نور الشام
07-24-2007, 06:20 PM
التركيز على من يقول، لا ما يقال
الأصل أن يخضع الإنسان لمنهج الله - تبارك و تعالى – و لكن لملابسات كثيرة تختلط الأمور، و تُظن العصمة في غير المعصوم، و يذهب كثير من الناس – للحفاظ على ما استقر في نفوسهم من تقديس بعض الأشخاص – إلى تأويل المنهج، و تفسي!ره تفسيراً متكلفاً لا تسعفه الأدلة الثابتة .
و قد وصل استعظام وقوع الخطأ من بعض الأشخاص، أو عدم معرفتهم بقضية من القضايا إلى حد الاندهاش من قول عالم (لا أدري)، فقد ذكروا أن رجلاً سأل ثعلباً النحوي عن مسألة، فقال : لا أدري، فقال الرجل: مثلك يقول : لا أدري ؟!
فقال ثعلب : لو أن لأمك عدد ما لا أدريه بعيراً لاستغنت ! (1)
و المستقر عند جميع العقلاء أنه لا يوجد من انفرد من المجتهدين بالصواب في كل المسائل التي ذهب إليها، و أنه لا يوجد مذهب من المذاهب في الفقه أو النحو أو العلوم قد انفرد بالصواب كله، كما لا يوجد مذهب مضى بالخطأ كله ؛ لكن خلف من بعد الأئمة خلف تحيّزوا إلى جانب الأشخاص على حساب المنهج، و في الرد على أولئك يقول العز بن عبد السلام : (( و من العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعاً، و مع هذا يقلّده فيه، و يترك من الكتاب و السنة، و الأقيسة الصحيحة لمذهبه على تقليد إمامه، بل يتحلل لدفع ظواهر الكتاب و السنة. و يتأولهما بالتأويلات البعيدة الباطلة دفاعاً عن مقلّده ))، و تتجلى اليوم هذه الظاهرة في أوساط بعض التيارات في التركيز على من يقول لا على ما يقال ..
فتظهر بمظهرين :
الأولى: عدم قبول الفرد للكلام إلا من شخصية تنتمي إلى حزبه أو تنظيمه وجماعته. وكل فكرة أو قول يصدر عنها فهو مقبول. بينما لو طرح أي قائل أو عالم أو عامل لا ينتمي إلى حزبه أو تنظيمه وجماعته فكرةً أو رأياً؛ بل ربما كان أكثر حنكة وأقوم سبيلاً لرفضه دون بحث أو نظر. وصدق المولى حين قال: *( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)*االزخرف : 31. فالكثيرون لا يحللون ولا يدرسون ما يُقال وما يطرح عليهم من أفكار، بل هم أسرى لشخصيات بعينها. إذا قالت فقولها صواب، ومن خالفها فهو جاهل لا علم له ولا وعي.
والثانية: هي رفض الكلام أو الفكرة التي تُعرض. فبدلاً من أن يتم تهذيب أو نقد أو تطوير الفكرة ينصرف التركيز على صاحبها. ويصبح الحديث عن ذاته، وتترك الفكرة وتنسى. كما اتهم النبي بالسحر والجنون *(وقالوا معلم مجنون)* الدخان : 14. فالكفار لم يناقشوا الفكرة، بل ركزوا على شخصية القائل. وقد تزداد الأمور سوءاً وذلك بالنيل من صاحب الفكرة، ونيته وولائه وتربيته، وتتم رسم صورة له في أذهان الناس بحيث يبدو وكأنه لص أو منحرف ما كان يرجو الإصلاح، فإذا ما ذكر اسمه تُذكر الصفات التي أُلصقت به ولا تُذكر فكرته،
قوة الحقيقة ذاتية
علينا في النهاية ألا ننسى ان من إجلال الحقائق و إعطائها حقها أن نعترف بها، و ننزلها في منزلها الذي تستحقه بغض النظر عن قائليها، سواء أكان ذلك صديقاً أم عدواً، عالماً
أم جاهلاً .
و لا يشترط للحقيقة حتى تثبت أن نجد لها شواهد من ثقافتنا، أو من منهجنا، فإن عدم وجود مانع لدينا كاف في هذا المقام لإزالة كل الحواجز التي تقف في وجه قبولها .
و إن كل ثقافة تقبل من النظم و الآليات و اللوائح و الإجراءات كل ما لا يتعارض مع
مبادئها و كل ما ينشط أداء وظائفها .
