المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ** ثلاثٌ بعد الاستقامة**


عطاء
01-30-2005, 12:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما مباركا مزيدا إلى يوم الدين .
أمــا بعـــد :
فضمن سلسلة تربوية تأتي هذه المحاضرة الطيبة المباركة إن شاء الله تعالى ، وقد عنون لها بثلاث بعد الاستقامة ، ولا شك أن الاستقامة جاء ذكرها في كتاب الله عز وجل ، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم كقوله سبحانه وتعالى : { فاستقم كما أمرت } واستوفى بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي محمدا صلى الله عليه وسلم فقال له : [ قل آمنت بالله ثم استقم ] إلا أن هذا المعنى الذي وضع الاستقامة معنى عميق لا يقصد به معنى ضيق جعل في عرف الناس ؛ وإنما المقصود به الاستقامة المطلقة على نهج الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فلا انحراف في السلوك ولا نيلة في الاعتقاد ، ولا انحراف نفسي ولا اجتماعي ولا سلوكي ولا غير ذلك ؛ وإنما السيرة مستقيمة على منهاج الإسلام لا عوج فيها ولا انحراف ، لا من بين يديها ولا من خلفها ، وهذا هو الذي كان يتمثله النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهـا عن خلته الكريمة عليه أفضل الصلاة والسلام ، قالت : ( كان خلقه القرآن ) أي أنه كان يتمثل أحكامه وكان يتمثل آدابه واقعا علنيا مشاهدا محسوسا في أقواله وفي تصرفاته وفي جميع مجالاته صلى الله عليه وسلم .
وهكذا من يريد أن يأتي بمعنى الاستقامة ينبغي أن يتمثل جميع تعاليم الإسلام ومبادئه وأخلاقياته وأسسه في واقعه كله ، في جميع مجالاته سواء أكان مجالا سياسيا, أم كان مجالا اقتصاديا, أم كان مجالا عباديا ,أم كان مجالا سلوكيا وأخلاقيا, أم كان في غير ذلك من المجالات وفي جميع الفئات التربوية والاجتماعية ينبغي أيضا أن يستقيم فيها .
ففي الفئة الأولى المسماة ببيئة( الأسرة والعائلة) ينبغي أيضا أن تنـزل أحكام الله وأحكام رسوله صلى الله عليه وسلم على هذه النواة الأولى في جميع تصرفاتها وشئونها وعلائقها بين زوجين وأبناء أو بنات وآباء أو غير ذلك ، كذلك يقال في بيئة هي أكبر كبيئة المدرسة ,أو أكبر كهيئة المجتمع, أو أكبر كبيئة دولة ، أو أكبر في غير هذه المجالات .
فينبغي أن تنـزل أحكام كتاب الله عز وجل وسنة مصطفاه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم على جميع بيئاتنا التربوية والاجتماعية وغيرها في جميع المجالات .
والاستقامة التي نريدها ، وذكرت في عنوان محاضرتنا إليكم معشر الأبرار ؛ إنما هي الاستقامة التي فيها انتقال من ضلالة إلى هداية ، ومن غواية إلى رشاد ، ومن كفر إلى إيمان وما إلى ذلك .
وهذا الإطلاق أطلقه كثير من الناس ، وأصبح عرفا معروفا بينا واضحا ، وإلا فالاستقامة لها معنى عام أعمق مدلولا مما نحن بصدده ، وقد ذكرناه آنفا .
والاستقامة بالمعنى الذي نريده وحوله يدور حديثنا إليكم ؛ إنما هو الانتقال من الضلالة إلى الهداية ، ومن الغواية إلى الرشاد ، ومن الكفر إلى الإيمان وما يتعلق بهذه المعاني الثلاثة .
يمدي الاستقامة عندما ينادى بها ، ويذكر المنهج الذي يتبعه الإنسان بعد هداية الله سبحانه وتعالى له ، كأن يكون في مجتمع منحلا كان صارخا بالكفر ليلا ونهارا ، ولكن الله عز وجل منَّ عليه فهداه ، أو أن يكون ضالا ولو في مجتمع إسلامي فهداه الله عز وجل بعد ضلالة ، أو غير ذلك من المعاني التي هي بمعنى الاستقامة التامة .
إنما كان ذلك كذلك ؛ لأن هناك قضية وعدم وضوح عند كثير من المهتدين والمستقيمين على أمر الدين لا يدري ما الذي يفعله بعد استقامته ، ولا يدري ما الذي يفعله بعد أن هداه الله عز وجل ، كثير من الناس يظن أن الاستقامة تقف عند عتبة تقصير ثوب وإطالة لحية فقط ، فإذا صح المظهر لا بد أن يصح المخبر ، ويأخذه كانعكاس أخلاقي وديني وغير ذلك ، ولا شك أن الأمر أعمق مما يتصوره كثير من الناس ، فعدم وضوح الرؤية بماهية العمل الذي سيعمله بعد استقامته ولأعماله وخطواته التي سيأتي بها في ميدان استقامته وهدايته ، كان لا بد من التكلم عن تلك الثلاث التي هي خطوات عملية في حياتك الدينية والتربوية والاجتماعية وغيرها عند استقامتك وبعدها .
ولما أهمل كثير من الناس عدم معرفتهم بالخطوات العملية المباشرة في حياته التي يحياها بعد استقامته وهدايته ، أصبح يخبط خبط عشواء ، وربما أراد أن يصلح نفسه فأفسدها ، وربما تركها على حالتها عندما وضعت أولى خطواتها في سيرها في طريق الهداية ، فلا يتعاهدها بتوجيه وتربية ونصح وإرشاد وغير ذلك من المعاني التربوية والدينية الإسلامية التي لا بد منها .
فإيضاحا لهذا المنهج, وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ,وتقريرا لمبادئه, وأصوله, وأسسه ؛كان حديثنا إليكم أيها الأخوة والأخوات .
والاستقامة حري أن يتكلم عنها وأن يثنى بعد بدء بالكلام عنها أيضا ، وأن يثلث وأن يؤتى عليها مرات ومرات ؛ ذلك أن الإنسان بحاجة إلى مزيد تبصير بها وإيقاظ بعد وهن يعتريه
فالإنسان وهو يسير في دنياه يصاب بالغفلة ويصاب بمرض الوهن ، وربما اعتراه ما اعتراه مما يليه عن شق طريقه قدما ، وهو قادم على ربه سبحانه وتعالى مما ينسيه أنه في هذه الدنيا يحمل زادا فوق ظهره يلقى به ربه يحاسبه عنه يسمى بالعمل .
فهل أعد لأجله عملا يكون سببا لعتقه من النيران؟! , أم أنه أوبق دنياه بالخسران بأعمال ,وأفعال, وأقوال ,وتركات وغير ذلك ؟ لا تزيده في الآخرة إلى خسارة ..!!!
ولذلك لما أتى ابن القيم "يرحمه الله" ليتلكم عن الاستقامة الذي هو بمعنى الهداية بعد الضلالة والرشاد بعد الغواية والإيمان بعد الكفر ، ذكر "يرحمه الله" : أن الإنسان في هذه الحالة هو في حالة ولادة جديدة ، كالذي ولد من بطن أمه ورحمها ، كذلك الرجل والمرأة إذا هداه الله عز وجل بعد كفر أو بعد ضلالة أو بعد غواية كالذي ولد تماما .
فنسبة ولادته الثانية كنسبة ولادته الأولى تتفتح عيناه في ولادته الأولى عن الدنيا وما فيها والمحيط الخارجي, كذلك الإنسان إذا هداه الله سبحانه وتعالى كأنه ولد ولادة جديدة ، فعيناه تبصران الأشياء بغير المفاهيم السابقة ، وتبصران الكون, والحياة, والإنسان ,وتحركاته بمفاهيم إسلامية محررة واضحة صحيحة يحكمها كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
فالإنسان في هذه الهداية وفي هذه الاستقامة يولد ولادة جديدة ، فهو في حاجة إلى محضن تربوي يبصره كيف يكف نفسه ؟، وبحاجة إلى خطة عمل يسير عليها حتى يلقى ربه سبحانه وتعالى .

