لاَ إلَهَ إِلَا الله، وَأَنَّ مُحَمَدََا رَسُولُ الله ) الشهادة مأخوذة مِنْ: شَهِدَ، يَشْهَدُ، شُهُودًا، وشَهادَةً، إذا علِم ذلك بقلبه فأخبر به بلسانه وأعلَمَ به غيْرَه، ولا تكون شهادة حتى يجتمع فيها هذه الثلاث: أن يعتقد ويعلم بقلبه، وأن يتلفظ؛ يقول بلسانه، مُعْلِمًا بها الغيْر، طبعاً إذا لم يكن ثمة عذر شرعي عن الإعلام؛ إعلام الغير كالإكراه أو اختفاء أو ما أشبه ذلك مما تجوز فيه التَّقِيَّة.
فإذًا قوله ( شَهَادَةِ أَنْ لاَ إلَهَ إِلَا الله ) يعني العلم بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والنطق بذلك، والإعلام به. وكلّ شهادة هي بهذا المعنى، والشاهد عند القاضي لا يُسمّى شاهداً حتى يكون علِم ثم نطق؛ تكلم بذلك فأعلَمَ به القاضي؛ سمي شاهداً لأجل ذلك. وقد يُتوسع فيقال في المعاني إنها شواهد؛ لأجل تنزيلها في النهاية منزلة الشهادة الأصلية.
( شَهَادَةِ أَنْ لاَ إلَهَ إِلَا الله، وَأَنَّ مُحَمَدََا رَسُولُ الله )، ( أَنْ لاَ إلَهَ إِلَا الله ):
( أنْ ) هذه هي التفسيرية، وضابطها أنها تأتي بعد كلمة فيها معنى القول دون حروف القول. وقد يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة أيضا، يعني شهادة أنّه لا إله إلا الله.
( لاَ إلَهَ إِلَا الله ) هي كلمة التوحيد، و( لاَ إلَهَ ) نفي، و( إِلَا الله ) إثبات، والمنفي استحقاق أحد العبادة؛ لأن الإله هو المألوه؛ هو المعبود، و( إِلَا الله ) هذا إثبات، يعني إثبات استحقاق العبادة لله جل وعلا دونما سواه، ونفي هذا الاستحقاق عما سواه.
فإذا قلنا: كلمة التوحيد نفي وإثبات. فهذا معناه أنها تنفي استحقاق العبادة عما سوى الله، وتثبت استحقاق العبادة في الله جل وعلا وحده. فمن شهد أن لا إله إلا الله يكون اعتقد وأخبر بأنه لا أحد يستحق شيئا من أنواع العبادة إلا الله وحده لا شريك له. وفي ضمن ذلك أن مَن توجّه بالعبادة إلى غيره فهو ظالم متعدٍّ باغٍ على حق الله جل جلاله.
( وَأَنَّ مُحَمَدََا رَسُولُ الله ) يعني أن يعتقد ويخبر ويعلن بأن محمداً -وهو محمد بن عبد الله القُرَشِي المكّي- أنّه رسول من عند الله حق، وأنه نزَل عليه الوحي؛ فأخبره بما تكلم الله جل وعلا به، وأنّه إنّما يبلِّغ عن الله جل وعلا وهذا واضح من كلمة رسول فإن الرسول مبلِّغ. الرسل البشريون مبلغون من لفظ الرسالة، كما أن الملائكة رسل من لفظ الملائكة، فالرسول يأخذ من الله جل وعلا ويبلِّغ الناس ما أخذه عن الله جل وعلا. ومعلوم أن الرسل من البشر لم يجعل الله لهم -عليهم الصلاة والسلام- خاصيةَ أن يأخذوا الوحي منه مباشرة، وأن يسمعوا الكلام منه، يعني في عامة الوحي، وقد يسمعون بما أذِنَ الله جل وعلا لهم في بعض الرسل.