و علينا أن ننسب كل حقيقة لمكتشفها، و كل فكرة لمبدعها كان من كان، لأن هذا من الإنصاف الذي أمرنا به، فقد نجد اليوم كشفاً لخطأ من أخطائنا، أو تأصيلاً إسلامياً
لمسألة من المسائل عند غيرنا، و هذا اليوم ليس قليلاً، إذ إن آيات الله في الآفاق و الأنفس لا تتجلى إلا لمن يبحث عنها، و غيرنا اليوم أكثر سعياً في الأرض، و أكثر حركة في اكتشافها!
و واجبنا تجاه ذلك ألا نتحرج من نسبة الفضل لأهله، فذلك أقسط عند الله و أقرب للتقوى .
و في الجهة المقابلة فإن الرأي الذي لا تسنده الأدلة لا يستمد صحته من سلطان قائله،
و وجاهته، كما لا يستمد احترامه و شرعيته من المدة الزمنية التي ورد فيها، أو مضت عليه، و هذا واضح جداً من خلال حركة الاجتهاد و الترجيح بين الأقوال التي – و إن خفت صوتها في بعض الأحيان – لم تتوقف في أرجاء المجتمع الإسلامي، فقد نهى كبار الأئمة عن تقليدهم، و أخذ أقوالهم دون معرفة أدلتهم، و منزع الأحكام التي صاروا إليها،
حتى لا يكون الولاء إلا للأدلة و البينات، فالشيء إذا عرف سببه بطل العجب منه.
و قال أبو داود : قلت لأحمد : الأوزاعي هو أتبع من مالك؟
قال : لا تقلّد دينك أحداًمن هؤلاء، ما جاء عن النبي (صلى الله عليه و سلم) و أصحابه فخذه، ثم التابعي بعد الرجل فيه مخيّر ..
فعلى العقل المسلم أن يتجاوز هذه الآفة لينظر للحق من حيث هو حق وليس لقائله. فإذا تكرست ظاهرة الاصطفائية في الاستماع وكرس الإنسان جهده للنظر للقائل بدلاً من النظر للفكرة والتصور فلن يكون هناك انتفاع بهذه الأفكار المتدفقة في العالم، والتي يمكن أن تشكل أحياناً قفزات كبيرة وواسعة إلى الأمام.
فصول في التفكير الموضوعي – د. عبد الكريم بكار، النهضة من الصحوة إلى اليقظة – د. جاسم سلطان.
الأصل أن يخضع الإنسان لمنهج الله - تبارك و تعالى – و لكن لملابسات كثيرة تختلط الأمور، و تُظن العصمة في غير المعصوم، و يذهب كثير من الناس – للحفاظ على ما استقر في نفوسهم من تقديس بعض الأشخاص – إلى تأويل المنهج، و تفسي!ره تفسيراً متكلفاً لا تسعفه الأدلة الثابتة .
و قد وصل استعظام وقوع الخطأ من بعض الأشخاص، أو عدم معرفتهم بقضية من القضايا إلى حد الاندهاش من قول عالم (لا أدري)، فقد ذكروا أن رجلاً سأل ثعلباً النحوي عن مسألة، فقال : لا أدري، فقال الرجل: مثلك يقول : لا أدري ؟!
فقال ثعلب : لو أن لأمك عدد ما لا أدريه بعيراً لاستغنت ! (1)
و المستقر عند جميع العقلاء أنه لا يوجد من انفرد من المجتهدين بالصواب في كل المسائل التي ذهب إليها، و أنه لا يوجد مذهب من المذاهب في الفقه أو النحو أو العلوم قد انفرد بالصواب كله، كما لا يوجد مذهب مضى بالخطأ كله ؛ لكن خلف من بعد الأئمة خلف تحيّزوا إلى جانب الأشخاص على حساب المنهج، و في الرد على أولئك يقول العز بن عبد السلام : (( و من العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعاً، و مع هذا يقلّده فيه، و يترك من الكتاب و السنة، و الأقيسة الصحيحة لمذهبه على تقليد إمامه، بل يتحلل لدفع ظواهر الكتاب و السنة. و يتأولهما بالتأويلات البعيدة الباطلة دفاعاً عن مقلّده ))، و تتجلى اليوم هذه الظاهرة في أوساط بعض التيارات في التركيز على من يقول لا على ما يقال ..