خطة العمل وبرنامجه الذي يسير عليه هي هذه الثلاث بعد الاستقامة :
أولها : التخلية .
ثانيها : التحلية .
ثالثها : الثبات .
فلا بد من المجيء بالتخلية الذي هو تخلية نفسك وروحك وأفكارك مما كنت فيه في أوقات الجاهلية ، ومفاهيم خاطئة وسلوكيات مشينة وغير ذلك .
وكذلك لا بد من التحلية ، بأن تحلي نفسك بأوامر الإسلام من واجبات, وفرائض ومستحبات, وسنن وأخلاقيات وغير ذلك ، فلا بد من التحلية أيضا كما أنه لا بد من أن يثلث بالثبات على الاستقامة إلى أن يتوفاه الله سبحانه وتعالى ؛ ولذلك هذه الثلاثة هي البرنامج العملي الذي يسير عليه الإنسان منذ أن وضع أولى خطواته في طريق الاستقامة ، فلا بد أن يباشر عملية التخيير ، فيتخلى عن معايبه ,وسيئاته ,والمفاهيم الخاطئة التي حملها معه في جاهلية جهلاء تاه فيها ، أو ضلالة عمياء كان في أوحالها ، أو خبط عشواء ، ولو كان يسميه الناس الرجل العادي ، ورجل الشارع ، ولكنه هو أيضا بحاجة إلى مزيد من التحلية حتى يتخلى عن جميع ما علق بشخصيته جسدا وروحا وعقلا حتى يخلي هذه النفس منه ، ويبعد هذه الأوبئة عنه ، وهو أيضا بحاجة إلى تحلية ، أن يحلي نفسه بما أوجبه الله سبحانه وتعالى عليه بجميع المأمورات ، والتخلي عن المنهيات والتزود بالإيمان الذي عند أهل السنة والجماعة ، يزيد وينقص ، كذلك هو بحاجة إلى مثبتات تثبته على هذا الطريق حتى لا يغوى .
وليكن حديثنا عبر هذه المحاور الثلاث حتى نأتي على هذه الخطوات العملية ، وعلى هذا البرنامج العملي تبصيرا به وبيانا بنهجه .

يتبع
_______________________________________

منقول/ صيد الفوائد

نور الشام
11-30-2005, 09:16 AM
اللهم قوّمنا بالعلم والعمل ..
بوركت يا حبيبة
رفع الله قدرك وأعلى منزلتك عنده