فتظهر بمظهرين :
الأولى: عدم قبول الفرد للكلام إلا من شخصية تنتمي إلى حزبه أو تنظيمه وجماعته. وكل فكرة أو قول يصدر عنها فهو مقبول. بينما لو طرح أي قائل أو عالم أو عامل لا ينتمي إلى حزبه أو تنظيمه وجماعته فكرةً أو رأياً؛ بل ربما كان أكثر حنكة وأقوم سبيلاً لرفضه دون بحث أو نظر. وصدق المولى حين قال: *( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)*االزخرف : 31. فالكثيرون لا يحللون ولا يدرسون ما يُقال وما يطرح عليهم من أفكار، بل هم أسرى لشخصيات بعينها. إذا قالت فقولها صواب، ومن خالفها فهو جاهل لا علم له ولا وعي.
والثانية: هي رفض الكلام أو الفكرة التي تُعرض. فبدلاً من أن يتم تهذيب أو نقد أو تطوير الفكرة ينصرف التركيز على صاحبها. ويصبح الحديث عن ذاته، وتترك الفكرة وتنسى. كما اتهم النبي بالسحر والجنون *(وقالوا معلم مجنون)* الدخان : 14. فالكفار لم يناقشوا الفكرة، بل ركزوا على شخصية القائل. وقد تزداد الأمور سوءاً وذلك بالنيل من صاحب الفكرة، ونيته وولائه وتربيته، وتتم رسم صورة له في أذهان الناس بحيث يبدو وكأنه لص أو منحرف ما كان يرجو الإصلاح، فإذا ما ذكر اسمه تُذكر الصفات التي أُلصقت به ولا تُذكر فكرته،
قوة الحقيقة ذاتية
علينا في النهاية ألا ننسى ان من إجلال الحقائق و إعطائها حقها أن نعترف بها، و ننزلها في منزلها الذي تستحقه بغض النظر عن قائليها، سواء أكان ذلك صديقاً أم عدواً، عالماً
أم جاهلاً .
و لا يشترط للحقيقة حتى تثبت أن نجد لها شواهد من ثقافتنا، أو من منهجنا، فإن عدم وجود مانع لدينا كاف في هذا المقام لإزالة كل الحواجز التي تقف في وجه قبولها .
و إن كل ثقافة تقبل من النظم و الآليات و اللوائح و الإجراءات كل ما لا يتعارض مع
مبادئها و كل ما ينشط أداء وظائفها .
و علينا أن ننسب كل حقيقة لمكتشفها، و كل فكرة لمبدعها كان من كان، لأن هذا من الإنصاف الذي أمرنا به، فقد نجد اليوم كشفاً لخطأ من أخطائنا، أو تأصيلاً إسلامياً
لمسألة من المسائل عند غيرنا، و هذا اليوم ليس قليلاً، إذ إن آيات الله في الآفاق و الأنفس لا تتجلى إلا لمن يبحث عنها، و غيرنا اليوم أكثر سعياً في الأرض، و أكثر حركة في اكتشافها!
و واجبنا تجاه ذلك ألا نتحرج من نسبة الفضل لأهله، فذلك أقسط عند الله و أقرب للتقوى .
و في الجهة المقابلة فإن الرأي الذي لا تسنده الأدلة لا يستمد صحته من سلطان قائله،
و وجاهته، كما لا يستمد احترامه و شرعيته من المدة الزمنية التي ورد فيها، أو مضت عليه، و هذا واضح جداً من خلال حركة الاجتهاد و الترجيح بين الأقوال التي – و إن خفت صوتها في بعض الأحيان – لم تتوقف في أرجاء المجتمع الإسلامي، فقد نهى كبار الأئمة عن تقليدهم، و أخذ أقوالهم دون معرفة أدلتهم، و منزع الأحكام التي صاروا إليها،
حتى لا يكون الولاء إلا للأدلة و البينات، فالشيء إذا عرف سببه بطل العجب منه.
و قال أبو داود : قلت لأحمد : الأوزاعي هو أتبع من مالك؟
قال : لا تقلّد دينك أحداًمن هؤلاء، ما جاء عن النبي (صلى الله عليه و سلم) و أصحابه فخذه، ثم التابعي بعد الرجل فيه مخيّر ..
فعلى العقل المسلم أن يتجاوز هذه الآفة لينظر للحق من حيث هو حق وليس لقائله. فإذا تكرست ظاهرة الاصطفائية في الاستماع وكرس الإنسان جهده للنظر للقائل بدلاً من النظر للفكرة والتصور فلن يكون هناك انتفاع بهذه الأفكار المتدفقة في العالم، والتي يمكن أن تشكل أحياناً قفزات كبيرة وواسعة إلى الأمام.
فصول في التفكير الموضوعي – د. عبد الكريم بكار، النهضة من الصحوة إلى اليقظة – د. جاسم سلطان.